">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

ما معنى «يقودكم بكتاب الله»؟ شرح الحديث وأقوال العلماء


حديث «يقودكم بكتاب الله»

قال النبي ﷺ: « إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ». رواه مسلم.

◄ فالحديث يدل على وجوب السمع والطاعة لولي الأمر في المعروف، ولو كان هذا الوالي عبدًا، وفيه بيان أن الاعتبار في الطاعة ليس بالنسب أو الهيئة أو المكانة، وإنما بما يجب من طاعة ولي الأمر في المعروف.

ما معنى «يقودكم بكتاب الله»؟

معنى قوله ﷺ «يقودكم بكتاب الله» أنه يكون متمسكًا بالإسلام داعيًا إلى كتاب الله، وليس معنى ذلك أنه يطبق جميع أحكام الشريعة وينفذها حرفًا حرفًا، بحيث لا يقع منه تقصير أو خطأ.

قال الإمام النووي رحمه الله :

 "قال العلماء معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم ولا يشق عليهم العصا". انظر:(شرح صحيح مسلم (9/46،47)).

✔ وعليه فمعنى «يقودكم بكتاب الله» ليس أن الحاكم يطبق جميع أحكام الشريعة تطبيقًا كاملًا في كل جزئية، ولا أن يكون خاليًا من المعاصي والمخالفات،

وإنما أن تكون قيادته للمسلمين قائمة على أصل الإسلام وكتاب الله، وهذا يبين أن الكمال والاستقامة التامة ليسا شرطًا في ثبوت الولاية.

● فالحكام بشر، يصيبون ويخطئون، ويطيعون الله في أمور ويقصرون أو يعصون في أمور أخرى، ومع ذلك تكون أغلب شعائر الدين قائمة ظاهرة في بلادهم الإسلامية، من:

 رفع الأذان وإقامة الجمعة والجماعات والأعياد الشرعية، والصوم والزكاة والحج وبناء المساجد وتحفيظ القرآن ومسابقات حفظ كتاب الله وحفظ الأمن ونحو ذلك.

✔ فليس من الصواب اشتراط أن يكون الحاكم مطبقًا لكل أحكام الشرع في كل شيء، ولا يقع منه ظلم أو معصية أو تقصير، حتى يقال إنه «يقودكم بكتاب الله».

أقوال العلماء فى معنى ( يقودكم بكتاب الله )

قال العلامة أبو بكر بن الاثرم رحمه الله (ت 273 هــ):

بعد أن ساق أحاديث السمع والطاعة للأئمة: ... فاختلفت هذه الأحاديث في ظاهرها.. فاما أهل السنة فقد وضعوها مواضعها،ومعانيها كلها متقاربة عندهم.

فأما أهل البدع فتأولوا بعض هذه الاحاديث مفارقة الائمة والخروج عليهم.

والوجه فيها: أن هذه الاحاديث يفسر بعضها بعضا، ويصدق بعضها بعضا،

فأما حديث ابو هريرة الاول الذي ذكر فيه " من أطاع الامام " فقد فسره حديث أبي هريرة الثاني الذي قال فيه " من أطاع أميري " ثم بين أيضا أنه لم يخص أميره اذا أمر بغير طاعة الله،

لأنه حين بعث عبد الله بن حذافه فأمرهم أن يقتحموا النار، فرجعوا إليه فأخبروه- فقال لهم " من أمركم بمعصية فلا تطيعوه "..

وحديث أم الحصين قد اشترط فيه ( يقودكم بكتاب الله )، وحديث علي رضي الله عنه قد فسره حين قال (إنما الطاعة في المعروف).

وأما حديث بن مسعود وأنس، فهما اللذان تأولهما أهل البدع فقالوا: ألا تراه يقول: ( لا طاعة لمن عصى الله عز وجل ) فإذا عصى الله لم يطع في شىء وإن دعا الى طاعة.

وإنما يرد المتشابه الى المفسر، فما جعله هذا على ظاهره أولى بالاتباع من تلك الاحاديث،

بل إنما يرد هذا الى مابين معناه فقوله ( لاطاعة لمن عصى الله )، إنما يريد أنه لا يطاع في معصية، كسائر الاحاديث. انظر:(كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه -الجزء الثالث،صفحة(251)).

قال العلامة السندي رحمه الله في حاشيته على سنن النسائي(7/154):

" وفي قوله "يقودكم بكتاب الله" اشاره الى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله ". انتهى.

قال القاضي عياض رحمه الله :

وفي قوله في آخر الحديث ( يقودكم بكتاب الله ) تفسير لما تقدم؛ إذ الطاعة في هذا فيما لم يخالف أمر الله. انظر:(كتاب اكمال المعلم على شرح مسلم-الجزء 6-كتاب الامارة).

 قال الشيخ العثيمين رحمه الله : 

وقوله: ( يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ ) فهم منه أنه لو أمرنا بما يخالف كتاب الله فإنا لا نطيعه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. انظر:(كتاب الجهاد والإمارة-09-شرح صحيح مسلم)).

وجاء في حاشية الدسوقي (۲۹٨/٤):

(من اشتدت وطأته بالتغلب وجبت طاعته، ولا يراعى في هذا شروط الإمامة؛ إذ المدار على درء المفاسد وارتكاب أخف الضررين). انتهى.

وقال الإمام النووي رحمه الله :

وأمّا الطّريق الثّالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام، فتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقهر النّاس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافتُه لينتظم شملُ المسلمين، 

فإن لم يكن جامعًا للشّرائط بأنْ كان فاسقًا أو جاهلاً- فوجهان، أصحُّهما: انعقادها لما ذكرناه، وإن كان عاصيًا بفعله. انظر:[ روضة الطالبين (٧ / ٢٦٦)].

أحاديث تفسر معنى «يقودكم بكتاب الله»

✅ هناك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي، توضح وتفسر معنى هذا الحديث، ومن ذلك على سبيل المثال:

1- حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال ﷺ: (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم،

قالوا: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟

 قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة )). رواه مسلم.
 
▣ فقوله: «ما أقاموا الصلاة»، أي: مدة إقامتهم الصلاة لأنها علامة اجتماع الكلمة في الأمة ثم كرر النبي ﷺ قوله: «لا، ما أقاموا الصلاة» للتأكيد.

2- حديث حذيفة رضى الله عنه- قال: قال ﷺ: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس،

قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. صحيح مسلم.

✔ فتبين من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ أخبر بما سيقع بعده من فتن، وظهور حكام يجورون ويخالفون هديه وسنته في تطبيق أحكام الشرع أو في أغلبها،

مما يدل على أن مجرد مخالفة الحاكم لهدي النبي ﷺ وسنته لا تعني سقوط طاعته مطلقًا، وإنما لا يطاع في المعصية،

بل أوصى النبي ﷺ بالسمع والطاعة والصبر على جورهم، درءًا لمفاسد أعظم من سفك الدماء وانتهاك الحرمات، والصبر على هذا البلاء فيه رفع للدرجات، حتى «يستريح بر أو يستراح من فاجر».

خلاصة المنشور:

● حديث «يقودكم بكتاب الله» يدل على أن الطاعة تكون في المعروف، وأن الحاكم إذا أمر بما يخالف كتاب الله فلا يطاع في هذا الأمر؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

● ليس معنى الحديث أن الحاكم لا تثبت ولايته إلا إذا طبق جميع أحكام الشريعة تطبيقًا كاملًا ولم يقع منه خطأ أو ظلم أو معصية.

● قد بين أهل العلم أن معنى «يقودكم بكتاب الله» هو التمسك بالإسلام والدعوة إلى كتاب الله، وأن الطاعة تكون فيما لم يخالف أمر الله.

● كما جاءت الأحاديث الصحيحة بالأمر بالصبر على جور الحكام وأثرتهم، والنهي عن منازعتهم والخروج عليهم، مع عدم طاعتهم في المعصية.


والله اعلم



ما معنى «يقودكم بكتاب الله»؟ شرح الحديث وأقوال العلماء
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات