القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع


 من الصفات المشتركة بين الخوارج قديما وحديثا هي الخروج على ولي أمر المسلمين الجائر والدعوة إلى ذلك والخروج على أمة الإسلام واعتبار بلادهم بلاد كفر وحرب وتكفير حكام المسلمين وأعوانهم وشعوبهم ممن لم يوافقهم وينظم إليهم . 


فالخوارج كفروا علي بن أبي طالب ومعاوية والحكمين ومن رضي بحكمهما ورتبوا على ذلك جميع لوازم الكفر كاستحلال الدم ثم اتفقوا على قتلهم.


قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/ 279) :


" وَالْخَوَارِجُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي بِدْعَتِهِمْ وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ وَمَالَهُ . وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا . 


وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ .."


الشبهة الأولى


هل صح أثر ابن عباس، رضي الله عنهما : وهو قوله : "كفر دون كفر". وفي رواية : "ليس الكفر الذي تذهيون إليه".


ورواية : "ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه".؟ لأن نفرا طعنوا فيه، فقالوا: هذا الأثر الوارد ضعيف بجميع رواياته، بألفاظها المختلفة؟؟


الرد عليه :


قال العلامة ابن عثيمين


 في "التحذير من فتنة التكفير" :


لكن لما كان هذا الأثر لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير صاروا يقولون : هذا الأثر غير مقبول! ولا يصح عن ابن عباس! فيقال لهم: كيف لا يصحّ؛ وقد تلقاه من هو أكبر منكم، وأفضل، وأعلم بالحديث؟! وتقولون: لا نقبل!!.


فيكفينا أن علماء جهابذة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم – وغيرهما – كلهم تلقوه بالقبول ويتكلمون به، وينقلونه؛ فالأثر صحيح.


أما القول إنها مدرجة من كلام ابن طاووس، فهل كان ابن طاووس مرجئيا، أو غير معلوم حاله، على الرغم من كونه أحد التلاميذ الكبار لمدارس الصحابة!!؟


 أما قول من قال: " الرواية الصحيحة الثابتة هي رواية عبد الرزاق المطلقة التي تقرر (هي به كفر) "


، فإن قول ابن عباس: "كفر دون كفر"، لا يختلف عن قوله: "هي به كفر". وكلاهما يقصد به مثل ما قاله صلى الله عليه وسلم: " اثنتان فى الناس هما بهم كفر: الطعن فى النسب، والنياحة على الميت ".

 صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.


 وقوله: " من قال مطرنا بنؤ كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب " وقوله: " لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وعجبا للشيخ العلوان كيف جازف بالحكم على قول ابن عباس بالنكارة، وهو قول السلف جميعا وهو ماعليه أهل السنة كما نقله شيخ الاسلام عن الإمام البخاري وأقره عليه.


وهذا تخريج العلامة المحدث الشيخ ناصر الألباني، رحمه الله، لأثر ابن عباس:


2552- إن الله عز وجل أنزل: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } و{ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } و{فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ المائدة}.


قال ابن عباس:


 (أنزلها الله في الطائفتين من اليهود...... الحديث أخرجه أحمد (1/246) والطبراني في (المعجم الكبير) (3/95/1) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: فذكره. وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (2/281) لأبي داود أيضا وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس، وهو عند ابن جرير في (التفسير) (12037ج10/352) من هذا الوجه، لكنه لم يذكر في إسناده ابن عباس.


وعند أبي داود (3576) نزول الآيات الثلاث في اليهود خاصة في قريظة والنضير. فقط خلافا لما يوهمه قول ابن كثير في التفسير (6/160) بعد ما ساق رواية أحمد هذه المطولة: (ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه نحوه)!

وقد نقل عن صاحب (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم) أنه حسن إسناده. ولم أر هذا في كتابه: (التفسير) فلعله في بعض كتبه الأخرى. وتحسين هذا الإسناد هو الذي تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف، فإن مداره على عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو كما قال الحافظ: صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها).


فقول الهيثمي (7/16): (رواه أحمد والطبراني بنحوه، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجال أحمد ثقات).


قلت: فقوله فيه: (ضعيف، وقد وثّق) ليس بجيد؛ لأنه يرجح قول من ضعفه على قول من وثقه، والحق أنه وسط، وأنه حسن الحديث؛ إلا أن يخالف، وهذا مما لا يستفاد من قوله المذكور فيه. والله أعلم.


1- روى ابن جرير الطبري (10/355/12053) بإسناد صحيح عن ابن عباس : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله.


2- وفي رواية عنه في هذه الآية : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر.

أخرجه الحاكم (2/313)، وقال: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين، فإن إسناده كذلك.


ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في تفسيره (6/163) عن الحاكم أنه قال: (صحيح على شرط الشيخين) فالظاهر أن في نسخة (المستدرك) المطبوعة سقطا، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار.


3- وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من جحد ماأنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. أخرجه ابن جرير (12063)

قلت: وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد في الشواهد.


4- ثم روى (12047-12051)عن عطاء بن أبي رباح قوله: (وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وإسناده صحيح.


5- ثم روى (12052)عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية)، قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وروى عنه جمع.


6- وروى (12025،12026) من طريقين عن عمران بن حدير قال: أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية)

فقالوا: أرأيت قول الله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } أحق هو؟ قال: نعم.


قالوا: :{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أحق هو؟ قال نعم.


فقالوا: ياأبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون ـ [ يعني الأمراء ] ـ فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق.


قال: أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تَحَرّجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك. أو نحوا من هذا، وإسناده صحيح.


وجملة القول؛ أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله. فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفرا اعتقاديا. ومن لم يشاركهم في الجحد، فكفره عملي؛ لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة، كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه. وقد شرح هذا وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام في (كتاب الإيمان) (باب الخروج من الإيمان بالمعاصي) (ص 84-97 بتحقيقي)، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.


وبعد كتابة ماسبق، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في مجموع الفتاوى (3/26: (أي هو المستحل للحكم بغير ماأنزل الله)


ثم ذكر (7/254) أن الإمام أحمد سُئل عن الكفر المذكور فيها؟ فقال: كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يُختلف فيه. 


وقال (7/312): (وإن كان من قول السلف إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم إنه يكون فيه إيمان وكفر؛ ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس، وأصحابه، في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قالوا: كفر لا ينقل عن الملة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة. اه

[السلسلة الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص109-116].اهـ


وقال أيضا رحمه الله:


تفسير آيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله …) وأنها في الكفار


2704- قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } و{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } و{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ المائدة}، قال: وهي في الكفار كلها.


أخرجه أحمد (4/286): ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: …

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.


والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث الكفار من اليهود والنصارى؛ وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها، ويلحق بهم كل من شاركهم في ذلك؛ ولو كان يتظاهر بالإسلام، حتى ولو أنكر حكما واحدا منها. 


ولكن مما ينبغي التنبه له، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة؛ لأنه مؤمن، غاية مافي الأمر أن يكون كفره كفرا عمليا. وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام، ولذلك فهم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام، فتقع فتن كثيرة، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تعد له عدته،

الواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة، والأحكام العاطلة، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى، والله المستعان. ا.هـ


وبهذا ينتهي النقل عن محدث العصر الإمام العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وبه نعرف ضلال من قال إن علماء السوء هم الذين يقولون الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر؛ لأنه بهذا يجعل أئمة العصر ابن باز وابن عثيمين والألباني، وقبلهما ابن إبراهيم وغيرهم من علماء أهل السنة والجماعة من علماء السوء، بل يجعل ابن عباس من علماء السوء عياذا بالله.


الشبهة الثانية : 


قصد ابن عباس


سؤال: قالوا: إن ابن عباس، رضي الله عنهما، إنما يقصد حكام عصره، لا سيما الأمويين منهم. والفارق هائل بين حكام هذه الأيام وحكام عصر ابن عباس. فما قولكم؟؟


الرد عليها


من صاحب هذا الزعم؟؟ يكفيك من شر سماعه!! أين ذهبت العقول؟؟؟ ومن ثم من هم حكام عصر ابن عباس؟؟ إنهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين. فهل يتخيل مسلم أنه يقصدهم بقوله: كفر دون كفر!!؟


أما القول إنه يقصد الخلفاء الأمويين، فهو قول الشيعة الروافض، وهو قول ساقط مختل معتل؛ لما يلي:


·إن كان المقصود هو معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، فهل كان يحكم بغير ما أنزل الله؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!


كيف وهو الذي يعدّه عامة أهل السنّة أحد صحابة الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، وخال المؤمنين وأحد كتَّاب الوحي، وأحد أشهر الخلفاء في الإسلام. وقد بايعه عامّة الناس سنة 41 هـ، بعدما تخلّى أمير المؤمنين الحسن بن علي عن الخلافة، فسميّ هذا العام عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين فيه.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية :


[ ولهذا كانوا – أي الرافضة – أبهت الناس وأشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية . فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبي، كما أمره غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده، يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي في كتابة الوحي، وولاه عمر بن الخطاب، الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته ].


وقد وردت أحاديث نبوية في فضل معاوية، رضي الله عنه، منها:


1.عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله،عن النبي، صلى الله عليه وسلم،أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به"(رواه الترمذي 3777)، وقال الألباني : صحيح (السلسلة الصحيحة 1969، وصحيح سنن الترمذي 3/236) .


2. وعن أبي إدريس الخولاني قال :[ لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس : عزل عميراً وولى معاوية !؟ فقال عمير : لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله يقول : اللهم اهد به". (الترمذي 3778، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/236) .


3. وروى الهيثمي: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: " أول هذا الأمرنبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة،ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة" (مجمع الزوائد: 5/193(. فمعاوية أول الملوك مباشرةً بعد حقبة الخلافة المباركة.


4. وروى الإمام ابن عساكر: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم عن معاوية: " اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب "(تاريخ دمشق:59/80، 85)[3]


5. شهد مع رسول الله حنيناً، وأعطاه مائة من الإبل، وأربعين أوقية من ذهب، وزنها له بلال، رضي الله عنه.


6. وشهد اليمامة، ونقل بعض المؤرخين أن معاوية ممن ساهم في قتل مسيلمة الكذاب.


7. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. وقال سعد بن أبي وقاص: " ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحقّ من صاحب هذا الباب ـ يعني معاوية ".


بل إن ابن عباس نفسه كان يجل معاوية، وشهد له بالفقه والخير؛ فقال: " ما رأيت رجلا أخلق للملك من معاوية، لم يكن بالضيّق الحصر ". وعنه قال: " إذا ذهب بنو حربٍ ذهب حلماء الناس "، -وحرب هذا جد معاوية لأبيه. وعن ابن أبي مليكة قال :" أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال : دعه فإنه قد صحب رسول الله. وروى البخاري أيضاً بسنده : قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة ؟ قال : إنه فقيه". (البخاري 3481) . قال الحافظ ابن حجر : "وقوله دعه: أي اترك القول فيه، والإنكار عليه؛ فإنه قد صحب: أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند. وفي قوله في الرواية الأخرى: أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك".


وقال جبلة بن سحيم، قال عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما: " ما رأيت أحدابعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم،أسود (أي: من السيادة) من معاوية" قلت ولا عمر؟ قال: "كان عمر خيراً منه".


قال كعب بن مالك: " لن يملك أحدٌ هذه الأمة ما ملك معاوية ".


وعن قبيصة بن جابر قال: " صحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلمًا، ولا أبطل جهلا، ولا أبعد أناةً منه ".


عن أبي إسحاق قال: " كان معاوية؛ وما رأينا بعده مثله ".


·وأما إن كان المقصود هو يزيد بن معاوية، فهو خطأ فادح كذلك: ·فهل يُعقل أن يؤخر ابن عباس تفسيره لآية الحكم حتى بعد عام 60 للهجرة، (عام ولاية يزيد)، وابن عباس قد جاوز الستين، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن، وتلامذته محيطون به، يتلقون عنه التفسير من قبل ذلك بعشرات السنين!؟؟


·وهل يليق به أن يفسر الآية، ويقصر تفسيرها على زمن معين وشخص معين؛ فيكون بذلك قد خان الآمانة، وأضل الأمة؛ إذ أن أحكام القرآن تشمل كل زمان ومكان!!؟


· ثم من يجرؤ أن يقول إن يزيد حكم بغير ما أنزل الله؟؟ سبحانك هذا بهتان!!


إن يزيد قد صحت خلافته، وبايعه ستون من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، منهم ابن عمر؛ إذ بويع ليزيد، فى حياة أبيه؛ ليكون وليّا للعهد من بعده، ثم أكد البيعة لنفسه بعد موت والده، فى النصف الثانى من رجب سنة ستين، واستمر فى منصبه إلى أن توفى سنة أربع وستين!!


ولم يكن يزيد بن معاوية – رحمه الله –بذلك الشاب اللاهي، كما تصوره لنا الروايات التاريخية الركيكة؛ بل هو على خلاف ذلك، لكن العجب في المؤلفين من الكتاب الذين لا يبحثون عن الخبر الصحيح ، أو حتى عمّن يأخذوه، فيجمعون في هذه المؤلفات الغث والسمين من الروايات والكلام الفارغ الملفق؛ فتراهم يطعنون فيه؛ فيظهرون صورته ويشوهونها ، بأبشع تصوير.


و للأسف فإن بعض المؤرخين، من أهل السنة، أخذوا من هذه الروايات الباطلة، وأدرجوها في كتبهم، أمثال ابن كثير في البداية والنهاية ، وابن الأثير في الكامل ، وابن خلدون في العبر، والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام، وفي غيرها من الكتب. يروون هذا الطعن عن بعض الشيعة المتعصبين أمثال أبي مخنف والواقدي وغيرهم ، وغير هذا أن معظم هذه الكتب أُلفت على عهد العباسيين ، وكما هو معروف مدى العداء بين الأمويين والعباسيين ، فكانوا يبحثون عمّن يطعن في هؤلاء فيملؤون هذه الكتب بالأكاذيب.


منقبة ليزيد بن معاوية :


عن عمير بن الأسود العنسي، أنه أتى عبادة بن الصامت، و هو نازل في ساحة حمص، وهو في بناء له، ومعه أم حرام: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ، فقلت : أنا فيهم قال : لا . (البخاري 2707) .


فتحرك الجيش نحو القسطنطينية، بقيادة بسر بن أرطأة، رضي الله عنه، عام خمسين من الهجرة. فاشتد الأمر على المسلمين، فأرسل بسر يطلب المدد من معاوية؛ فجهز معاوية، رضي الله عنه، جيشاً بقيادة ولده يزيد ، فكان في هذا الجيش كل من: أبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر وابن الزبير وابن عباس وجمع غفير من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين .


وأخرج البخاري أيضاً، عن محمود بن الربيع، في قصة عتبان بن مالك، قال محمود: فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري، صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوته التي توفي فيها ، ويزيد بن معاوية عليهم – أي أميرهم - بأرض الروم.(البخاري 1113) .


* والخلاصة: أن أصحاب هذه الشبهة اتبعوا الشيعة الروافض، فأساءوا إلى القرآن، وإلى ابن عباس، وإلى معاوية، ويزيد، وإلى المسلمين أجمعين.


[1] مجموع الفتاوى 4/472

[3] كذلك رواه ابن عساكرمن حديث العرباض بن سارية،معجمالشيوخ:2/1041

[4] فتح الباري 8/105

[5] (ابن كثير - المصدر: البداية والنهاية: 8/137، والهيثمي:مجمع الزوائد: 9/360)


الشبهة الثالثة : 


الإجماع الذي ذكره إسحاق


سؤال: الإجماع، الذي نقله ابن عبد البر، رحمه الله، عن إسحاق، رحمه الله تعالى، يخالف مفهوم رواية ابن عباس؛ إذ قال فيه: (وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل، أو سب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئا أنزله الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله، أنه كافر)[1] ا.هـ  وليس معنى الدفع هنا الجحود، أو الاستحلال؛ لقوله رحمه الله: " مقر بما أنزل الله".


فمعنى أنه مقر بما أنزل الله، أي أنه إن كان حكم الله بالوجوب، فإقراره ينافي جحوده. وإن كان حكم الله بالحرمة، فإقراره يعني عدم استحلاله، فيبقى معنى الدفع، وهو " الرد والامتناع عن القبول". فيقول الجصاص، رحمه الله، في قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم...... الآية }:(في هذه الآية دلالة على أن من يرد شيئاً، من أوامر الله، أو أوامر رسوله، صلى الله عليه وسلم، أنه خارج عن دائرة الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة " ترك القبول والامتناع عن التسليم") أ.هـ


الرد عليها


في الحقيقة هذا تحريف لمقولة الإمام إسحاق بن راهويه، فإنه يجب أخذ كلامه بتمامه، من نقل تلميذه الذي اختص به وأكثر عنه، وهو الإمام محمد بن نصر المروزي، في كتابه "تعظيم قدر الصلاة"، ولفظه: "ومما أجمعوا على تكفيره، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد؛ فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ثم قتل نبياً، أو أعان على قتله، وإن كان مقراً، ويقول: قتلُ الأنبياء محرم، فهو كافر، وكذلك من شتم نبياً، أو رد عليه قوله من غير تقيَّة ولا خوف، ألا ترى إلى ما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم،: "حين أعطى الأعرابي، ثم قال له: أحسنتُ، قال: لا، ولا أجملت، فغضب أصحابه رضي الله عنهم، حتى هموا بقتله، فأشار إليهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالكف، وقال للأعرابي: "تأتيناه". فجاءه في بيته، فأعطاه وزاده، ثم قال له: أحسنتُ؟ قال: أي والله وأجملت.."[2].


ففي هذا تصديق أنه يكفر بالرد على النبي، صلى الله عليه وسلم. ولكن كل من كان كفره من جهة الجهل وغير الاستهانة، رفق به. لأنه كفر دون كفر" أ.هـ.


فأنت ترى أن إطلاق كلمة الكفر عليه من إسحاق ابن راهويه لا يعني أنه قد خرج من ملة الإسلام؛ لأنَّ الكفر، إذا نسب إلى المؤمنين، حُمل على التشديد والتغليظ.

 

ويذكر هذا بقول الأنصاري، الذي خاصم الزبير، عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله،صلى الله عليه وسلم، للزبير: "اسق يا زبيرُ ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب الأنصاري، ثم قال: "أن كان ابن عمتك؟!... الحديث.


ولم يحكم النبي، صلى الله عليه وسلم، على الأنصاري بالردَّة، مع أنَّ كلَّ من اتهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحكم فهو كافر مرتد، وإنما عفا عنه؛ لعلمه أن ما قاله فلتة من فلتات اللسان، وزلة من الشيطان، تمكن بها منه، عند ثورة الغضب، فإطلاق الكفر عليه لا يكون إلا بقصده سب النبي، صلى الله عليه وسلم، أو استحلاله لما حرم الله. كما رفق النبي، صلى الله عليه وسلم، بالأعرابي..). انتهى كلام الإمام المروزي.


فهذا الأعرابي كان مقرّاً لكل ما أنزل الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم، غير أنه لم يرض بحكم النبي، صلى الله عليه وسلم،، بل دفعه وردَّه، ومع ذلك لم يكفره صلى الله عليه وسلم، ولم يخرجه من ملة الإسلام ودائرة الإيمان، بل أقال عثرته، وأعطاه وزاده؛ لعلمه أنه لم يردَّ حكمه عن استهانة أو بغض أو استكبار.


وإذا كان الردُّ أو الدفع لما أنزل الله، لا عن استهانة أو عنادٍ أو إباءٍ، بل عن خوف أو هوى، لم يكن من الكفر في شيء، نحو رد الأعرابي في الحديث السابق. وإلى هذا يشير ابنُ راهويه بقوله: "وكذلك من شتم نبياً، أو ردَّ عليه قوله من غير تقية ولا خوف" وقوله: "يكفر بالرد على النبي، صلى الله عليه وسلم، ولكن كل من كان كفره من جهة الجهل وغير الاستهانة، رفق به حتى يرجع إلى ما أنكره".

وبذلك لا يبقى للخصم متعلَّقٌ بكلمة ابن راهويه، إن كان منصفاً.اه



[1] (التمهيد لابن عبد البر ج: 4 ص: 226)

[2] تمام الحديث: عن أبي هريرة، رضي الله عنه: "أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينه في شيء قال عكرمة : أراه قال : في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي : لا ولا أجملت. فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه ، فأشار رسول الله إليهم : أن كفوا . فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله ، دعا الأعرابي إلى البيت ، فقال له : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت . فزاده رسول الله شيئا ، وقال : أحسنت إليك ؟ فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل عشيرة خيرا . قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء ، فإذاجئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب عن صدورهم . قال : نعم . فلما جاءالأعرابي قال : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقال ما قال ، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ، كذلك يا أعرابي ؟ قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل عشيرة خيرا".

وهو ضعيف، رواه ابن كثير في التفسير (4/179)، والعراقي في تخريج الإحياء - 2/466)


الشبهة الرابعة :


 (الياسق)


سؤال: قالوا: يقول ابن كثير، رحمه الله، في معرض تفسير قوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ المائدة﴾. " يُنكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كلّ خيرٍ، الناهي عن كلّ شرٍّ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال، بلا مستند من الشريعة، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذة عن مَلكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من االيهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره، وهواه؛ فصارت في بنيه شرعاً متَّبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله... فمن فعل ذلك منهم، فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير.[1] أ.هـ


وقال رحمه الله تعالى: بعد أن نقل عن الجويني نتفاً من الياسق أو الياسا، التي كان يتحاكم إليها التتار: " فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين[2]. -فهذا إجماع صريح وواضح لا مجال لتحريفه ولا تأويله.


ويقول الشيخ عبد الله بن حميد، رحمه الله تعالى " ومن أصدر تشريعاً عاماً ملزماً للناس يتعارض مع حكم الله فهذا يخرج من الملة كافرا،وقدح الشيخ ابن باز بالإجماع الذي نقله الحافظ ابن كثير مردود عليه، وغير معتبر؛ لأنه لم يذكر دليلاً واحداً، أو قولاً واحداً لعالم معتبر يرد هذا الإجماع الذي ذكره ابن كثير.. وأنَّى! [3]ً


فالله، عز وجل، يذكر حكم الجاهلية، أي شرعتها ومنهجها، في مقابل حكم الله، أي شرعته ومنهجه. وإذا كانت شرعة الله هي ما جاء في كتابه وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، فماذا تكون شرعة الجاهلية إلا نظمها وقوانينها المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم؟؟.


وأيُّ فرق بين ما كان عليه هؤلاء القوم، الذين كفَّرهم ابن كثير، وأوجب قتالهم، وبين ما عليه حكامنا الآن؟ أو ليس حكامنا اليوم قد اقتبسوا من شرائع الغرب الكافر قوانين، ما أنزل الله بها من سلطان، وألزموا الناس بالتحاكم إليها والخضوع لها. ولايستثنى من ذلك إلا ما يسمى بقانون الأسرة، أو قانون الأحوال الشخصية، وهو مع ذلك لم يسلم من عبثهم؛ فأدخلوا فيه أيضاً أشياء تخالف كتاب الله وسنة رسوله؟


الرد عليها :


بالنسبة لمقولة ابن كثير في تفسيره: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله ........ فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم، فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله"[4].


ففي هذا -كما ترى- بيان لما أجمع عليه، وهو أن يجعل ذلك القانون الوضعي شرعاً متبعاً يقدم على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله،صلى الله عليه وسلم. أي جعله شرعاً يتدين به، كان ذلك هو الاستحلال المقصود في كلام العلماء، والذي يكفر صاحبه، سواء كان في مسألة الحكم، أو في باقي المعاصي. وهو المقصود بالتبديل في كلام شيخ الإسلام السابق. وهذا هو واقع التتار. فقد بين شيخ الإسلام أن التتار كانوا يتعبدون الله بالياسق، الذي اقتبسوه من شرائع شتى. فقال عنهم: "يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله، بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين. ثم منهم من يُرجِّح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يُرجِّح دين المسلمين" اهـ[5].


ولزيادة التوضيح :


لقد وضع جنكيز خان تشريعات الياسق، عام 1206 م، محفوظة في الألواح، وكانت تظهر عند كل مناسبة في تولية خاناتهم وأمرائهم، وكانت تنص على:

تنظيم العلاقات بين افراد الأسرة الواحدة:


فأحلت زواج الرجل من أختين.


وأحلت زواج الإبن من زوجات أبيه بإستثناء أمه.


وأحلت التجسس و كشف عورات الآخرين وتلويث المياه، وترك جوعان دون إطعامه أو عطشان دون سقيه عقوبتها الموت[6]. 


يقول المقريزي: (وكان جنكيز خان قد قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه (ياسا) ونقشه في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده. وكان جنكيز خان لا يتدين بشئ من أديان أهل الأرض. فصار (الياسا) حكما بتا بقي في أعقابه، لا يخرجون عن شئ من حكمه، ومن جملة ما شرعه جنكيز خان في الياسا: أن من زنى قُتل، ولم يفرق بين المحصن وغير المحصن، ومن لاط قُتل، ومن تعمد الكذب، أو سحر، أو تجسس على أحد، أو دخل بين اثنين وهما يتخاصمان، وأعان أحدهما على الآخر قُتل، ومن بال في الماء أو على الرماد قُتل، ومن أعطى بضاعة، فخسر فيها، فأنه يقتل بعد الثالثة، ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قُتل، ومن وجد عبداً هارباً أو أسيراً قد هرب، ولم يرده على من كان في يده قُتل، وأن الحيوان تُكتف قوائمه، ويشق بطنه ويمرس قلبه إلى أن يموت، ثم يؤكل لحمه، وأن من ذبح حيواناً كذبيحة المسلمين قُتل، إلى غير ذلك من الأحكام[7]. 


وألزمهم عند رأس كل سنة بعرض سائر بناتهم الأبكار على السلطان؛ ليختار منهن لنفسه وأولاده!!.


وبين ابن تيمية كيف أنهم كانوا يعظمون جنكيزخان، ويقرنونه بالرسول، صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، باتفاق جميع المسلمين، أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع غير شريعة محمد، صلى الله عليه وسلم، فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب" [8]اهـ.


* فمراد ابن كثير، في حكايته الإجماع، أن الإجماع منعقدٌ على تكفير التتار، ومن فعل فعلهم؛ نظراً لحالتهم هذه التي سبق بيانها، وهذا مما لا نختلف فيه؛ فكأن عبارته –كما يقول بندر بن نايف العتيبي- هكذا: " فمن ترك الشرع المحكم [ كالتتار]، المنزل على محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، كفر؛ [لاستحلاله]، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق، وقدمها عليه؟ [يعني: فكيف وقد قدموا الياسق]. من فعل ذلك، كفر بإجماع المسلمين [يعني: من استحلّ وقدّم حكم غير الله على حكمه تعالى].


وبهذا يتّفق كلام الحافظ ابن كثير،رحمه الله، مع أئمة السنة، في نقلهم الإجماع الثابت المتقرر في المُستحِلّ والمُفضِّل. فالتحاكم إلى قانون لا يقره الشرع، ونسبة ذلك إلى الشرع، أو أن الشرع يقره، أو القول بجواز الحكم به، أو تفضيله على الشرع وتقديمه عليه- (أي: تقديما قلبيا، أو أن يفصح عن ذلك بلسانه. ولا يقال إن المحكِم للقوانين الوضعية، هو مقدم لها بذلك على الشرع؛ لأن مجرد هذا الفعل لا يدل على الكفر. فهو كمن يعلم أن الله حرّم الخمر، ولكنه، مع ذلك يشربها، ويجبر غيره على شربها وشرائها وبيعها. فهل يقال فيه إنه كافر. والله لا يحدث إلا إذا استحل أو جحد)- كَفَرَ بالإجماع".


قال الحافظ اسماعيل بن اسحاق القاضي، في آيات الحكم بغير ما أنزل الله: " فمن فعل مثل ما فعلوا (أي اليهود)، واقترح حكماً يخالف به حكم الله، وجعله ديناً يُعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكماً كان أو غيره"[9]. والإجماع منعقد على أن الحكم بغير ما أنزل من الكبائر، التي هي دون الكفر.


فمن الواضح أن بعض المخالفين يذكر قول ابن كثير، ويحذف منه كلمة، يتعمى بها المقصود؛ إذ يقول ابن كثير في آخر كلامه: "فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكَّم سواه في قليل ولا كثير". فيعمد بعض المخالفين إلى حذف كلمة "منهم"؛ ليوهم القرَّاء أن مقصود ابن كثير بالتكفير عام، يشمل كل من حكم بغير ما أنزل الله، دون تفصيل، فالله حسيبهم، فحذف كلمة (منهم)، التي تعود على التتار، يضيع مقصود ابن كثير.


تنبيه: وردت كلمة(منهم) في تفسير ابن كثير للمائدة آية 50، وفي عمدة التفسير-وهو ملخص لتفسير ابن كثير- للعلامة أحمد شاكر.


فالمقصود بالإجماع هنا الاستحلال والتبديل. وهذا منقول فيه الإجماع في كل المعاصي، وليس فقط الحكم بغير ما أنزل الله وحده. ويدل على ذلك قول شيخ الإسلام، كما في مجموع الفتاوى: "الشرع المبدل، هو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين، فمن قال: إن هذا من شرع الله، فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حرام"[10].



[1] تفسيره (2/6:

[2] [البداية والنهاية (13/128/ 119) 128/]

[3] "أهمية الجهاد"، ص 196

[4] (التفسير3/131)

[5] (مجموع الفتاوى28/523)

[6] أوربا و التتار د/محمد الشيخ جامعة الأسكندرية

[7] الشيخ عبد العزيز المراغي، " الفقه والفقهاء في مصر على عهد المماليك"، صفحة 52 ـ 54

[8] (فتاوى28/524)

[9] (نقله عنه أبو رائد المالكي في مقاله الماتع "الحكم بما أنزل الله.. مسألة العصر")

[10] الموضع السابق نفسه


{ ومن لم يحكم بما أنزل الله


 فأولئك هم الكافرون}.


قال ابن عبد البر رحمه الله :


"وقد ضلّتْ جماعة من أهل البدع، من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب، فاحتجوا بآياتٍ من كتاب الله، ليست على ظاهرها، مثل قوله تعالى (وساق الآية المتقدمة)"[17]ا.هـ.


وقال الشيخ محمد رشيد رضا، رحمه الله :


"أما ظاهر الآية، فلم يقل به أحدٌ من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد "[18]ا.هـ.


وقال أبو حيان الأندلسي، رحمه الله :


"واحتجّت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى، فهو كافر، وقالوا: هي نصٌّ في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر"[19]ا.هـ.


قال ابن تيمية، رحمه الله :


"وإذا كان من قول السلف: (إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق)، فكذلك في قولهم: (إنه يكون فيه إيمان وكفر)، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملّة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتّبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة"[20]ا.هـ.


فلماذا التغبيش والتلبيس والحاق تهمة الارجاء لكل من قال بذلك.


* سُئل الشيخ صالح الفوزان :


ما الحكم فيمن شرَّع شريعةً عامةً للنَّاسِ، بغيرِ ما أَنزلَ اللهِ، ثُمَّ أَلزمهم بها؟


فقال : الجواب :


"إن كان يعتقد أن هذه الشريعة اللي حطَّها، أو النَّظام اللي حطه مساو أو أحسن أو جائز فهو مرتد عن دين الإسلام."


قال السائل : قسَّم العلماء -رحمهم الله- الكفر العملي إلى قسمين :

أكبر وأصغر، وسؤالي: هل الحكم بغير ما أنزل الله من الأصغر، أو من الأكبر؟

وما الدليل على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم؟


فقال : الجواب :


"هذه مسألة واضحة ومبينة في كلام أهل العلم والأئمة، أن من حكم بغير ما أنزل الله، يعتقد جواز ذلك، أو أنه أحسن من حكم الله، أو أنه مساو لحكم الله، أو أنه مخير إن شاء حكم بحكم الله، وإن شاء حكم بغيره، هذا كافر بالإجماع، هذا كافر بإجماع أهل العلم.


أما إذا كان يعتقد أن الواجب حكم الله -عز وجل-، وأنه هو الحق، وأن حكم غيره باطل، ولكن حكم بذلك لأجل رشوة، أو لأجل هوى في نفسه، في مسألة من المسائل، خالف حكم الله، متعمدا في مسألة من المسائل لغرض من أغراضه؛ إما لهوى في نفسه، أو لأجل أخذ منه رشوة، أو مداراة لأحد، فهذا كبيرة من كبائر الذنوب. ولكن لا يخرج إلى الكفر؛ لأنه يعتقد تحريم ذلك، وأنه مخطئ، وأنه مخالف، فيكون كبيرة من كبائر الذنوب، هذا هو التفصيل في هذه المسألة." [21]


[17] (التمهيد17/16)

[18] (تفسير المنار6/406)

[19] (البحر المحيط3/493)

[20] (فتاوى7/312)

[21] شرح نواقض الإسلام الشريط 6 الوجه 2


الشبهة الخامسة :


التشريع العام


سؤال: قالوا: لا شك أن من شرع للناس تشريعا عاما، مخالفا لشرع الله، وألزمهم به، كافر كفرا أكبر مخرجا من الملة، استحل أو لم يستحل، أليس كذلك؟؟


الرد عليها :


التشريع العام مصطلح قال عنه البعض إنه محدث. ومع ذلك فإن "التشريع العام" هو الإسلام بكليته، من لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق، فهذه الشُعب هي عرى الإسلام بأكمله، وهو محيط بالعام والخاص، والفرد والجماعة، والمجتمع والأمة، ويضبط أحوال الناس على مدارها في هذه الدنيا، والقوانين لا تحيط أحكامها بكلية أحوال الناس الخاصة والعامة، وإذا ما وصل النقض إلى عروة الصلاة، جاز الخروج بضوابطه من العامة..!! كما صح عنه، صلى الله عليه وآله وسلم: " ‏ ‏لينقضن‏ ‏عرى ‏ ‏الإسلام‏ عروة‏ عروة،‏ ‏فكلما انتقضت‏ ‏عروة،‏ ‏تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة " (أحمد 21139)[1]، 


فسمى الحكم عروة، وأنّها أول ما ينقض منه، ولم يقل إنّ نقض الحكم ينقض عرى الإسلام كلها، حيث أنّ تشريعها للحاكم وللمحكوم كل في حدود مسؤوليته. فلا يجوز لأحد أن يُعرّْف التشريع العام بغير ما سبق ذكره، ولا يستطيع أحد -ولو اجتهد سنين وعقود- أن يثبت أنّ التشريع العام يحصر في القضايا الجزئية.


ومن يأخذ هذا المصطلح – "التشريع العام" – ويحصره في جزئيات في الأحكام، ليس من لغة الشرع، لأنّ الشرع الحنيف بجميع شعبه هو التشريع العام الذي أنزل الله، وهو ما شُرّع لعامة المسلمين وخاصتهم، فرداً كان أو جماعة كانت، فإنّه يلزم كل في حدود ما هو موكل إليه؛ فعن ‏ابن عمر، رضي الله عتهما، أن النبي،‏ ‏صلى الله عليه وسلم، قال: "‏ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه: ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته..". (البخاري 2232، ومسلم 340.


وليس الأمر كما ذهب إليه بعض المدّعين المعاصرين؛ بأنّ جزئيات الأحكام هي كل التشريع العام للإسلام، أو تنقضه بكامله، في حال مخالفتها، ولو في حكومة واحدة! وكفّروا تاركها أو مخالفها، وأبعدوا عنها شعب الإسلام الأخرى، وقد تكون أعلى الشعب – كالتوحيد بأنواعه الثلاثة المعتمدة، أو أدناها – كإماطة الأذى عن الطريق – أليست هذه الشعب من التشريع العام، ومن الحكم بما أنزل الله، فلماذا تبعد؟!! فالحكومات الجزئية لا تُحصر بمفهوم الكلية للتشريع العام!!


قال ابن القيم، رحمه الله :


 "فصل: في هديه، صلى الله عليه وآله وسلم، في الأقضية، والأنكحة، والبيوع، وقال: وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعاً عاماً، وإنّما ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، وكيف كان هديه في ما بين الناس، ونذكر مع ذلك قضايا من أحكامه الكلية. "[2].


ففرّق بين القضايا الجزئية ولم يحصرها بأنّها التشريع العام، وإنّما ذكر هديه في الحكومات الجزئية..!!"


فكل جزئية تشريع عام للمسلمين، وليست الجزئية كل التشريع العام، وإنّما هي من شعب أحكامه.


 فالذي يحصر إقامة الحدود، أو أكل الربا بأنّه هو التشريع العام، فهذا لم يقل به إمام معتبر على مدار قرون الإسلام! وإنّما هو مفهوم الخوارج للحكم بما أنزل الله، الذين أخرجوا بقية شعب الإيمان – وعلى رأسها الشهادتان والمباني الأربعة – ولو ردّدوا الشهادتين على المآذن!


 وقال قائلهم :


"ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله"!!![3].

 

وإنّما مقصودهم قوانين الاستعمار التي تحكم في الجزئيات، فكفّروا بها المحكومين والحكام؛ ولو في حكومة واحدة! وهذا موافق لمذهب البيهسية من فرق الخوارج[4]!!


في حين أنّ الأصل في الحكم على دار القوانين – التي سكانها مسلمون – بأنّهاً دار إسلام، وأهلها ما زالوا كذلك جملة، ولكنها فسقت فسقاً دون فسق بتحكيمها للقوانين.


وهذا ماقرّره شيخ الإسلام مفصلا، حيث قال :


 "الأمكنة والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها، فقد تكون البقعة دار كفر، إذا كان أهلها كفاراً، ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها، كما كانت مكة شرّفها الله، في أول الأمر، دار كفر وحرب، وهذا أصل يجب أن يعرف؛ فإنّ البلد قد يُحمد أو يُذم في بعض الأوقات لحال أهله، ثم يتغير حال أهله، فيتغير الحكم فيهم؛ إذ المدح والذم والثواب والعقاب إنّما يترتّب على الإيمان والعمل الصالح، أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان"[5].


فقرّر أحكام البلد بتغير أحوال أهلها، وأنّ ذم البلد أو الثناء عليه مقيد بحال أهله..!


وقال: " فعامة ما يوجد في كلام المتقدمين من فضل عسقلان والإسكندرية أو عكة أو قزوين أو غير ذلك، وما يوجد من أخبار الصالحين بهذه الأمكنة، فهو لأجل كونها كانت ثغوراً، لا لأجل خاصية ذلك المكان، وكون البقعة ثغراً للمسلمين أو غير ثغر. وهو من الصفات العارضة لها، لا اللازمة لها، بمنزلة كونها دار إسلام، أو دار حرب، أو دار سلم، أو دار علم وإيمان، أو دار جهل ونفاق، فذلك يختلف باختلاف سكانها"[6].


فصنف السكان وإيمانهم، وقيامهم بالعمل الصالح؛ هو الذي يقرر الحكم على الدار، وليس القضاء في جزئيات الأحكام هو المقرر.


 وهذا هو قول السلف الصالح، على من حكم بغير ما أنزل الله، سواء أكان حاكماً أو محكوماً، في حكومة واحدة أو عدة حكومات.. وهو كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وهو اختيارهم على مدار القرون من ابن عباس – رضي الله عنهما – إلى ابن باز والألباني – رحمهما الله -، فأي دار للإسلام تحكم بالقوانين فهي دار فسق؛ ولكن فسق دون فسق، وليست دار فسق أكبر!!.



[1] الحديث رواه فيروز الديلمي وأبو أمامة الباهلي،وقال الألباني: صحيح ( صحيح الجامع:5478، و 5075، وصحيح الموارد 216)

[2] (زاد المعاد 5 \ 5)

[3] (ظلال القرآن 2 \ 1705 طبعة الشروق)

[4] ينسبون إلى أبي بيهس، هيصم بن جابر، الذي خرج بمنهج عندما ظهر له غلوّ نافع وتقصير عبدالله بن اباض؛ حيث إنّ نافعا غلا في البراءة من المسلمين وجوّز استعراضهم والتفتيش عن عقائدهم واستحلّ أماناتهم وقتل أطفالهم. بينما قال عبدالله بن اباض إنّ المخالفين عنده كفّار في النعم كما عدّ سبحانه وتعالى تارك الحج مع الاستطاعة كافراً وقال: { وَلِلّه عَلَى النّاسِ حجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَبِيلا ومِنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العالمين} ( آل عمران 97)، وجوّز مناكحهم ومواريثهم والاقامة في بلدهم.

عند ذلك أدلى أبو بيهس بأوّل رأيه حيث اعتبر أنّ هناك إفراطاً وتفريطاً والحق الوسط، يقول: إنّ أعداءنا كأعداء رسول الله، تحلّ لنا الاقامة فيهم، خلافاً لنافع، كما فعل المسلمون خلال اقامتهم بمكة وأحكام المسلمين تجري عليهم، وزعم أنّ مناكحهم ومواريثهم تجوز؛ لأنّهم منافقون يظهرون الإسلام، وانّ حكمهم عند الله حكم المشركين.

قال أبو بيهس: لا يسلم أحد حتّى يقرّ بمعرفة الله، ومعرفة رسوله، ومعرفة ما جاء به محمّد جملة، والولاية لأولياء الله سبحانه، والبراءة من أعداء الله وما حرّم الله سبحانه ممّا فيه الوعيد ، فلا يسع الإنسان إلاّ علمه ومعرفته بعينه، وتفسيره. ومنه ما ينبغي أن يعرفه باسمه ولايبالي أن لايعرف تفسيره وعينه حتى يبتلى به، وعليه أن يقف عند ما لا يعلم، ولا يأتي شيئاً إلاّ بعلم.

وقالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين، مشركون بمواقعة الذنوب، وإن كان ذنب لم يحكم الله فيه حكماً مغلظاً ولم يوقفنا على تغليظه فهو مغفور، ولا يجوز أن يكون أخفى أحكامه عنّا في ذنوبنا، ولو جاز ذلك جاز في الشرك.

وقالوا: التائب في موضع الحدود، وفي موضع القصاص، والمقرّ على نفسه يلزمه الشرك إذا أقرّ من ذلك بشيء وهو كافر، لأنّه لايحكم بشيء من الحدود والقصاص إلاّ على كل كافر يشهد عليه بالكفر عندالله.

من قول بعض البيهسية: من واقع زنا، لم يُشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية، إلاّ أنّهم قالوا: نقف فيهم ولا نسمّيهم مؤمنين ولاكافرين .

وأمّا مصير أبي بيهس، فقد طلبه الحجاج أيّام الوليد فهرب إلى المدينة فطلبه بها عثمان بن حيّان المزني فظفربه وحبسه، وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله، ففعل ذلك به.

راجع: الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/113 ـ 118، والشهرستاني: الملل والنحل 1/125 ـ 127 .

[5] (الفتاوى 4 \ 377)

[6] (الفتاوى 27 \ 25)


الشبهة السادسة :


 الله أقسم بذاته العلية على


 نفي إيمان من لم يحكم بالشرع!!


سؤال: وما القول وقد أقسم الله بذاته العلية على نفي إيمان من لم يحكم بالشرع؛ إذ قال:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا النساء}.


الرد عليها


الجواب: هذه الآية تنفي كمال الإيمان، ولا تنفي أصل الإيمان، يعني لا دليل في ذلك على الكفر الأكبر مطلقا؛ فقد نزلت في رجلٍ أنصاريٍّ بدريٍّ، والبدريون معصومون من الوقوع في الكفر الأكبر، فعن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، رضي الله عنهما،‏ أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في شراج من الحرة، يسقي بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري، ثم قال:أن كان ابن عمتك!! فتلون وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار واستوعى ‏ ‏له حقه ", فقال الزبير: والله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك. ‏( البخاري 2189، ومسلم 4347)


فانظر كيف ضاق صدر ذاك البدريّ، ولم يقع منه التسليمُ الكاملُ بقضاء النبي، صلى الله عليه وسلم،. فالآية تقرر نفي كمال الإيمان، لا نفي أصل الإيمان. بمعنى: لا يؤمنون الإيمان الكامل. وليس المعنى: لا يكونوا مؤمنين. وبينهما فرقٌ كيبر.


والدليل موجودٌ في الآية نفسها،

 فقد نفى الله الإيمان عن ثلاثة أصناف :


1. من لا يُحكِّم الشريعة.


2. من وجد حرجاً في نفسه.


3. من لم يُسلِّم تسليماً تامَّاً.


وقد دلت الأدلة على

 أن الصنف الثاني والثالث لا يكفران :


فقد ثبت اعتراض بعض الأنصار على قسمة غنائم حنين، وعدم تسلميهم لحكم رسول الله،صلى الله عليه وسلم،. قال أنس بن مالك – رضي الله عنه –: لما فتحت مكة قسم الغنائمَ في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب ! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم ! فبلغ ذلك رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فجمعهم، فقال: " ما الذي بلغني عنكم؟ ".


قالوا: هو الذي بلغك. قال: " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله،إلى بيوتكم؟ لو سلك الناس وادياً أو شعباً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً؛ لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار". (البخاري: 3778، مسلم: 2437).


فإن كان المنفي هو الإيمان كله، فيلزم تكفير الأنصار، رضي الله عنهم.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله :


" كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة: كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك؛ فإنما يكون لترك واجبٍ من ذلك المسمى. ومن هذا قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا النساء}، فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية؛ دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب، الذي وُعِدَ أهله بدخول الجنة بلا عذاب "[1]


وقال : 


" وهذه الآية مما يستدل بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر، الذين لا يحكمون بما أنزل الله " انتهى كلامه. [2]


ألا ترى قدامة بن مظعون ـ و كان بدريا ـ تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } [ المائدة: 93 ]، حتى أجمع رأى عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه؛ فإن أقروا بالتحريم، جُلدوا. وإن لم يقروا به، كفروا. ثم إنه تاب، وكاد ييأس؛ لعظم ذنبه في نفسه، حتى أرسل إليه عمر، رضي الله عنه، بأول سورة غافر، فعُلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة، وأنهم مغفور لهم، وإن جاز أن يصدر عنهم، قبل ذلك، ما عسى أن يصدر، فإن التوبة تجب ما قبلها.


قال الإمام النووي، رحمه الله :


"قال العلماء: لو صدر مثل هذا الكلام، الذي تكلم به الأنصاري اليوم، من انسان من نسبته صلى الله عليه وسلم الى هوى، كان كفرا، و جرت على قائله أحكام المرتدين.


 قالوا إنما تركه النبي، صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويصبر على أذى المنافقين ويقول لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وقد قال الله تعالى: { وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحَْ} (المائدة 13).


وقد حكى الداودي أن هذا الرجل، الذي خاصم الزبير، كان منافقا. وقوله، في الحديث، إنه أنصاري، لا يخالف هذا؛ لأنه كان من قبيلتهم، لا من الأنصار المسلمين.


وقد علق الحافظ ابن حجر على كلام الداودي؛ فقال: "وأما قول الداودي، وأبي إسحاق الزجاج، وغيرهما، إن خصم الزبير كان منافقا، فقد وجَهه القرطبي بأن قول من قال إنه كان من الأنصار، يعني نسبا لا دينا، 


قال: وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن منافقا، ولكن أصدر ذلك منه بادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا شارح المصابيح، التوربشتي، ووهَى ما عداه،


 وقال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة، التي هي المدح، ولو شاركهم في النسب، قال بل هي زلة من الشيطان، تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم، في تلك الحالة. اهـ


وقد قال الداودي ـ بعد جزمه بأنه كان منافقا ـ:وقيل كان بدريا. فإن صح، فقد وقع ذلك منه، قبل شهودها؛ لانتفاء النفاق عمن شهدها[3] .اهـ


وقال بن التين : إن كان بدريا، فمعنى قوله لا يؤمنون، لا يستكملون الإيمان، والله أعلم".


[1] (مجموع الفتاوى 7/37).

[2] (منهاج السنة 5/131).

[3] في الفتح 5/35


الشبهة السابعة : 


التشريع والتبديل


قالوا: إن الحاكم بغير ما أنزل الله قد اعتدى على سلطان الله؛ فإن التشريع حق لله وحده، ومن شرَّع فإنه يلزمه أمران:


الأول : رفض شريعة الله؛ إذ لو لم يرفضها، لما استبدل بها غيرها.


والثاني : أنه تعدى على حق من حقوق الله.


وكلاهما ينافي التوحيد؛ فإن الله، سبحانه، قد اختص بأشياء منها العبادة، ومنها الخلق والرزق التدبير، ومنها الحكم والتشريع أيضاً. فمن صرف شيئاً اختص اللّـه به لغيره؛ فقد أشرك شركاً أكبر، كالذي يعبد غير الله، أو يدعي علم الغيب من دون الله، أو يشرع من دون الله، وهذه قاعدة مطردة لا استثناء فيها ". فما ترون؟؟


الرد عليها


إنَّ ثمة أوصافاً إلهية، انفردَ اللهُ بها دون خلقهِ، كالكبرياء والعظمة والخلق والتصوير، وأهل السُّنَّة لم يكفٍروا المنازع له فيها بإطلاق، وإنما سلكوا منهج التفصيل، فكذلك التشريع والحكم، إذا لم يكن عن استحلال، فليس بكفر، وفاعله فاسق صاحب كبيرة. ولا يكفر كسائر الكبائر غير المكفرة.


فالعزُّ والعظمة والكبرياء من أوصاف الله تعالى، الخاصة به، والتي لا تنبغي لغيره.


يقول القرطبي في "المفهم"، كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: "العزُّ إزاري، والكبرياءُ ردائي، فمن ينازعني عذبته" (أبو داود4090، ابن ماجه 4174).


وقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبَّة، أو ليخلقوا شعيرة". (البخاري 5609)


قال القرطبي : 


"وقد دل هذا الحديث على أن الذم والوعيد إنما علَّق من حيث تشبهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا مشاركته فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع".


قالت عائشة: "دخل علَّي رسول الله، صلى الله عليه وسلم،، وقد سترتُ سهوةً لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلوَّن وجههُ، وقال: "يا عائشة، أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يُضَاهُون بخلق الله"(البخاري 5610/5611)[1].


ومع أن المصورين ينازعون الله ما انفرد به، فإن أهل السُّنَّة لم يكفروا منهم إلاَّ من استحل، أو قصد العبادة والمضاهاة، أما من لم يستحل، ولم يقصد العبادة والمضاهاة، فليس بكافر.


وأهل السنة كافة لا يكفرون من يستعظم نفسه ويحتقر غيره، وكذلك الخلق والتصوير من خصائصه سبحانه، فنحت التماثيل فيه مضاهاة لخلق الله تعالى.


والذي ينبغي التنبيه عليه أن الشرك هنا في توحيد الربوبية بمعنى إعطاء حق التشريع - أي تشريع - لغير الله، وليس بالضرورة أن يكون صاحبه مشركاً شركاً أكبر؛ لأن الشرك في الربوبية منه ما هو شرك أكبر، ومنه ما هو شرك أصغر.


وضابط ذلك في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ً وما عليه إجماع الأمة، أن الأمر يرجع إلى الجحود والاستحلال. ولا يقال إن من اتبع حكم القانونيين، وهو يعلم أنه على ذنب، أنه قد أعطى المخلوق حق التشريع من دون الله؛ لأن هذا الأمر يتعلق بالاعتقاد.


وهو بهذه العقيدة الباطلة كافر، ولو كان في مسألة يوافق حكمها حكم الله. أما دون هذه العقيدة، كأن يفعل ذلك؛ إتباعاً للهوى، أو تحقيقاً لمصلحة دنيوية، فليس يوجد ما يكفر به.


أما ما يتعلق بالشرك في توحيد الألوهية، فلا شك أنه لا يكون إلا شركاً أكبر. لكن هل يقال لمن حكم بغير ما أنزل الله أنه صرف العبادة لغير الله، 

ليس الأمر كذلك؛ لأنه في حقيقة الأمر خالف حكم الله، ولم يصرف شيئاً من العبادة لغير الله، ولا يجوز التكفير بالذنوب والمعاصي، ولو كانت من الكبائر.


ولكن المخالفين يقررون أن تحكيم القوانين، وجعلها نظاماً عاماً، قرينة على الاستحلال القلبي.


والرد عليهم : 


الذي عليه الأئمة، قديماً وحديثاً، أن كل ذنب دون الكفر (ومنه بالطبع- عند كل من أنصف- تحكيم القوانين وجعلها نظاماً عاماً)، لا يعد قرينة على الاستحلال القلبي؛ فإن المعاصي، التي دون الكفر، بوجه عام، إما أن يستحلها صاحبها عملياً أو قلبياً.


فبالأول يكون فاسقاً، وبالثاني يكون كافراً، ومن قال غير هذا فعليه البيان.


ومن ثم فمن حكم بغير ما أنزل الله، لا يكفر كفراً أكبر، إلا إن كان جاحداً لحكم الله، أو مُجوِّزاً فعلهُ، أو معتقداً المساواة بين الحُكْمين، أو مُفضِّلاً حكم غير الله على حكم الله.


قال ابن تيمية، رحمه الله :


"والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافراً مرتدّاً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعالى –على أحد القولين - (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله"[2] ا.هـ


وقال أيضاً، رحمه الله :


"وبيان هذا: أن من فعل المحارم مستحلاً لها، فهو كافر بالاتفاق؛ فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه"[3] ا.هـ.


وقال أيضاً، رحمه الله :


"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله، فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً، من غير اتِّباعٍ لما أنزل الله، فهو كافر"[4]ا.هـ

 

يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ :


 (وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند، في تكفيره له، إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً، كالشرك بالله وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله).


* وعموما :


 التشريع في الدين : يسمى بدعة.وإن كفَرنا به، لزمنا تكفير من شرع الاحتفال بيوم عاشوراء، أو المولد، أو الإسراء وغير ذلك.


* أما التشريع في الدنيا فقسمان :


1. ما لم يرد فيه نص: فمرجعه إلى المفسدة والمصلحة


2. ما ورد فيه نص شرعي: فمخالفته معصية، ما لم يقترن بها جحود أو استحلال.


[1] المفهم(5/432)

[2] (الفتاوى3/267)

[3] (الصارم2/971)

[4] (المنهاج5/130)


الشبهة الثامنة :


الإستحلال


سؤال : قالوا أنتم تقولون إن من حكم بغير ما أنزل الله، لا يكفر إلا إذا استحل أو جحد. وهذا خطير؛ فإن الإنسان يكفر بالعمل، ولا يشترط الاعتقاد. وخصوصاً إن ورد نص على أن ترك هذا العمل مكفر، كالحكم والصلاة. فقد ورد فيهما نص. فإبليس امتنع فقط عن السجود تكبراً، وهذا عمل. والصلاة من الأعمال؛ فمن تركها غير جاحد، كفر كما أجمع أصحاب رسول الله،صلى الله عليه وسلم، على ذلك. فما ردكم؟؟


الرد عليها :


شرط الجحود أو الاستحلال لمن ارتكب الكفر الأصغر، أو المعصية هو قول السلف جميعا، وقد أطبقوا عليه. وفيما يلي التفصيل:


أولا :


 تعريف الاستحلال : هو اعتقاد حـِـلِّ الشيء.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله :


« والاستِحلالُ: اعتِقادُ أنها حلالٌ له »[1].


وقال ابن القيم، رحمه الله :


« فإنَّ المُستحلَّ للشيء هو: الذي يفعله مُعتقِداً حِلَّه »[2].


وقال ابن عثيمين، رحمه الله :


 « الاستحلال هو: أن يعتقد الإنسان حلّ ما حرّمه الله »[3]..


وقال كذلك : 


الاستحلال : هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله.


 وأما الاستحلال الفعلي، فينظر :


 إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر، فهو كافر مرتد. فمثلاً لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال، لكنه يصر عليه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحله، ولكن لو قال: إن الربا حلال، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله.


الاستحلال إذاً :


 استحلال فعلي واستحلال عقدي بقلبه.


فالاستحلال الفعلي : 


ينظر فيه للفعل نفسه، هل يكفر أم لا؟ 


ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان، لكنه من كبائر الذنوب، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر.. لماذا؟ لأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط. ولكن لابد من شرط آخر وهو: ألا يكون هذا المستحل معذوراً بجهله، فإن كان معذوراً بجهله فإنه لا يكفر، مثل أن يكون إنسان حديث عهد بالإسلام، لا يدري أن الخمر حرام، فإن هذا، وإن استحله، فإنه لا يكفر، حتى يعلم أنه حرام. فإذا أصر بعد تعليمه صار كافراً"[4]


ثانيا : 


بماذا يـُـعرَفُ الاستحلال؟


يـُـعرَفُ الاستحلال بإقرار المرء على نفسه بأنه يعتقد الحل، وذلك: إما بالتصريح بـ اللسان أو بـ الكتابة؛ لأن الكتابة تقوم مقام القول.


قال الماوردي (العرب تقول الخط أحد اللسانين)[5] . وثمة قاعدة فقهية تقول (الكتاب كالخطاب)[6]


لأن الاعتقاد محلـُّـه القلب، ولا سبيل لمعرفة ما في القلب: إلا بالإقرار الصريح.


وبرهان ذلك حديث الرجل، الذي قتل في المسلمين، ولما تمكن منه أسامة بن زيد، رضي الله عنه، نطق بالشهادة، فقتله أسامة، رضي الله عنه، فلما بلغ ذلك رسول الله،صلى الله عليه وسلم، قال له:


" أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! " (البخاري 4269، 6872).


" أفلا شققتَ عن قلبه لتعلم أقالها أم لا؟! " (مسلم 273).


" فكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! " (مسلم 275).


قال أسامة: "فما زال يكررها عليَّ حتى تمنـَّـيتُ أني أسلمتُ يومئذٍ (البخاري 4269، 6872 مسلم 273).


 قال الخطـَّـابي :


 " وفي قوله (هلا شققتَ عن قلبه) دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه "[7].


ففي هذ الحديث ثلاث فوائد :


1. أن الاعتقاد محله القلب.


2. عدم جواز الأخذ بالقرائن للحكم على ما في قلوب الناس.


3. عدم جواز الاجتهاد للكشف على ما في قلوب الناس[8].


ولذا عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه :


 أن رجلا على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله،صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد جلده في الشراب، فأُتي به يوما، فأمر به فجلد، فقال: رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يُؤتى به؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. رواه البخاري (6780).


فها هو صحابي مصر على شرب الخمر، "ما أكثر ما يؤتى به في الخمر!"، ومع ذلك قال النبي، صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنوه فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله "


فلماذا لم يكفر النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك الصحابي، الذي أصر وداوم على شرب الخمر؟.


قال ابن حجر :


"..من تكررت منه المعصية لا تُنزَعُ منه محبة الله ورسوله"[9]


 يقول الشيخ ابن عثيمين :

 

"والرسول،عليه الصلاة والسلام، لم يجز منابذة الولاة إلا إذا رأينا كفراً بواحاً، عندنا فيه من الله برهان، فنحن لا نعلم ما في قلب ولي الأمر، وتعرف أن الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله يعتذرون بأعذار غير صحيحة، وإلا فهم يصرحون، يقولون: نعم نحن نقول هذا القانون ونعلم أنه يخالف الشرع. لكنهم يأتون بأشياء يتأولونها، لكن أولئك المنافقين في عهد الرسول،صلى الله عليه وسلم، لا يصرحون يصدون ويعرضون لكن دون أن يقولوا: لا نقبل"[10].


فالعلماء قالوا :


 الكفر كفران :


 اعتقادي...وعملي


* فالإعتقادي كفر أكبر دائما.


والعملي :


 منه ماهو أكبر كالسجود للقبر.


ومنه ما هو كفر أصغر كالحكم بغير ما أنزل الله


فهو معصية لا تخرج صاحبها عن الإسلام إلا بأمر واحد فقط هو الإستحلال.


(وخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة ' في قولهم أنه في منزلة بين المنزلتين ').


* ولا مجال لمعرفة إستحلال المعصية إلا بالنطق والتصريح. فإن الحكم دائما على الظاهر. فمن استحل محرما، لا يمكننا معرفة ذلك، ولو عمل به طول عمره، إلا بالتصريح ولا أحد يخالف في هذا إلا أهل البدع. والدعوة لمواقعة المنكر وتزيينه وتيسيره والتواطؤ عليه ليس استحلالاً؛ ما لم يصرح بأنه يعتقد الحلّ.


* سؤال : هل التشجيع على ممارسة الرذيلة، وحماية بيوت الدعارة، بقوة القانون، ومعاقبة كل شخص ينكر ذلك، يعد من الاستحلال أم لا؟


سؤال آخر : حاكم يمنع النساء من ارتداء الحجاب. بل ويرغمهن على خلعه بالقوة !! أليس هذا استحلالا !!!؟


الجواب : 


لا ليس استحلالا. ومثله كزوج يشجع زوجته على الرذيلة؛ لهدف الكسب المادي، ويستخدم قوة عضلاته لإرغامها على ذلك!. أو أب يمنع ابنته من ارتداء الحجاب، ويرغمها على خلعه بالقوة!. أو أب يجبر ولده على حلق اللحية! فالمداومة على المنكر، والإصرار عليه، والدعوة إليه، وتزيينه، وتحسينه، والإجبار على مواقعته. كل هذا حرام، لا يدل على الاستحلال.


* ولو أن رجلاً أنشأ بيتاً للدعارة؛ فوضع أنظمة تحدد أسعار الجريمة. فجعل للكبيرة سعراً، وللصغيرة سعراً أعلى منه، وللجميلة سعراً. وللقبيحة سعراً. فهذا شرع للزنا ووضع له قوانين؛ لكنه معترف بأن فعله ذنب ولا يرى أنه حلال. فهو لا يكفر.


كذلك: لو أن رجلا لديه قرية سياحية، وبإمكانه أن يمنع بيع الخمور فيها، ويمنع الزنا والقمار فيها، ولكنه سمح بذلك، وجعل له قانوناً من غير استحلال.لا يكفر.


وهكذا، من اعتبر تشريع القانون وسّنَه: كفر؛ فإنه يخالف قول السلف؛ إذ لا يكفر هذا إلا الخوارج.



[1] (الصارم المسلول 3/971)

[2] (إغاثة اللهفان 1/382)

[3] (الباب المفتوح 3/97، لقاء: 50، سؤال: 119.

[4] (لقاءات الباب المفتوح/ الشريط (50)

[5] (ادب الدنيا والدين 4

[6] (شرح القواعد الفقهية للزرقا 285)

فائدة: الاستحلال قد يعني به العلماء الاسترسال في المحرم (ذكره في الفتح عند شرحه لحديث الغناء عن ابن العربي)، ولا يكون بذلك كافرا..

[7] (معالم السنن 2/243)

[8] * ملحوظة: قول المرجئة الجهمية: مرتكب الكفر الأكبر لا يكفر إلا إن كان مستحلا.

[9] (الفتح 12/80)

[10] لقاء الباب المفتوح (ش\120)


الشبهة التاسعة :


 (الصلح مع اليهود (التطبيع


قالوا كيف لا نكفر هؤلاء الحكام، وهم قد حرصوا علىالصلح مع اليهود، واستباحوا التجارة والتعامل مع إسرائيل.


والرد عليها


لقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة، لما قدم المدينة مهاجراً، وصالح كفار قريش في الحديبية، بل إن تاريخ الإسلام مليئ بمواقف الصلح مع الأعداء.

 

وإليك نموذج من صلح المسلميين مع الصليبيين، في عهد صلاح الدين، الذي حقق أعظم نصر عرفه التاريخ عليهم، وحرر المسجد الأقصى:


قال القاضي بهاء الدين بن شداد[1] :


"بعد هذا فإن الانكتار_ وهو من أكابر ملوك الإفرنج_ سير رسوله إلى الملك العادل يطلب الاجتماع به، فأجابه إلى ذلك، واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من السنة..، وتحادثا معظم ذلك النهار، وانفصلا عن مودة أكيدة، والتمس الانكتار من العادل أن يسأل السلطان أن يجتمع به. فذكر العادل ذلك للسلطان، فاستشار أكابر دولته في ذلك، ووقع الاتفاق على أنه إذا جرى الصلح بيننا، يكون الاجتماع بعد ذلك. ثم وصل رسول الانكتار وقال: إن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك، وأنت تذكر أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك؛ فأريد أن تكون حكما بيني وبينه، وتقسم البلاد بيني وبينه، ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس.! وأطال الحديث في ذلك فأجابه السلطان بوعد جميل، وأذن له في العود في الحال، وتأثر لذلك تأثرا عظيما.


قال ابن شداد :


 وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان: متى صالحناهم، لم تؤمن غائلتهم، ولو حدث بي حادث الموت، ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى الإفرنج، والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل، أو يأتينا الموت. هذا كان رأيه وإنما غُلب على الصلح.) انتهى


لاحظ أيضا أن الصلح السابق قد أقيم مع وجود القدس تحت أيدي الصليبيين. ولا بد أن يكون هذا الصلح قد وقع على مرئى ومسمع من الفقهاء؛ إذ أن الفقهاء كانوا ذوي مكانة في ذلك الوقت.


وهناك أسباب ودواعي قد تضطر الدولة إلى الصلح...منها :


1- أن يكون المسلمون ضعاف العدد والعدة؛ فيجوز الصلح بين الكفار والمسلمين ريثما تزداد قوة المسلمين،بحيث إذا لم يتم الصلح نتج عنه إبادة للمسلمين. ففي هذه الحالة الصلح مع العدو يكون أولى من الحرب، وهو ما يعرف بترجيح المصالح على المفاسد.


2- أن تكون مصلحة المسلمين في الصلح أكثر منها في الحرب؛ فيكون الصلح عندئذ جائزا حتى ولو كانت الأرض مغتصبة.


ولكن لا ينبغي للبعض أن يظن أن الصلح مع اليهود يوجب محبتهم وموالاتهم؛ فهذا يناقض قاعدة الولاء والبراء. كما لا ينبغي أن يظن أنه صلح مطلق إلى قيام الساعة.


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : 


"فمن كان من المؤمنين بأرض، هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذى الله ورسوله، من الذين أوتو الكتاب والمشركين،

 وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الذين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون"[2].


وقال القرطبي :


 " فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة، وجماعة عديدة وشدة شديدة؛ فلا صلح. وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسول الله، صلي الله عليه وسلم، أهل خيبر على شروط نقضوها، فنقض صلحهم. وقد صالح الضمرى، وأكيدر دومة، وأهل نجران، وقد هادن قريشاً لعشرة أعوام، حتى نقضوا عهده. وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التى شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة.[3].


ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله :


"الصلح مع اليهود، أو غيرهم من الكفرة، لا يلزم منه مودتهم ولا موالاتهم،

 بل ذلك يقتضي الأمن بين الطرفين، وكف بعضهم عن إيذاء البعض الآخر وغير ذلك، كالبيع والشراء، وتبادل السفراء.. وغير ذلك من المعاملات، التي لا تقتضي مودة الكفرة ولا موالاتهم. 


وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ولم يوجب ذلك محبتهم ولا موالاتهم، بل بقيت العداوة والبغضاء بينهم، حتى يسر الله فتح مكة، عام الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وهكذا صالح النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة لما قدم المدينة مهاجراً صلحاً مطلقاً، ولم يوجب ذلك مودتهم ولا محبتهم.


لكنه عليه الصلاة والسلام كان يعاملهم في الشراء منهم والتحدث إليهم، ودعوتهم إلى الله، وترغيبهم في الإسلام، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام اشتراه لأهله.


 ولما حصل من بني النضير من اليهود الخيانة، أجلاهم من المدينة عليه الصلاة والسلام، ولما نقضت قريظة العهد، ومالؤوا كفار مكة، يوم الأحزاب على حرب النبي، صلى الله عليه وسلم، قاتلهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذريتهم ونساءهم، بعدما حكم سعد بن معاذ، رضي الله عنه، فيهم فحكم بذلك، وأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن حكمه قد وافق حكم الله من فوق سبع سماوات.


 وهكذا المسلمون من الصحابة ومن بعدهم، وقعت الهدنة بينهم - في أوقات كثيرة - وبين الكفرة من النصارى وغيرهم؛ فلم يوجب ذلك مودة، ولا موالاة"[4].



[1] كتاب "سيرة صلاح الدين

[2] الصارم المسلول (صفحة221)

[3] تفسير القرطبي (8/39-41)

[4] (من موقع الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله)


الشبهة العاشرة :


 الموالاة


سؤال: أليس تعاون الحكام مع أعداء الأمة وفتح الممرات والقواعد العسكرية لهم من الموالاة التي هي كفر باتفاق؟؟


الرد عليها


الموالاة نوعان :


·موالاة قلبية :


 أي حب دين الكافرين، وهي كفر أكفر ونفاق أكبر


·موالاة عملية : 


مثل مساعدتهم ومعاونتهم، بصورها المتنوعة، وهي ليست كفرا أكبر.


فهذا حكم الجاسوس المسلم، فيما حكاه الحافظ ابن حجر العسقلاني، في معرض الكلام عن حديث حاطب بن أبي بلتعة: "وفيه هتك ستر الجاسوس، وقد استدل به من يرى قتله من المالكية؛ لأستئذان عمر في قتله، ولم يرده النبي، صلى الله عليه وسلم،عن ذلك الا لكونه من أهل بدر. ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه.


والمعروف عن مالك قوله :


 يجتهد فيه الإمام.


وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه. وقال الشافعية والأكثر: يُعزر، وإن كان من أهل الهيئات، يُعفى عنه. وكذا قال الأوزاعي وأبوحنيفة: يوجع عقوبة، ويطال حبسه"[1].


وقد صرح ابن القيم أن التجسس كبيرة دون الشرك، كما قال: " إن الكبيرة العظيمة، مما دون الشرك، قد تُكفر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجس من حاطب مكفرا بشهوده بدرا. فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة، وتضمنته من محبة الله لها، ورضاه بها، وفرحه بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة، وتضمنته من بغض الله لها، فغلب الأقوى على الأضعف؛ فأزاله وأبطل مقتضاه"[2].


فالأولى أن يقال : 


إن العلماء مجمعون على عدم تكفيره، بقرينة وصفه بالمسلم، واتفاق جماهيرهم على أنه لا يُقتل. ولو كان مرتدا، لاتفقوا على قتله. وحتى من قال إنه يقتل، فقد جعل مناط قتله هو التعزير، لا الردة.



[1] فتح الباري (12\310)

[2] في زاد المعاد (3\372


خلاصة لكل ما سبق


أولا : 


من لم يحكم بما أنزل الله، إن استحل ذلك، أو اعتقده جائزاً، أو جحد وجوب الحكم بالأحكام الشرعية، أو استهزأ أو استهان بها أو استحقرها، فهذا كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة.


أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة، أو الهوى، أو مكرها على ذلك، أو لأي مقصد آخر، وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم، ويعد كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر، لا يخرجه من الملة.


والحكم بغير ما أنزل الله- في مجمله- من الكفر العملي. والكفر العملي لا يخرج من الملَّة بإطلاق:


فمنه ما يخرج من الملَّة بالكلية -بمجرد فعله- سواء كان معتقداً أم غير معتقد، مستحلاً أم غير مستحل.. كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف وإلقائه في القاذورات، والاستهزاء بالله وآياته ورسله.


ومنه ما لا يخرج من الملَّة إلاَّ إذا كان مستحلاً أو جاحدا أو مستهزأ أو مستهينا ومُحَقِّرا.. كقتال المسلم، وإتيان الحائض، وغشيان المرأة في دبرها، ونحو ذلك مما سماه الشارع كفراً، ولم يرد به الكفر الـمُخْرِج من الملة.


ثانيا :


لقد شغب الخصم؛ ليثبت فرقاً بين القضايا المعينة والتشريع العام، وليبطل ما أجمع عليه السلف وأهل السنة، من أن مناط الحكم بالكفر على مرتكب الكبيرة – ومن ذلك الحكم بغير ما أنزل الله – هو الاستحلال أو الجحود أو الاستهزاء أو ما شابه ذلك.


وردا على هذه الشبهة الشهيرة :


1. أن الخصم لم يستدل على ما ذهب إليه من التفريق المزعوم بدليل واضح من كتاب أو سنَّةٍ أو حتى قول لصحابي. "وما كان كذلك كان أولى بالطرح وعدم القبول".


2. لا فرق بين من حكم بغير ما أنزل في " مسألة وحدة أو مسألتين"، وبين من حكم به "اطرادا". 


إذ أن علة الحكم عليه بالكفر هي: أنه حكم بغير ما أنزل الله "مستحلا أو معاندا، أو ترك الحكم بما أنزل الله مستهزئا أو مستهينا مستحقرا ". فليست المسألة متعلقة بمن حكم بغير ما أنزل الله "مرة أو مرتين أو عشرة أو مائة " أو "اطرادا ".


فمناط الحكم عليه بالكفر هو" الاستحلال أو الجحود أو الاستهزاء أو الاحتقار أو الاستهانة "، وليس أنه جعله "تشريعا عاما". إذ لا فرق بين من حكم به مرة أو عشرة أو مائة أو ألفا أو عشرة الآلاف متبعا لهواه-ولكنه معتقد بوجوب الحكم بغير ما أنزل الله-، وبين من جعل القانون الوضعي تشريعا عاما - مع اعتقاده لوجوب الحكم بغير ما أنزل الله. انتهى.


نقلا من كتاب : 

الردود السلفية على شبهات الحاكمية.

المؤلف: أ.د. طلعت عبد الرازق زهران.

 أعاذنا الله وإياكم من بدع الخوارج

 ومن أهلها وحزبياتهم المقيتة.



والله اعلم


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات