✅ في كل عام، ومع اقتراب أيام عشر ذي الحجة، يتكرر السؤال: هل يحرم على من نوى الأضحية أن يحلق شعره أو يقص أظافره؟
وقد وقع خلاف بين العلماء في هذه المسألة، فمنهم من قال بالتحريم، ومنهم من قال بالكراهة، وهو القول الراجح عند كثير من أهل العلم بإذن الله تعالى.
✅ في هذا المنشور نعرض أدلة من قال بتحريم حلق الشعر للمضحي مع الردود العلمية عليها، بطريقة مختصرة وواضحة.
القول بالتحريم في حلق الشعر للمضحي وأدلته.
● ذهب بعض العلماء إلى أنه يحرم على من نوى الأضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا إذا دخلت عشر ذي الحجة حتى يذبح أضحيته.
✅ واستدلوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئًا».
لكن هذا القول محل نظر عند طائفة من أهل العلم، وقد نوقشت أدلته بأجوبة قوية.
الرد على أدلة القول بالتحريم.
1- الإستدلال بفعل الصحابة رضي الله عنهم.
استدلوا بترك بعض الصحابة للأخذ من الشعر في العشر.
✔ الرد: يُحمل فعلهم على الندب, لا على الوجوب, كما حُمِل حديث أم سلمة, وليس في نصهم ما يدل على أنهم كانوا يتركون الأخذ وجوباً.
2- الإستدلال بكلام ابن قدامة في أثر عائشة رضي الله عنها.
حيث ذكر أن عائشة كانت تعلم ظاهراً ما يباشرها به إلى آخر كلامه.
✔ الرد: إن ترك قص الشعر, وقلم الظفر في العشر مما لا يخفى على الأجانب, فضلاً عن أهل البيت, لما يحدث في شعر الوجه والشارب والأظفار من الطول الظاهر.
◄ فلا نسلم أنها لم تُرِدْه بخبرها, أو أن إرادتها إياه احتمال بعيد, وإنما البعيد عدم إرادتها إياه؛ لما قلنا.
3- دعوى تقديم حديث أم سلمة على حديث عائشة.
قالوا: إن حديث أم سلمة خاص فيُقدّم.
✔ الرد: إن هذا هو عين النزاع, فإن العامَّ المتَّفق عليه بالقبول, مقدَّم على الخاص المختلَف في قبوله.
◄ لا سيما وحديث عائشة متواتر, وحديث أم سلمة من أخبار الآحاد, وقد اختلف الرواة في رفعه ووقفه, وقال الليث: جاء هذ الحديث والناس على خلافه.
4- التفريق بين الهدي والأضحية.
فرّقوا بين من بعث بالهدي ومن أراد الأضحية، وأن هذا له وهذا له وجه.
✔ الرد: إن رسول الله كان يريد التضحية مع بعثه بالهدي, لأنه لم يترك التضحية أصلاً, ومع ذلك لم يترك الأخذ من شعره, على ما في حديث عائشة,
فدلَّ على أن إرادة التضحية لا تحرِّم ذلك. وهذه لفتةٌ مهمة جداً في محل النزاع.
5- الاستدلال بكلام ابن حزم.
على أثر سعيد بن المسيب, وما ذكره من احتمالات, وأنه لا حجة في قوله.. إلى آخر كلامه, وأن القياس باطل.
✔ الرد: إن سعيد بن المسيب هو أعرف بمعنى حديث رسول الله, ولم يكن التابعون ليتركوا شيئاً صحَّ عن رسول الله عندهم بآرائهم,
◄ فثبت أن حديث أم سلمة لم يكن عند راويه على الوجوب, وكذا عند عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما.
✅ وما ذكروه عن سعيد بن المسيب- فيما رواه عنه مسلم: أنه كان يكره أو ينهى عن أخذ الشعر...,
فيُجاب عن هذا: من باب المقابلة, بما أجابوا به هم عما روي عنه من إجازته ذلك, بأنه لا حجة في قوله.
◄ وأيضاً فما رووه عنه من مَنْعِه: معارَضٌ بما روي عنه من الإباحة, فتتساقط الروايتان.
6- حمل أثر سعيد على شعر الرأس فقط.
حملوا جواز الإطلاء عند سعيد بن المسيب على شعر الرأس.
✔ الرد: إن حديث مسلم يردُّ هذا الاحتمال, ففيه: (فلا يمس من شعره وبَشَره), وهو يعمُّ شعر البدن كله، فلا يصح تخصيصه بلا دليل.
◄ فيَبْعد عن سعيد أن يتأوَّل في الإطلاء: أنه بخلاف حكم سائر الشعر.
7- حمل أثر سعيد على عشر غير ذي الحجة.
قالوا: بأن المراد من أثر سعيد: عَشْر المُحرَّم.
✔ الرد: إن هذا أضعف من نسج العنكبوت, فهل كان أحدٌ يتوقف عن مسّ الشعر في غير عشر ذي الحجة,
◄ ومن أين لابن حزم أن يحمله على عَشْر المُحرَّم, أو عَشْر رمضان تحكّماً من غير دليل.
★ قال العلامة المُنَاوي في "فيض القدير"- عند شرحه لحديث أم سلمة رضي الله عنها: (إذا دخل العشر): أي عشر ذي الحجة, واللام للعهد, كأنه لا عشر إلا هو. انتهى.
8- تقديم القول على الفعل.
قالوا: بأن عائشة تخبر عن فعله, وأم سلمة عن قوله, والقول يقدّم على الفعل, لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به.
✔ الرد: إن مسألة الراجح في تعارض القول والفعل مسألة اجتهادية ظنية طويلة الذيل, قد اختلف فيها علماء أصول الفقه,
ولهم كلام طويل في أيهما يقدم, ولكلٍّ وجهةٍ هو موليها, وبخاصة أن حديث عائشة رضي الله عنها متأخر جداً,
حيث كان في آخر السنة التاسعة حين حج بالناس أبو بكر الصديق, في حين أن مشروعية الأضحية كانت في السنة الثانية, وحديث أم سلمة يتصل ويتعلق بالأضحية.
◄ مما يجعل الاحتمال كبيراً لتأخر حديث عائشة عن حديث أم سلمة رضي الله عنهما, وهذا يقوِّي الأخذ بما ظاهره التأخر.
9- دعوى أن النهي أقوى من النفي.
قالوا: بأن حديث أم سلمة رضي الله عنها فيه نهي, وحديث عائشة رضي الله عنها فيه نفي, فلا يعارض صريح النهي.
✔ الرد: إن حديث عائشة رضي الله عنها يتضمن ردّ النهي الوارد في حديث أم سلمة.
◄ وذلك بما تحكيه عن حال النبي في أواخر عهده في آخر السنة التاسعة (الفعل العملي للنبي ﷺ يبين عدم التحريم),
وهي رضي الله عنها من أعلم الناس بأحوال النبي ﷺ. انتهى.
مستفاد من كتاب "إعلاء السنن" للتهانوي.
الخلاصة في حكم حلق الشعر للمضحي:
● الراجح عند كثير من أهل العلم أن حلق الشعر للمضحي وقص الأظافر ليس حرامًا، وإنما هو محمول على الكراهة أو الاستحباب، لا على التحريم.
● وعليه: من أخذ من شعره أو أظفاره في عشر ذي الحجة لا إثم عليه إن شاء الله.
والله اعلم

تعليقات
إرسال تعليق