✅ من المسائل الفقهية التي يكثر السؤال عنها: حكم نسيان التسمية عند الذبح، وهل الذبيحة تكون حلالًا أم حرامًا.
في هذا المنشور نوضح الحكم الشرعي بدليله من القرآن والسنة، مع أقوال أهل العلم وبيان القول الراجح.
هل التسمية شرط لصحة الذبيحة؟
تجب التسمية (قول: “بسم الله”) من الذابح عند ذبح الذبيحة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والحنابلة.
✅ ودليل ذلك قول النبي ﷺ:«ما أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ…».أخرجه البخاري.
حكم نسيان التسمية عند الذبح؟
● من ترك التسمية عمدًا: لا تحل ذبيحته- عند جمهور الفقهاء.
● أما من نسي التسمية عند الذبح: فذبيحته حلال ولا إثم عليه، لعموم الأدلة الدالة على رفع الحرج، ومنها قول النبي ﷺ:
«إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه». (صحيح ابن ماجه).
◄ وهذا القول هو الأيسر والأقرب إلى مقاصد الشريعة في اليسر ورفع الحرج، خاصة مع كثرة الذبح واحتمال النسيان.
✔ وهو قول ابن عباس، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، ولم يُنقل عن الصحابة خلاف معتبر فيه، إلا ما نُسب لابن عمر- ولا يصح إسناده.
أدلة القرآن على حكم التسمية:
✅ قول الله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق. [الأنعام: 121].
وجه الدلالة: سمى الله تعالى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا، كما في قوله تعالى: أو فسقا أهل لغير الله به، والفسق محرم،
وما لم يذكر اسم الله عليه فهو مما أهل لغير الله به، فهو حرام بنص الآية، والناسي لا يسمى فاسقا. انظر:((إرشاد الساري)) للقسطلاني (8/273).
★ قال العلامة القرطبي رحمه الله: فَبَيَّنَ الحالين وأوضح الحكمين. فقول: " لَا تَأْكُلُوا" نَهْيٌ عَلَى التَّحْرِيمِ لَا يَجُوزُ حمله على الكراهة ، لتناوله فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ الْحَرَامَ الْمَحْضَ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، أَيْ يُرَادَ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ مَعًا، وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ الْأُصُولِ،
وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا خِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ خِطَابُهُ، فَالشَّرْطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ. انظر:"تفسير القرطبي" (7/ 76).
أدلة السنة في إباحة الذبيحة عند النسيان:
1- حديث عائشة رضي الله عنها: أن قوما قالوا يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال رسول الله ﷺ: سموا الله عليه وكلوه. صحيح البخاري.
وجه الدلالة: فلو كانت التسمية شرط لصحة الذبيحة ما قال لهم النبي ﷺ: (سموا أنتم وكلوا).
2- قال البخاري في -صحيحه: " بَاب التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ نَسِيَ فَلا بَأْس، وقال الله تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) والناسي لا يسمى فاسقاً ..". اهـ (وصل هذا الأثر سعيد بن منصور والدار قطني -وإسناده صحيح).
3- قال ﷺ: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ). حسنه النووي في ((المجموع)) (6/521).
◄ هذا الحديث نص في العفو عن الواجبات عند النسيان.
4- عن ابن عباس رضي الله عنهما- قال: " إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح، ونسي اسم الله فليأكل". (إسناده صحيح-مصنف عبد الرزاق الصنعاني - كتاب المناسك-باب التسمية عند الذبح - حديث:(8282)).
أقوال العلماء في المسألة.
★ قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله:
عند تفسيره لقوله تعالى(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه): والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك ما ذبح للأصنام والآلهة وما مات أو ذبحه من لاتحل ذبيحته.
وأمّا من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله، فقول بعيد من الصواب لشذوذه وخروجه عما عليه الجماعة من تحليله وكفى بذلك شاهداً على فساده. انظر:(تفسير الطبري ( 8 / 20 )).
★ وقال أيضا رحمه الله:
من حَرّم ذبيحة الناسي، فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك. انظر:(تفسير ابن كثير).
★ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:
واعتبر التسمية واجبة في الصيد فلا تسقط مطلقاً بخلاف الذبيحة،
والصحيح أنه لا فرق بين الصيد والذبيحة، فيعذر الناسي في ذلك دون العامد، والدلالات على ذلك كثيرة. والله أعلم. انظر:(المغني ( 11 / 33 )).
★ سئل الشيخ ابن باز رحمه الله :
عن قول ابن عباس في أول الباب: من ترك التسمية ناسيًا...؟
فأجاب :
نعم، عند عامة أهل العلم كالإجماع في حلها... حكى ابن جرير إجماع أهل العلم...، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، مثل ما قال البخاري رحمه الله:
من ترك التسمية فليس بفاسق... كالإجماع، يعني القول بالتحريم شاذ. ينظر:(فتاوى الدروس).
موقف العلماء من أدلة التحريم.
✅ الأدلة التي ظاهرها اشتراط التسمية مطلقًا، فسرها العلماء على النحو الآتي:
1- لم يُنقل هذا الفهم عن أحد من الصحابة، بل جاءت فتوى ابن عباس بخلاف ذلك.
2- ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه النصوص تُحمل على من يترك التسمية عمدًا، أما من تركها نسيانًا أو جهلًا فلا يشمله الحكم.
3- حديث: (ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوا) فيه أن التذكية، أي(إراقة الدم بالطريقة الشرعية) شرط لحل الذبيحة،
وأما التسمية فليست شرطًًا فى هذا الحديث، وإنما تُستحب التسمية بقرينة حديث: (سموا عليه انتم وكلوا)، وذلك حين شك الصحابة في حصول التسمية من أهل الكتاب.
4- وعليه، فالصحيح أن النهي عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه يُراد به ما ذُبح لغير الله، أو ما ذُكر عليه اسم غيره، كالأصنام أو الآلهة أو المسيح ونحو ذلك.
خلاصة الحكم الشرعي:
● التسمية عند الذبح واجبة في الأصل، لكن:
من تركها عمدًا: لا تحل ذبيحته.
من نسيها: ذبيحته حلال وصحيحة ولا شيء عليه.
● وهذا هو القول الراجح، لدلالة النصوص، وعمل الصحابة، وقاعدة رفع الحرج في الشريعة.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق