القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

حكم الخروج علي الحاكم بالكلام


الخروج على الحاكم يكون بالسلاح ويكون بالكلام والقول فلا يجوز للإنسان أن يذكر معايب الحكام وينشرها في الصحف أو فوق المنابر أو في منصات التواصل الإجتماعى أو غيرها فهذا نوعٌ من الخروج وهذا فعل وصفات الخوارج الذين قال عنهم النبى صلى الله عليه وسلم : الخوارج كلاب أهل النار. لأن ذكر المعايب هذه تبغِّض الناس في الحُكّام ثم تكون سببًا في الخروج عليهم وبفعلك هذا تكون مبتدع على غير السنة والطريق .

فمن يقول بأن الخروجُ على الحاكم لا يكون إلا بالسيف فهو إما أنه جاهلٌ بمذهب السلف أو كاذبٌ عليهم .

فإنْ كنتَ لا تدري فتلكَ مصيبةٌ 

وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ .

فذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «اتقِ اللهَ يا محمد»[البخاري]، وفي رواية : «اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله». [ابن ماجه ].

بماذا خرج؟! أم أنه ليس بخارجيّ؟!!

لقد عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم خارجيًا بل إمامًا للخوارج الذين يأتون من بعده، فقال عنه : «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ». [متفق عليه].

مع أن ذا الخويصرة هذا لم يُشْهِر سيفًا ولم يُقاتِل النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال (كلمة)!! : «اعدلْ».

وقد تتابع علماءُ الحديث في ذِكر هذا الحديث في أول أبواب ذم الخوارج وصفاتهم نذكر منهم على سبيل المثال :

الإمام البخاري رحمه الله :

ذكرَ هذا الحديث في أول باب (مَن تَرَكَ قتال الخوارج للتَّأَلُّف وأن لا ينفرَ الناسُ عنه) .

النووي رحمه الله :

ذكره في أول باب (ذِكر الخوارج وصفاتِهم) .

البغوي رحمه الله :

ذكره كأول حديث في باب (قتال الخوارج والمُلحدين) .

ولذلك قال العلامة العثيمين رحمه الله 

«بل العجب أنه يعني ذا الخويصرة وجَّه الطعن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: «اعدل،هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله»، وهذا أكبرُ دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف ويكون بالقول والكلام يعني : هذا ما أخذ السيفَ على الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه أنكر عليه» .انتهى من تعليقه على رسالة الإمام الشوكاني -رحمهما الله-: «رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين ( الشريط : ٢/أ )]

وقال العلامة النجمي رحمه الله :

 « والخروجُ عليهم ينقسم إلى قسمين :

1- خروجٌ فعلي بالسيف وما في معناه.

2- خروجٌ قولي :

أن يتكلمَ الإنسانُ في ولاة الأمر ويقدحَ فيهم، ويذمهم دعوةً إلى الخروج عليهم». اهـ  [«فتح الرب الغني بتوضيح شرح السنة» للمزني (صـ 51) ] .

وقد سُئل العلامة الفوزان حفظه الله- :

 هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط أم يدخل في ذلك الطعن فيهم وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم؟

فأجاب حفظه الله- : 

«ذكرنا هذا لكم، قلنا : الخروج على الأئمة يكون بالخروج عليهم بالسيف وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام : بسبِّهم، وشتمهم والكلام فيهم في المجالس وعلى المنابر هذا يهيِّج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، ويُنَقِّص قدر الولاة عندهم هذا خروج، فالكلام خروج، نعم» .انتهى من [محاضرة ألقاها الشيخ بمسجد الملك فهد بالطائف بتاريخ 3-3-1415 هـ، والمادة موجودة على الموقع الرسمي للشيخ، بعنوان: (صور الخروج على الأئمة)] .

وسُئلَ العلامة الراجحي حفظه الله- :

 هل الخروج على الحكام يكون بالسيف فقط أم يكون باللسان أيضًا؟ 

فأجاب حفظه الله- :

 «نعم , الخروج على الولاة يكون بالقتال وبالسيف, ويكون أيضًا بذكر المعايب ونشرها في الصحف، أو فوق المنابر أو في الإنترنت؛ في الشبكة أوغيرها لأن ذكر المعايب هذه تبغِّض الناس في الحُكّام ثم تكون سببًا في الخروج عليهم.

 أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه لما خرج عليه (الثوار) نشروا معايبه أولاً بين الناس, وقالوا: إنه خالف الشيخين الذين قبله أبو بكرٍ وعمر وخالفهما في التكبير وأخذ الزكاة على الخيل وأتمَّ الصلاة في السفر, وقرّب أولياءه وأعطاهم الولايات.. فجعلوا ينشرونها، فاجتمع (الثوار) ثم أحاطوا ببيته وقتلوه . 

فلا يجوز للإنسان أن ينشرَ المعايب هذا نوعٌ من الخروج فإذا نُشرت المعايب معايب الحُكام والولاة على المنابر، وفي الصحف، والمجلات، وفي الشبكة المعلوماتية, أبغضَ الناس الولاة وألَّبوهم عليهم فخرج الناس عليهم». اهـ [«شرح المختار في أصول السنة» للراجحي (صـ 289)] .

 بل إنّ الخروج بالسيف والسنان لابد أن يسبقه خروجٌ بالكلام واللسان فمن المعلوم أنّ الفعلَ يسبقه الكلامُ وأن الفتنَ العظام والحروبَ الكبيرة تبدأ أولاً- بالكلام والتشهير، وكما قيلَفإِنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَى .. وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَلامُ.

قال العلامة العثيمين رحمه الله- :

 «ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال : أنه لا يمكن خروج بالسيف إلا وقد سبقه خروج باللسان والقول. 

الناس لا يمكن أن يأخذوا سيوفهم يحاربون الإمام بدون شيء يثيرهم، لابد أن يكون هناك شيء يثيرهم وهو الكلام، فيكون الخروج على الأئمة بالكلام خروجًا حقيقة دلَّت عليه السنة، ودلّ عليه الواقع. أما السنة فعرفتموها .

 وأما الواقع : 

فإنا نعلم علم اليقين : أن الخروج بالسيف فرعٌ عن الخروج باللسان والقول لأن الناس لم يخرجوا على الإمام (بمجرد أخذِ السيف) لابد أن يكون توطئة وتمهيد : قدح في الأئمة، وستر لمحاسنهم ثم تمتلئ القلوب غيظًا وحقدًا وحينئِذٍ يحصل البلاء».انتهى [من تعليقه على رسالة الإمام الشوكاني: «رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين»، ( الشريط : ٢/أ )].

وقد سُئل العلامة الفوزان حفظه الله :

 هل الخروج على الحاكم بالقول كالخروج بالسيف سواء بسواء؟ وما الحكم بالخروج على الحاكم؟

فأجابَ :

الخروج على الحاكم بالقول قد يكون أشد من الخروج بالسيف بل الخروج بالسيف مترتب على الخروج بالقول الخروج بالقول خطيرٌ جدًا ولا يجوز للإنسان أن يحث الناس على الخروج على ولاة الأمور ويبغَّض ولاة أمور المسلمين إلى الناس فإنّ هذا سبب في حمل السلاح فيما بعد والقتال فهو أشد من الخروج بالسيف لأنه يُفسِد العقيدة ويُحرِّش بين الناس ويُلقي العداوة بينهم وربما يسبب حمل السلاح، نعم .اه [الموقع الرسمي للشيخ، مادة بعنوان : (الخروج على الحاكم بالقول أخطر من الخروج عليه بالسيف)].

وسئل أيضا حفظه الله :

رجل نصحته عن الطعن في ولاة الأمور، فهجرني بسب ذلك، ولما ألتقيته في مكان سلمت عليه فلم يرد السلام، وبعدها هجرته، فهل آثم في ذلك؟

الجواب :

هذا من الخوارج، الذي يحرض على ولاة الأمور هذا من الخوارج ـ والعياذ بالله -، فلا يجوز له هذا الشيء، ولاة الأمور لهم حق، هل تعيشون بلا ولاة أمور؟ يا سبحان الله، هذا يمكن يبيت بداره وبيته ويمشي في الأسواق بدون وجود ولاة الأمور هو بالضرورة لولاة الأمور، ما أحد يستغني عنهم، يدعى لهم، ويعانون، ويطاعون في غير معصية الله ولا يهانون بالكلام، ويحقرون عند الناس، هذا فعل الخوارج الذين قاتلهم الصحابة، قاتلوهم لأنهم يفسدون في الأرض، فأنت على صواب في نصيحته، وعلى صواب في هجره إذا لم يقبل النصيحة ولا يكفي هذا، بل لابد أن تحذر منه وتبين أمره هو وأتباعه حتى يؤخذ على أيديهم .اه


وسُئلَ العلامة ربيع المدخلي حفظه الله :

 هل يكون الخروج على ولاة الأمر بالكلام أو لابدّ من الخروج عليهم بالسيف؟

فأجاب :

 «بدايةُ الخروج بالكلام الكلام في تهييج الناس وتثويرهم وشحنهم وإلقاء البغضاء بين الناس هذه فتنة قد تكون أشدّ من السيف ما يكون السيف إلاّ تعبيرًا عمّا في النفوس ولهذا عبد الله بن إباض رئيس الإباضية من القَعَدَة- يُعَدّ من الخوارج يعني يحرِّك الناس بالكلام وفِرقة سموها :

 ( القَعَدِيَّة ) وهم من الخوارج يعني يحرِّكون الناس بالكلام .اه [الموقع الرسمي للشيخ - قسم الفتاوى]

 وأيضا التاريخُ والواقع

 يشهدان على ذلك فالخروجَ على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بدأ بالكلام :  بالطعنِ فيه والتشهيرِ به زَورًا وبهتانًا حتى انتهى بقتله شهيدًا صابرًا رضي الله عنه وأرضاه .

فها هو عبدالله بن سبأ اليهودي كان يقول لأتباعه : «إن عُثْمَان أخذها بغير حق وهذا وَصِىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحرِّكوه وابدءوا بالطعن عَلَى أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إِلَى هَذَا الأمر» .اه [تاريخ الطبري (4/ 340-341)].

فهل أفعالُ المتظاهرين والمعتصمين -(الثوار)- اليوم إلا سنة أسلافهم من الخوارج المفسدين الذين ثاروا على عثمان رضي الله عنه يطالبونه بالتنحي؟!! وقد تحقق ما أراده ابن سبأ .

* فَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ : 

«كَانَ أَوَّلَ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى عُثْمَانَ بِالمَنْطِقِ السَّيِّئِ جبلة ابن عَمْرٍو السَّاعِدِيَّ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَدِيِّ قَوْمِهِ وَفِي يَدِ جَبَلَةَ بْنِ عَمْرٍو جَامِعَةٌ، فَلَمَّا مَرَّ عُثْمَانُ سَلَّمَ فَرَدَّ القَوْمُ فَقَالَ جَبَلَةُ : لِمَ تَرُدُّونَ عَلَى رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا! قَالَ :

 ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لأَطْرَحَنَّ هَذِهِ الجَامِعَةَ فِي عُنُقِكَ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذِهِ.

قَالَ عُثْمَانُ : أى بطانة! فو الله إِنِّي لأَتَخَيَّرُ النَّاسَ. فَقَالَ : مَرْوَانُ تَخَيَّرْتَهُ! وَمُعَاوِيَةُ تَخَيَّرْتَهُ! وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ تَخَيَّرْتَهُ! وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ تَخَيَّرْتَهُ! مِنْهُمْ مَن نزل القرآن بدمه وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دَمَهُ.

قَالَ : فَانْصَرَفَ عُثْمَانُ فَمَا زَالَ النَّاسُ مُجْتَرِئِينَ عَلَيْهِ إِلَى هَذَا اليَوْمِ» .اه [تاريخ الطبري (4/366)] .

* وقالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ :

 «لا أُعِينُ عَلَى دَمِ خَلِيفَةٍ أَبَدًا بَعْدَ عُثْمَانَ»قَالَ فَيُقَالُ لَهُ : يَا أَبَا مَعْبَدٍ أَوَ أَعَنْتَ عَلَى دَمِهِ؟ فَقَالَ : «إِنِّي لأَعُدُّ ذِكْرَ مَسَاوِيهِ عَوْنًا عَلَى دَمِهِ» .اه  [رواه ابن سعد في الطبقات (6/115)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/362)، وغيرهما].

فعبد الله بن عُكَيْم لم يزد على أن ذكرَ مساوئ عثمان رضي الله عنه ولكنه اعتبر ذلك من الإعانة على دمه .

قال العلامة ابن باز رحمه الله- :

 «ولما فتح الخوارج الجهال بابَ الشر في زمان عثمان رضي الله عنه وأنكروا على عثمان علنًا عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية وقُتل عثمان وعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك وقتل جمعٌ كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علنًا حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه» .اه [مجموع فتاوى ابن باز (8/211)].

* وأخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة : أن أسامة بن زيد رضي الله عنه : «قِيلَ لَهُ : أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ ؟!، فَقَالَ : "أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟! وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ [ فِي السِّرِّ ] فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا [ وفي رواية : بابًا ] لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ».اه

 ثم إنّ أهل السنة لم يُرَخِّصوا لرجل أن يلعنَ الأمراء أو يدعو عليهم وهذا مجرد كلام وليس بإشهارِ سيف بل إنهم يعدون الدعاءَ عليهم دليلاً على ابتداع الرجل وفساد معتقده .

فعن أنس بن مالك قال : نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا امراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب. ( إسناده جيد ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم )

وعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أنه قال : إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه . ( البيهقي في شعب الإيمان وابن عبد البر في التمهيد )

وعن أبي اليمان الهوزني، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه -، قال : إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة قيل : يا أبا الدرداء ! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب ؟ قال اصبروا ،فإن الله إذا رأي ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت. (رواه ابن أبي عاصم في السنة )

وعن زائدة بن قدامة، قال : قلت لمنصور بن المعتمر : إذا كنت صائماً أنال من السلطان قال : لا قلت : فأنال من أصحاب الأهواء ؟ قال : نعم . ( الصمت وآداب اللسان ، وأبو نعيم في الحلية )

وعن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال : ما سب قوم أميرهم، إلا حرموا خيره . ( ابن عبد البر في التمهيد ، وأبو عمرو الداني في الفتن )

وعن أبي مجلز، قال : سب الإمام الحالقة لا أقول : حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين . ( كتاب الأموال لابن زنجويه) بسند حسن

قال البربهاري -رحمه الله- : إذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى- .اه  [شرح السنة للبربهاري صـ 113].

وقَالَ الفُضَيْلُ بن عِيَاض : «لَوْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَمْ أَجْعَلْهَا إِلَّا فِي إِمَامٍ لِأَنَّهُ إِذَا صَلُحَ الإِمَامُ أَمِنَ البِلَادُ وَالعِبَادُ». قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ :«يَا مُعَلِّمَ الخَيْرِ مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ» .اه [شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/193)].

وسُئل الشيخ ابن باز رحمه الله :

 هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهج السلف في نصح الولاة؟

فأجابَ :

 ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذِكر ذلك على المنابر لأن ذلك يُفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف :

 النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يُوجَّه إلى الخير .اه [مجموع فتاوى ابن باز (8/211)].

فأين هذا ممن يقول : اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك وأرنا فيه يومًا كيوم فرعون وهامان وقارون... إلى غير ذلك ؟!!

وللأسف : أنك ترى كثيرًا من الناس لا يرفعون أصواتهم بالتأمين في القنوت وغيره في جميع الأدعية الأخرى كما يرفعونها ويضجُّون بها عند الدعاء على ولي أمرهم فهل هؤلاء على ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أم أنهم مفتتحو باب ضلالة؟!!.

فقد أخرج أحمد - بسند صحيح عن سعيد بن جُمْهَانَ قال : «أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ مَحْجُوبُ الْبَصَرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي : مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ : أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، قَالَ : فَمَا فَعَلَ وَالِدُكَ؟ قُلْتُ : قَتَلَتْهُ الْأَزَارِقَةُ، قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْأَزَارِقَةَ لَعَنَ اللَّهُ الْأَزَارِقَةَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَنَّهُمْ كِلَابُ النَّارِ»  قُلْتُ : الْأَزَارِقَةُ وَحْدَهُمْ أَمِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا؟ قَالَ : «بَلِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا» قُلْتُ : فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ وَيَفْعَلُ بِهِمْ، قَالَ : فَتَنَاوَلَ يَدِي فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ : «وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ، وَإِلَّا فَدَعْهُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ».

ففي هذا الحديث : نبه عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه سعيد بن جُمْهان على أن ما يذكره -ويجهر به من مساوئ السلطان أمام الناس يُعَدُّ خُرُوجًا عن (السواد الأعظم) وهم -كما يظهر من سياق الكلام- «جملة الناس الذين يجتمعون على طاعة السلطان أو الإمام»

 فلذلك نصحه بقوله : «وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» مؤكدًا عليه ألا يخرج عن السواد الأعظم ثم دله على الطريقة السنية المشروعة في نصح ذوي السلطان؛ فقال له :

«إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ، فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ، وَإِلَّا فَدَعْهُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ»، فكأنه رضي الله عنه أراد أن يقول له : إن كنتَ تريد نصح السلطان وتقويم أخطائه، فأته في بيته -فلهذا هدي السنة في الناصحين-، وإلا فإن تشهيرك بالسلطان وبأخطائه يعد خروجًا عليه وعن طاعته مخالفًا لسلوك السواد الأعظم المجتمعين على طاعته، فلا تفعل ذلك، وعليك بالطاعة والجماعة ( السواد الأعظم).

ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله- مبيِّنًا خطورة اللسان : «الإفسادُ قد يكون باليد وقد يكون باللسان وما يُفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تُفسده اليد كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد» .اه [الصارم المسلول على شاتم الرسول (صـ 385)].

 هذا ومما يؤكِّد على أن الخروج يكون باللسان -كما يكون بالسِّنان أنّ أهلَ العِلم ذكروا نوعًا من الخوارج وهم الخوارج القَعَدِيَّة .

هؤلاء الخوارج القَعَدِيَّة ما خرجوا بالسيف!! فمَن هم الخوارج القَعَدِيَّة؟!

(الخوارج القَعَدِيَّة) : 

هم الذين يهيِّجون الناسَ على حكامهم بذكر مثالبهم والتشهير بعيوبهم ويزينوا الخروجَ عليهم ولكنهم لا يرون الخروجَ بالسيف .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

 «القَعَدِيَّة : الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يُباشرون ذلك».اه [هدي الساري صـ 459].

وقال أيضًا : « والقعدية : قومٌ من الخَوَارِج كَانُوا يَقُولُونَ بقَوْلهمْ وَلَا يرَوْنَ الخُرُوجَ بل يزينونه ».اه [فتح الباري لابن حجر (1/432)].

وقال أيضًا : « القَعَدُ : الخوارج، كانوا لا يُرون بالحرب بل يُنكِرون على أمراء الجور حسب الطاقة ويدعون إلى رأيهم ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه» .اه [تهذيب التهذيب (8/129)].

وقال في ترجمة (عِمْرَان بن حِطَّان) : « كان من رءوس الخوارج من القعدية - وهم الذين يحسّنون لغيرهم الخروج على المسلمين ولا يباشرون القتال » .اه [الإصابة في تمييز الصحابة (5/232)] .

وهؤلاء الخوارج القعدية أخبث فِرق الخوارج . فقد روى أبو داود في مسائل الإمام أحمد صـ271 عن عبدالله بن محمد الضعيف -أحد أئمة السلف- أنه قال : «قَعَدُ الخوارج هم أخبثُ الخوارج».

 بل إنّ الخروج على الأئمة يكون كذلك بالإعتقاد ولو لم يخرج بالسيف .

قال العلامة صالح آل الشيخ حفظه الله :

« الخروج على ولي الأمر يكون بشيئين :

الصورة الأولى :

 عدم البيعة وإعتقاد وجوب الخروج عليه أو تسويغ الخروج عليهوهذا هو الذي كان السلف يطعنون فيمن ذهب إليه بقولهم : (كان يرى السيف) -يعني : اعتقادًا ولم يُبايِع...».اه [«إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل» للشيخ صالح آل الشيخ (ص 479)] .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

 «وقولُهم : (كان يرى السيفَ) يعني : كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور وهذا مذهبٌ للسلف قديم لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه ففي وقعة الحَرَّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبر» .اه [تهذيب التهذيب (2/28] .

وقد ضَعَّفَ الأئمة جمعًا من الرواة وحذَّروا منهم بقولهم : (كان يرى السيف) ومنهم (الحسن بن صالح).

فعن عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ : سَمِعْتُ أَبَا مَعْمَرٍ يَقُوْلُ : كُنَّا عِنْدَ وَكِيْعٍ فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ حَسَنِ بنِ صَالِحٍ أَمْسَكْنَا أَيْدِيَنَا، فَلَمْ نَكْتُبْ فَقَالَ: مَا لَكُم لاَ تَكتُبُوْنَ حَدِيْثَ حَسَنٍ؟! فَقَالَ لَهُ أَخِي بِيَدِهِ هَكَذَا، يَعْنِي : أَنَّهُ كَانَ يَرَى السَّيْفَ. فَسَكَتَ وَكِيْعٌ .اه [سير أعلام النبلاء (7/364)] .

وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ : ذُكِرَ الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ، فَقَالَ : ذَاكَ رَجُلٌ يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .اه [سير أعلام النبلاء (7/363)] .

 وقال الإمام الذهبي رحمه الله :

 (كَانَ يَرَى الحَسَنُ الخُرُوْجَ عَلَى أُمَرَاءِ زَمَانِهِ لِظُلْمِهِم وَجَوْرِهِم وَلَكِنْ مَا قَاتَلَ أَبَداً). اه [سير أعلام النبلاء (7/371)] .

فتأمل -رعاكَ الله كلَّ هذا النكير من السلف على الحسن بن صالح رغم أنه لم يخرج بالسيف قط!! وقد كان من كبار زمانه فى العلم. 

 وقد سُئل الشيخ الفوزان حفظه الله :

أفتى أحد الدعاة في إحدى القنوات الفضائية أن الخروج على الحاكم هو الخروج المسلح فقط  لا الخروج في المظاهرات فهل هذا الكلام صحيح؟

فأجاب :

هذا يتكلم بغير علم الله أعلم إن كان جاهلاً فنرجو الله أن يهديه ويرده إلى الصواب أما إن كان مغرضًا فنرجو الله أن يعامله بما يستحق وأن يكفي المسلمين شره .

 الخروج على الإمام ليس مقصورًا على حمل السلاح بل الكلام في حق ولي الأمر وسباب ولي الأمر هذا خروجٌ عليه وتحريضٌ عليه وسببُ فتنةٍ وشر فالكلام لا يقل خطورة عن السلاح وكما قال الشاعر :

فإن النّارَ بالعودين تُذكى.. وإن الحربَ أولُها كلامُ.. رُبّ كلمة أثارت حربًا ضروسًا

 فالخروج على الإمام يكون بالسلاح، ويكون بالكلام ويكون حتى بالإعتقاد : إذا اعتقد أنه يجوز الخروج على ولي الأمر فهذا شارك الخوارج هذه عقيدة الخوارج. اه [ لقاء مفتوح بتاريخ 13-4-1432 هـ ]

وختامًا

 مما سبق يتبين لنا أنّ الخروجَ له ثلاثُ طرقٍ :

أولاً : 

خروجٌ بالقلب : وهو اعتقاد عدم الإمام أو اعتقاد الخروج على الحكام ومثاله : قول السلف : (كان يرى السيفَ).

ثانيًا :

 خروجٌ باللسان : وهو التهييج والإثارة وذكر المثالب والمعايب ومثاله : (الخوارج القعدية) وأولُ خروجٍ في الإسلام كان بالكلمة وهو خروج ذي الخويصرة.

ثالثًا :

 خروجٌ بالسيف : وهو الخروج بالعمل على الإمام سعيًا في قتله، أو إزالته وهو المقصودُ أصالةً وهو ما نصَّ عليه أئمة السنة.

وأما 

 نصَّ بعضُ الأئمة في مصنفاتهم على (الخروج بالسيف) ومنهم :

 قال أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله :

 (ولا يرون الخروج بالسيف عليهم) [اعتقاد أهل السنة صـ 56]

 وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله :

 (ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف). [عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص93)].

فظن بعضُ مَن لم يحسن الفهمَ أنّ الخروجَ محصورٌ في السيف!! كيف يكون الخروج محصورًا في السيف وأولُ خروج في الإسلام كان بالكلمة؟!! وكيف يكون محصورًا في السيف وأئمة السلف ذكروا قديمًا نوعًا من الخوارج وهم (الخوارج القعدية) الذين كانوا لا يرون الخروج بالسيف ومع ذلك عدَّهم العلماء إحدى فرق الخوارج بل أخبثها؟!!

إذن نصُّ بعض السلف في مصنفاتهم على أن (الخروج بالسيف) ليس حصرًا للخروج في السيف وإنما هو نصٌّ على أشدِّ الخروج (الخروج النهائي الأكبر) .

وإليكم

 أقوالُ السلف في ذِكر (الخروج) مُنْفَرِدًا عن (القتال) :

1- قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : (وَلَا يحل قتالُ السُّلْطَان وَلَا الخروجُ عَلَيْهِ لأحد من النَّاس فَمَن فعل ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع على غير السّنة والطريق) .اه [أصول السنة صـ 46].

2- قال الإمام البَرْبَهارِي رحمه الله : (ولا يحل قتال السلطان والخروج عليه -وإن جاروا وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : (اصبر وإن كان عبدًا حبشياً)  وقوله للأنصار: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض)وليس من السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا). اه [شرح السنة للبربهاري صـ 58].

3- قال الإمام النووي رحمه الله : (وَأَمَّا الخروجُ عَلَيْهِمْ -يعني : الأئمة- وَقِتَالهمْ فَحَرَام بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَة ظَالِمِينَ). [شرح النووي على مسلم (12/229)].

4- وقال ابن تَيْمِيَّة رحمه الله : (وَلِهَذَا كَانَ المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الخُرُوجَ عَلَى الأَئِمَّةِ وَقِتَالَهُمْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ظُلْمٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).اه [منهاج السنة النبوية (3/391)] .

5- وقال ابن القيم رحمه الله : ( نَهْيُهُ عَنْ قِتَالِ الأُمَرَاءِ وَالخُرُوجِ عَلَى الأَئِمَّةِ وَإِنْ ظَلَمُوا أَوْ جَارُوا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ الفَسَادِ العَظِيمِ وَالشَّرِّ الكَثِيرِ بِقِتَالِهِمْ كَمَا هُوَ الوَاقِعُ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ قِتَالِهِمْ وَالخُرُوجِ عَلَيْهِم أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَالأُمَّةُ فِي بَقَايَا تِلْكَ الشُّرُورِ إلَى الآنِ وَقَالَ : «إذَا بُويِعَ الخَلِيفَتَانِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» سَدًّا لِذَرِيعَةِ الفِتْنَةِ) .اه  [إعلام الموقعين (3/126)] .

فتأمل رعاكَ الله العطفَ بين (الخروج) و(القتال).. إذًا هناك (خروج)، وهناك (قتال) وهذا يدل بجلاء على أن الخروجَ غيرَ محصورٍ في السيف وأنه قد يكون بقتالٍ أو بغير قتالٍ فالسلفُ رحمهم الله بيَّنوا حرمة قتال السلطان خصوصًا والخروج عليه بأي صورةٍ من الصور عمومًا .

بل لقد صرَّحَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنّ للخروج عدة صور ولم يشترط الخروجَ بالسيف فقال :

 وَأَمَّا أَهْلُ العِلْمِ وَالدِّينِ وَالفَضْلِ فَلَا يُرَخِّصُونَ لِأَحَدِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ : مَعْصِيَةِ وُلَاةِ الأُمُورِ وَغِشِّهِمْ وَالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ : بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمِنْ سِيرَةِ غَيْرِهِمْ . اه [مجموع الفتاوى (35/12)].

فلو كان الخروجُ محصورًا في السيف -زعموا- لما كان لكلامه ( وَالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ: بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ) معنى، فتأمل.

قال العلامة العثيمين رحمه الله : 

(وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا الرجل مَن يحقر أحدكم صلاته عند صلاته»، يعني : مثله، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف ويكون بالكلام هذا ما أَخَذَ السيفَ على الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه أنكر عليه وما يُوجد في بعض كتب أهل السنة من أن الخروج على الإمام : هو الخروج بالسيف فمرادهم بذلك : هو (الخروج النهائي الأكبر) كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : الزنا يكون بالعين، ويكون بالأُذُن ويكون باليد، ويكون بالرِّجل لكن الزنا الأعظم : هو زنا الحقيقة هو زنا الفرج ولهذا قال : «الفرج يُصدِّقه أو يُكذِّبه». 

فهذه العبارة من بعض العلماء : هذا مرادهم .انتهى 

[من تعليقه على رسالة الإمام الشوكاني -رحمهما الله-: «رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين» ( الشريط : ٢/أ )]

إذن عُلم بالتجربة ومن خلال أقوال أهل العلم السابقة أن الخروجَ بالسيف لابد أن يسبقه خروجٌ بالكلام .

قال الشيخ العثيمين رحمه الله :

«لا يجوز لنا أن نتكلم بين العامة فيما يثير الضغائن على ولاة الأمور وفيما يسبب البغضاء لهم؛ لأن في هذا مفسدة كبيرة قد يتراءى للإنسان أن هذه غيرة وأن هذا صدع بالحق والصدع بالحق لا يكون من وراء حجاب الصدع بالحق أن يكون ولي الأمر أمامك وتقول له : أنت فعلت كذا وهذا لا يجوز تركت هذا، وهذا واجب. 

أما أن تتحدث من وراء حجاب في سب ولي الأمر والتشهير به فهذا ليس من الصدع بالحق بل هذا من الفساد هذا مما يوجب إيغار الصدور وكراهة ولاة الأمور والتمرد عليهم وربما يفضي إلى ما هو أكبر إلى الخروج عليهم والعياذ بالله».اهـ. («شرح رياض الصالحين» (3/ 668))

وقال أيضا في «لقاء الباب المفتوح» :

«المنشورات التي تنشر وفيها سب للحكومة بعضه كذب (وبعضه صحيح وتداولها حرام ومن كبائر الذنوب).

والذي يتداولها لا شك أنه آثم لأن أدنى ما فيها أنها غيبة وهي من كبائر الذنوب فإن انضاف إلى ذلك أنها كذب! صارت بهتاناً.

هذا في غيبة عوام الناس رجل الشارع فكيف بغيبة ولي الأمر أو العالم! يكون هذا أشد وأعظم لأن ولاة الأمور إذا اغتيبوا هبط قدرهم في أعين الناس وحصلت الفوضى وصارت أوامرهم مكروهة عند الناس ولو كان فيها خير وحرص الناس على أن يتتبعوا عوراتهم.

فالإنسان الذي ينشر مساوئ الحكومة وبصفة واسعة فلا شك أن عليه من الإثم ما يستحقه ولا شك أن الذين يعينونه بنشر هذه المنشورات عليهم من الإثم ما يستحقونه.

ولهذا نحن نحذر من تداول هذه المنشورات ومن نشرها ونرى أن الفاعل أو الذي يفعل ذلك قد تلبس بكبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله وكبائر الذنوب لا تكفرها الصلاة ولا الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) وقال : (ما لم تغش الكبائر) وهذه كبيرة من كبائر الذنوب.

ولهذا مع الأسف الشديد بعض الناس يظنون أن هذا حق بل بعضهم ربما يظن أنها قربة إلى الله بيننا وبينهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم إن السلف رحمهم الله ليس من عادتهم أن يغتابوا الحكام أبداً فهذه الطريقة مخالفة لطريقة السلف من كان منهم يريد أن يتكلم على السلطان يتكلم عليه أمامه، حتى لا تكون غيبة وحتى يستطيع هذا الإمام أن يدافع عن نفسه إن كان محقاً أو يتراجع إن كان مبطلاً أما من وراء الجدر ثم تلفق أيضاً أشياء غير صحيحة وهي كذب ما الذي يجوز هذا؟ القرآن والسنة بين أيدينا والحمد لله والرجوع إليهما واجب» .انتهى 

وبهذا تعلم أخى المسلم أن إثارة الرعية على الولاة وتأليب العامة عليهم داء عضال تجب المبادرة إلي كيه وورم خبيث يتعين استئصاله لئلا يستفحل فيخرج خبثه فتسحتكم البلية وتعظم الرزية ولا ينفع الندم عندئذ فيتعين على الناس عموماً التكاتف لدفع المثير الساعي إلي الفتنة وعزله كما تعزل الجرباء ونفيه من المجتمع كل حسب جهده وطاقته وهذا من أفضل الأعمال وأجل القرب إلي الله تعالي إذ به يندفع شر عظيم وتطفأ فتنة عمياء نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن .


والله اعلم

هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات