القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع


أجمع أهل العلم على أنَّ طاعة الحاكم المتغلِّب بالقوة واجبة لأن طاعتهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فتجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُم مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروج عليه ما أقام على الجُمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم في الأغلب فإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء ولِمَا في الخروجِ عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم وأما الخروج عليهم أو عدم اعتقاد وجوب طاعتهم هذا من إعتقادات الخوارج والمعتزلة


فمن صحت إمامته وانعقدت له البيعة واجتمع عليه الناس ولو كان متغلبا بالقهر فإنه يجب الدخول في طاعته وعدم شق عصا المسلمين بالخروج عليه ثم إنه لا تجوز طاعته في معصية الله تعالى ويجب نصحه بما أمكن من النصح إذا فعل ما هو خلاف الشرع لقوله صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة. قالوا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم . رواه مسلم.


 ولكن إعلم أخى المسلم 


أن قول العلماء بوجوب طاعة الحاكم المتغلب لا يعني أنَّ التغلُّب جائز شرعًا لا فأمر التغلُّب والقهر غيرُ جائز وهو محرَّم شرعًا ولكن عندما يقع اضطرارًا لا اختيارًا فولاية التغلب تلزم به الطاعة وجميع حقوق الإمامة وهذا لدرء الفتنة والالتزام بالنصوص فإن النصوص أوجبت طاعة الأمير وعدم الخروج عليه وهذا غلب على الناس ودعا الناس إلى طاعته فلا يجوز أن يُتخلَّفَ عن مبايعته . ففرقٌ بين كون المتغلِّب بعد تغلبه تُجِزئ ولايته وتجب طاعته وبين جواز تغلُّبه ابتداءً. ولا يعني قول العلماء الإقرار على ظُلم العباد وانتهاك حقوقهم بل يُنصَحون بما يُستطاع ويُدفع ظلمُهم وجورهم بما يُقدر عليه من غير مفسدة راجحة على الظلم الواقع منهم وكلُّهم ذَكَروا من شروط طاعة المتغلِّب: ما أقام الجمعات وما لم يأمر بمعصية أو بنقض شريعة أو بهتك حُرمة أو ما في معناه.


كما أن السمع والطاعة للأئمة في غير معصية الله تعالى وإن جاروا أو ظلموا من أصول أهل السنة والجماعة العظيمة التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها وشدد فيها . 


قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). وقال صلى الله عليه وسلم : (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). متفق عليه. وفي الصحيحين قال عبادة بن الصامت : ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا).  وفي صحيح البخاري : (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني)والأحاديث في هذه مستفيضة محفوظة عند أهل السنة .


ولتوضيح هذه المسألة


اعلم أخى الكريم أن الْإِمَامَةُ الشرعية تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ :


 الْأُولَى : 


بِبَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ الْمُتَيَسِّرِ اجْتِمَاعُهُمْ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا عَدَدٌ وَيُعْتَبَرُ اتِّصَافُ الْمُبَايِعِ بِصِفَةِ الشُّهُودِ.


 وَالثَّانِيَةُ :


بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ من عينه فِي حَيَاتِهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا  أو أن يجعل  الْأَمْرَ فِي الْخِلَافَةِ  تَشَاوُرًا بَيْنَ جَمْعٍ، كَمَا جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ وهم: عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ، وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ .


 وَالثَّالِثَةُ :


بِاسْتِيلَاءِ شَخْصٍ مُتَغَلِّبٍ عَلَى الْإِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ أَهْلٍ لَهَا.


  قال النوويُّ رحمه الله :


 «وأمَّا الطريقُ الثالثُ فهو القهرُ والاستيلاء :


فإذا ماتَ الإمامُ فتَصَدَّى للإمامة مَنْ جَمَعَ شرائطَها مِنْ غيرِ استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقَهَرَ الناسَ بشوكته وجنوده؛ انعقدَتْ خلافتُه ليَنْتَظِمَ شَمْلُ المسلمين فإِنْ لم يكن جامعًا للشرائط بأَنْ كان فاسقًا أو جاهلًا فوجهانِ :


 أَصَحُّهما :


 انعقادُها لِمَا ذَكَرْناهُ وإِنْ كان عاصيًا بفِعْلِه».


«روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٤٦).


وحديثنا هنا 


عن الطريق الثالث وهو ثبوت البيعة بالقوَّة والغلبة والقهر وإليك الأدلة على ذلك :


1 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبدٌ؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالةٌ)صحيح الترغيب.


قوله : (وَإِنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ)،


 ففي قوله (تَأَمَّر) بمعنى تغلّب.


2 - وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني .


فهذا الحديث بالغ الأهمية أخى المسلم فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الحاكم .من طاعته والعكس فاحفظ ذلك جيدا


3 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف . وعند البخاري : ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة.


4 - وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اسمع وأطع فِي عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة علينا وإِن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إِلا أن 

يكون معصية). (حديث صحيح- تخريج كتاب السنة للالبانى)


ففي الحديثِ الأمرُ بطاعةِ الأُمَراءِ على كلِّ حالٍ فيما يُرضِي اللهَ عزَّ وجلَّ.


5 - عن سويد بن غفلة قال قال لي عمر بن الخطاب : (لعلك أن تخلف بعدي فأطع الإمام وإن كان عبدا حبشيا وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر وإن دعاك إلى أمر منقصة في دنياك فقل سمعا وطاعة دمي دون ديني). رواه الآجري بإسناد صحيح.


قال ابن بطَّال رحمه الله : 


(وقوله عليه السلام : (اسمع وأطع) يدل على أن طاعة المتغلِّب واجبة؛ لأنَّه لما قال: (حبشي) ، وقد قال: (الخلافة في قريش) ، دلَّ أن الحبشي إنما يكون متغلبًا، والفقهاء مجمعون على أنَّ طاعة المتغلِّب واجبة ما أقام على الجُمعات والأعياد والجهاد، وأنصف المظلوم في الأغلب، فإن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء،


 فضرب عليه السلام، المثل بالحبشي إذ هو غاية في الذم، وإذ أمر بطاعته لم يمنع من الصلاة خلفه، فكذلك المذموم ببدعة أو فسق. 


قال المهلب : قوله : اسمع وأطع لحبشي، يريد في المعروف لا في المعاصي، فتسمع له وتطيع في الحق، وتعفو عما يرتكب في نفسه من المعاصي ما لم يأمر بنقض شريعة، ولا بهَتْك حُرمة لله تعالى، فإذا فعل ذلك فعلى الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة، فإن لم يستطيعوا لزموا بيوتهم أو خرجوا من البلدة إلى موضع الحق إن كان موجودًا).


[شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/ 327 - 328)].


وأما معنى ولاية التغلب :

 

هو أن يغلب الإمام أن يغلب أحد أميرٌ أو غيره ممن لا تتوفر فيه الشروط أو بعض الشروط، أو تكون تتوفر فيه لكنه غلب إماما آخر قبله، فإنه هنا إذا غلب فيبايع، ويُسمع له، ويطاع؛ لأن البيعة هنا أصبحت بيعة تغلب، والولاية ولاية غلبة وسيف.


 فهذا كما أوصى هنا عليه الصلاة والسلام أن يسمع ويطاع لمن لم تتوفر فيه الشروط  التي تكون في ولاية الاختيار؛ حيث قال هنا عليه الصلاة والسلام (وَإِنْ تَأَمَّر)، ونفهم من التأمُّر أنه لم يكن ثم اختيار، فهذه ولاية التغلب، وقال : (وَإِنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ) ومعلوم أن العبد لا يُختار لِيَلِي أمور المسلمين فدل هذا على أن وِلاية الغلبة يجب لمن غلب فتولى يجب له السمع والطاعة كما تجب للإمام الذى يُختار اختيارا لا فرق بينهما في حقوق البيعة والسمع والطاعة وذلك لأجل المصلحة العامة من المسلمين.


إذن


 الحاكم المتغلب حاكم شرعى تجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُمُ مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ السنَّة ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدماءِ وتسكينِ الدَّهْماء ولِمَا في الخروجِ عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقةِ دمائهم، وذهابِ أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم. 


وإليك أقوال 


وفهم الأكابر سلفنا الصالح


1- قال الإمامُ أحمد رحمه الله : «ومَنْ خَرَجَ على إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المسلمين وقد كان الناسُ اجتمعوا عليه وأَقَرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرِّضَا أو الغَلَبة فقَدْ شَقَّ هذا الخارجُ عَصَا المسلمين وخالَفَ الآثارَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإِنْ مات الخارجُ ماتَ مِيتةً جاهليَّةً ولا يَحِلُّ قتالُ السلطانِ ولا الخروجُ عليه لأَحَدٍ مِنَ الناس؛ فمَنْ فَعَلَ ذلك فهو مُبْتَدِعٌ على غيرِ السنَّةِ والطريق»(«المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).).


2- ونقل أبو يعلى الفراء عن الإمام أحمد قوله : ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين.(الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء (ص: 20))


3- وسئل رحمه الله : (فى الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيفتتن الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم  مع من تكون الجمعة؟ قال: (مع من غلب). (الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص: 23)


4- وروى البيهقى بسند صحيح فى "مناقب الشافعى" عن حرملة، قال : "سمعت الشافعى يقول : كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه، فهو خليفة". اهـ.


5- وهذا كلام يحيى بن يحيى المالكى تلميذ مالك وراوى الموطأ في "الاعتصام" للشاطبي " أن يحيى بن يحيى قيل له : البيعة مكروهة؟ قال : لا. قيل له : فإن كانوا أئمة جور. فقال : قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان وبالسيف أخذا الملك أخبرنى بذلك مالك عنه أنه كتب إليه : أقرّ له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنّة نبيه.


قال يحيى بن يحيى : والبيعة خير من الفرقة". اهـ


6- قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت٣٨٦هـ) ويُلقب ب"مالك الصغير"، قال في رسالته المعروفة "مقدمة ابن أبي زيد القيرواني" : 


فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة ... - ثم قال - :  والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكل من ولي من أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة، فاشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أم عدل ... -  ثم قال -: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول الإمام مالك، فمنه منصوص من قوله ومن معلوم من مذهبه. اهـ


7- قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوى بمصر رَحِمَهُ اللَّهُ : هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى وأبى يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصارى وأبى عبد الله محمد بن الحسن الشيبانى رضوان الله عليهم أجمعين وما يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ العالمين فقال في العقيدة الطحاوية :


  ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة. اه


وقد حَكَى الإجماعَ

 

على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله في «الفتح». والشيخُ 

محمَّد بنُ عبد الوهَّاب رحمه الله  كما في «الدُّرَر السنيَّة»


- قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :


" الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان ،له حكم الإمام فى جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد. الدرر السنية (9/5 )


والأئمة فى ذلك يستدلون بأحاديث عن رسول الله صلى االله عليه وسلم منها ما رواه البخارى فى صحيحه (7052 (من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :ً " إنكم سترون بعدى أثرة وأمورا تنكرونها " قالوا : فما تأمرنا يا رسول االله؟ ُّ قال : " أدوا إليهم حقهم و سلوا االله حقكم ".


- قال ابن بطال رحمه الله :


و فى الحديث حجة فى ترك الخروج على أئمة الجور ولزوم السمع والطاعة لهم والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلب طاعته لازمة ".


وقال أيضاً رحمه الله :


والفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم في الأغلب فإن طاعته خير من الخروج عليه. شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/ 328)


- وقال الإمام القرطبي رحمه الله :


  فَإِنْ تَغَلَّبَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَأَخَذَهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرِيقًا آخر من طرق تولي الإمامة، وَقَدْ سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ : مَا يَجِبُ عَلَيْنَا لِمَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادِنَا وَهُوَ إِمَامٌ؟ 


قَالَ :


تُجِيبُهُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا يُطَالِبُكَ مِنْ حَقِّهِ وَلَا تُنْكِرُ فِعَالَهُ وَلَا تَفِرُّ مِنْهُ وَإِذَا ائْتَمَنَكَ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ لَمْ تُفْشِهِ. .( تفسير القرطبي (1/ 269) بتصرف).


- وقال ابن قدامة :


وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ وَبَايَعُوهُ صَارَ إمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ  خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكُرْهًا فَصَارَ إمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ. المغني لابن قدامة (8/ 526)


- قال ابن حجر :


 فتح الباري لابن حجر (13/ 7)


 وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها . واحتجوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية»البخارى (7054)


ومِنَ أمثلة الإمامة


 التي انعقدَتْ بالغَلَبةِ والقوَّة :


1- ولايةُ عبد الملك بنِ مروان


 حيث تَغَلَّبَ على الناسِ بسيفه واستتبَّ له الأمرُ في الحكم وصارَ إمامًا حاكمًا بالغَلَبة .


2- ولايةُ بني أُمَيَّةَ في الأندلس


 انعقدَتْ لهم بالاستيلاء والغَلَبة مع أنَّ الخلافة كانَتْ قائمةً في بغداد للعبَّاسيِّين.


قال ابن عمر : (لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب)[الطبقات الكبرى 149 / 4] إسناده صحيح -إنظر ارواء الغليل (2/304)


ثم اعلم رحمك الله 


أن الحاكم لايصبح حاكما شرعيا إلا بموافقة أهل الحل والعقد عليه. أعنى : " أهل الشوكة والسلطان من الجيش وباقى مؤسسات الدولة اليوم "


قال الإمام ابن تيمية فى منهاج السنة النبوية (1/527 :


الإمامة عندهم ـ أهل السنة ـ تثبت بموافقة اهل الشوكة عليها ولا يصير الرجل اماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة.


 فان المقصود من الامامة انما يحصل بالقدرة والسلطان فاذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار اماماً ولهذا قال أئمة السنة من صار له قدرة وسلطان فهو ولي الامر الذين امر الله بطاعتهم مالم يأمروا بمعصية الله.


فالإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكاً بموافقة واحد واثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكاً بذلك). انتهى


قال العلامة الألبانى رحمه الله :


يُشبه هذه المسألة، إطاعة الحاكم الْباغي، الذي بَغى، واعتَدى، وتَغلّبَ على الحاكم الشَّرعي، أيضًا هذا أَمرٌ عارِض، ويَنبغي أن يُعطى له حُكْمُه، فهؤلاء البُغاة إذا ما سيطروا على البلاد، وقَضوا على الحاكم المبايَع من المسلمين، لا نقول نحنُ نخرج أيضًا عليهم، ونقاتلهم، وإنّما نُطيعهم أيضًا من باب دَفع المفسَدَة الكُبرى، بِالمفسَدة الصُّغرى، هَكذا تعلَّمنا من الفُقهاء من تأصيلهم، ومن تفريعهم، وما تَلَوتَه آنفًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وصدّيق حسن خان، كلامهما يَنبُع من مُراعاة الأصل، ومُرعاة الضَّرورة الطَّارِئة، ولِكُلٍ حُكمه.


http://ar.alnahj.net/audio/877


وسئل العلامة ابن باز رحمه الله :


 حكم البيعة والسمع والطاعة للحاكم المتغلب ؟


فأجاب :


فالبيعة لا تكون إلا لولي الأمر إما بالقهر والغلبة إذا تولى على المسلمين وقهرهم بسيفه بايعوه كما بايع المسلمون عبدالملك بن مروان وبايعوا آخرين أو باتفاق أهل الحل والعقد على بيعة إنسان يتولى عليهم لكونه أهلاً لذلك.


 أما بيعة أفضال الناس هذا شيء لا أصل له أو بيعة رؤساء الجمعيات هذا شيء لا أصل له فالبيعة لا تكون إلا من جهة أهل الحل والعقد في البلاد التي فيها دولة ليس فيها سلطان ليس فيها أمير فيجتمع أهل الحل والعقد على بيعة إنسان أهلاً لذلك لأن سلطانهم أو رئيس جمهوريتهم قد مات فيتفقون على بيعة إنسان بدلاً من الميت،


 أو يبايع إنسان استولى عليهم بالقوة والغلبة حتى صار أميراً عليهم بقوة وغلبة فإنه يبايع حينئذ . انتهى


https://binbaz.org.sa/fatwas/9139/%D8%AD%D9%83%D9%85-


وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله :


الحاكم المتغلب هل يشترط رضى الشعب عنه في وجوب السمع و الطاعة له ؟


فأجاب :


 "الأمر الثالث :


 القهر:


يعني لو خرج رجل واستولى على الحكم وجب على الناس أن يدينوا له حتى وإن كان قهراً بلا رضا منهم لأنه استولى على السلطة .


ووجه ذلك أنه لو نوزع هذا الذي وصل إلى سدة الحكم لحصل بذلك شرٌ كثير. وهذا كما جرى في دولة بني أمية فإن بني أمية منهم من استولى بالقهر والغلبة وصار خليفة يُنادى باسم الخليفة ويُدان له بالطاعة امتثالاً لأمر الله عز وجل .انتهى


http://ar.alnahj.net/audio/884


http://ar.alnahj.net/audio/2799


وسئل أيضا رحمه الله :


الحاكم المتغلب الكافر هل يجب الصبر عليه عند القدرة على إزالته ؟


فأجاب :


فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه من الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أن يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد من شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى، فليصبروا حتى يفتح الله لهم باباً؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها. اه


http://ar.alnahj.net/audio/882


وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله :


«.... والإمارة أو الولاية أو الإمامة هذه تنعقد عند أهل السنة والجماعة بواحد من أمور :


الأول : ببيعة أهل الحل والعقد له واختيارهم له - اختيارهم له ثم بيعتهم له - وهي التي يسميها أهل العلم ولاية الإختيار ، وهذه هي أفضل أنواع الولاية لو حصلت لا يُعْدَلُ عنها إلى غيرها ، ولاية الإختيار ، أن لا يكون على الأمة إلا من يُختَارْ لها .


وولاية الإختيار هذه منها ولاية أبي بكر رضي الله عنه ، ولاية عمر ، ولاية عثمان ، الخلفاء الراشدين وكذلك ولاية معاوية بن أبي سفيان لما تنازل له الحسن بالخلافة فإنها كانت ولاية إختيار ، ثم بعد ذلك لم يَصِرْ ولاية إختيار إلا في أزمنة محدودة وفي أمكنة متفرقة ليست عامة ولا ظاهرة .


النوع الثاني : ولاية الإجبار ، وولاية الإجبار تُسمَّى أيضاً ولاية التغلب ، وهي أن يغلب أحدٌ على المسلمين بسيفه وسنانه ويدعو الناس إلى بيعته فإنه هنا تلزم بيعته لأنه غَلَبَ .

وهذه تسمى ولاية تَغَلُبْ كما في شرح الطحاوية وفي غيرها وفي كتب الفقه .


هذا النوع ولاية التغلب تلزم به الطاعة وجميع حقوق الإمامة ، لكن هذا ليس هو الأصل وليس مُختاراً بل هذا لدرء الفتنة والالتزام بالنصوص فإن النصوص أوجبت طاعة الأمير وعدم الخروج عليه ، وهذا غلب على الناس ودعا الناس إلى طاعته فلا يجوز أن يُتخلَّفَ عن مبايعته .


ثم قال :


المقصود من ذلك أن حصول الولاية الشرعية يكون بأحد هذه الأشياء : ولاية الاختيار وولاية الإجبار ، أو ولاية التغلب .....


أما ولاية التغلب فإنما هي لدرء الفتنة فيُقَرُ الوالي ولو كان عبداً حبشياً كما جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (اسمع وأطع ولو كان عبداً حبشياً مُجَدَّعْ الأطراف كأن رأسه زُبيبَةْ) وهذا في ولاية التغلب .


والرواية الثانية -هذه وإن كان هذه عامة- والرواية الثانية قال (وإن تَأَمَرَ -فيها- وإن تأمر عليكم عبد حبشي) وفي رواية (وإن أُمِرَ عليكم حبشي) وهذه كلها فيها بيان أن فقد الشروط المعتبرة : الأئمة القرشية ونحوها هذه إنما ، يعني إجتماع هذه الشروط يكون في ولاية الإختيار أما في ولاية التغلب فلا يُنظَر إلى هذه الشروط لأن المسألة مسألة غلبة بالسيف .


فينبغي تحرير هذا المقام وظهور الفرق بين ولاية الإختيار وولاية التغلب وكلٌ منهما ولايةٌ شرعية عند أهل السنة والجماعة يجب معها حقوق الأمير كاملةً». اه


(شرح العقيدة الواسطية 323-326) 


وفي هذا الزمان كثر الاختلاف في هذا الأصل العظيم والناجي من نجاه الله جل وعلا وكثير ممن يعتني بمنهج أهل السنة والجماعة لا يعتني بمنهجهم في الإمامة وأهل السنة والجماعة عقائدهم يجب أخذها جميعا دون تفريق بين باب وباب لأننا إذا فرقنا نكون على شيء من الهوى فهذه الأبواب تسمى عند أهل العلم أبواب الاعتقاد في الإمامة لأنهم خالفوا بذلك الخوارج والمعتزلة وطوائف من الأشاعرة .


الخلاصة


الإمام الذي تلزم طاعته من كان منتسبا للإسلام مظهرا لشعائر الدين اختاره أهل العدل والفضل أو غلب على المسلمين بسيفه وقهرهم بسلطانه.


 وهذا محل إجماع بين أهل السنة ولا عبرة بمن خالفهم وشذ عن ذلك كالمعتزلة والخوارج وغيرهم من أهل البدع . 


قال أبو الحسن الأشعري في رسالته أهل الثغر: (وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليه بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معه العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد). انتهى


قال الصابونيُّ رحمه الله : « ويرى أصحابُ الحديثِ : الجمعةَ والعيدين وغيرَهما مِنَ الصلوات خَلْفَ كُلِّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا، ويَرَوْنَ جهادَ الكَفَرَةِ معهم وإِنْ كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبَسْطِ العدل في الرعيَّة،


 ولا يَرَوْنَ الخروجَ عليهم وإِنْ رَأَوْا منهم العدولَ عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتالَ الفِئَةِ الباغية حتَّى ترجع إلى طاعةِ الإمام العَدْل». ( «عقيدة السلف» للصابوني (٩٢)).


- فالمؤمن السني يتعبد الله عز وجل


 بطاعته للإمام رجاء ثوابه وخشية من عقابه ولا يفعل ذلك رجاء لعطاء الحاكم وخوفا من سطوته ولا يجعل بيعته وطاعته في مقابل عرض الدنيا. ولذلك ورد الوعيد فيمن بايع لأجل الدنيا ثم غدر في بيعته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم..... ورجل بايع إماما

 لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف). متفق عليه.


- وأما ظلم الحاكم وفسقه وجوره


 لا يسوغ أبدا شرعا عصيانه وترك طاعته ونزع يد الطاعة عنه ولو ظلم وأسرف واستأثر بأموال العباد وأنزل الضر بهم ففي مسند أحمد بسند صحيح عن حذيفة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإن كان لله يومئذ في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فالزمه). وفي حديث عبادة : (اسمع وأطع فِي عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة علينا وإِن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إِلا أن يكون معصية). رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين. وعن سويد بن غفلة قال قال لي عمر بن الخطاب : (لعلك أن تخلف بعدي فأطع الإمام وإن كان عبدا حبشيا وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر 

وإن دعاك إلى أمر منقصة في دنياك فقل سمعا وطاعة دمي دون ديني). رواه الآجري بإسناد صحيح.


 فالواجب على المسلم حينئذ


 الصبر على ظلمهم وطاعتهم في الحق ونصحهم ومطالبتهم بالحقوق بالمعروف فإن قبلوا وإلا احتسب الثواب وفوض الأمر لله ورجا ما عنده من الوعد. كما ثبت في الصحيحين لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء تعرفون وتنكرون قال له الصحابي فما تأمرنا : قال : (أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم).


ومن اعتقد أن ظلم الحاكم 


سبب شرعي لنزع الطاعة والخروج عليه فقد أخطأ وخالف السنة الصريحة ومذهب أئمة السلف ووافق المعتزلة والخوارج في مذهبهم.


قال ابنُ تيميَّة رحمه الله ـ: «فأهلُ السنَّةِ لا يُطيعون وُلَاةَ الأمورِ مطلقًا، إنما يُطيعونهم في ضِمْنِ طاعةِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾. [النساء: ٥٩]».( «منهاج السنَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٦))، 


وقال رحمه الله أيضًا : «ولهذا كان مذهبُ أهلِ الحديث : تَرْكَ الخروجِ بالقتال على الملوك البُغَاة، والصبرَ على ظُلْمِهم إلى أَنْ يَسْتريحَ بَرٌّ أو يُسْتراحَ مِنْ فاجرٍ». «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤).


فالله الله فى فهم السلف فلا عذر لك أخى المسلم بعد الأن فى اتباعك لدعاة ومشايخ جهال يقولون بخلاف ذلك فأفق قبل أن لا ينفعك الندم .



والله اعلم


وللفائدة..


حكم الخروج على الحاكم بالكلام ؟



نقد البيان (الثالث و الثلاثين) لمجلس شورى العلماء


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات