✅ يُعد فهم حديث "ما رأيت رسول الله صائماً في العشر قط" الوارد عن السيدة عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم- من المسائل المهمة في باب صيام عشر ذي الحجة؛
إذ قد يُفهم من ظاهره كراهية أو عدم مشروعية الصيام فيها، بينما اتفق العلماء على أن صيامها مستحب، بل من أفضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة.
هل يدل حديث "ما رأيت رسول الله صائماً في العشر قط" على كراهة صيام العشر؟
ج: لا، لا يدل هذا الحديث على كراهة صيام عشر ذي الحجة، بل ليس على ظاهره، وقد بيّن العلماء ذلك من خلال الجمع بينه وبين النصوص الأخرى الدالة على فضل العمل في هذه الأيام.
وذلك من خلال عدة توجيهات:
1- تقديم القول على الفعل عند التعارض.
▣ فقد وردت روايات أخرى تدل على صيام النبي ﷺ في العشر من ذي الحجة، ومن ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
أن النبي ﷺ قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر. (رواه البخاري).
◄ فيُقدَّم هذا الحديث على حديث عائشة؛ لأن القول يُقدَّم على الفعل عند التعارض، وحديث ابن عباس من قبيل القول، أما حديث عائشة فمن قبيل الفعل (نفي رؤية الفعل).
2- المثبت مقدم على النافي.
إذا تعارض حديثان:
● أحدهما يُثبت (كحديث حفصة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ لم يكن يترك صيامها).
● والآخر ينفي (كحديث عائشة رضي الله عنها).
◄ فإن المثبت يُقدَّم على النافي؛ لأنه يتضمن زيادة علم، وهذا ما قرره الإمام أحمد رحمه الله.
3- من علم حجة على من لم يعلم.
✅ قول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت" هو إخبار بما علمت، وقد يخالفها غيرها ممن علم ما لم تعلم.
4- ترك النبي ﷺ للعمل لا يدل على عدم استحبابه.
قد يترك النبي ﷺ بعض الأعمال مع محبته لها، لا لعدم مشروعيتها، بل لأسباب، منها:
● خشية أن تُفرض على الأمة (كما في تركه صلاة التراويح جماعة).
● أو تيسيرًا ورفعًا للحرج.
✅ فقد ثبت في الصحيحين- عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها،
وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به؛ خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم".
◄ فهذا يدل على أن تركه ﷺ لبعض الأعمال لا يعني عدم استحبابها.
◄ كما دلَّ حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الوارد في صحيح البخاري، على فضل العمل الصالح في أيام العشر عمومًا، وصيامها داخل في هذا العموم، فهو من أفضل الأعمال.
✔ وعليه، فإن صيام عشر ذي الحجة مستحب، ولا يُفهم من حديث عائشة رضي الله عنها كراهته، وإنما يُحمل على غير ظاهره، باستثناء يوم العيد الذي يُنهى عن صيامه.
كلام العلماء في تفسير حديث"ما رأيت رسول الله صائماً في العشر قط".
★ قال الإِمام النووي -رحمه الله- في "شرحه" (8/ 71):
قال العلماء: وهذا ممّا يتأول؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة؛ بل هي مُستحبّة استحباباً شديداً؛ لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة....
قال: " فيتأول قولها لم يصم العشر؛ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر،
ويدل على هذا التأويل: حديث هُنَيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ - قالت: كان رسول الله ﷺ- يصوم تسع ذي الحجة...". انظر:"شرح النووي" (8/ 50).
★ قال الشيخ الألباني رحمه الله :
... الجواب من القواعد الأصولية: " القول مقدم على الفعل ".
مثاله: .. قد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي ﷺ قال:
(أفضل الصيام صيام داوود عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)...
فأفضل الصيام هو صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ترى هل كان رسول الله ﷺ يصوم هكذا، يصوم يوماً ويفطر يوماً؟
الجواب: لا، يعني هذا الصيام الأفضل الذي نص عليه الرسول ﷺ في قوله: لم ينقل مطلقاً أن الرسول ﷺ كان عمله يجري عليه بل ثبت عن السيدة عائشة نفسها خلاف ذلك،
فقد قالت السيدة عائشة: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ صائماً إلا رأيناه صائماً وما كنا نشاء أن نراه مفطراً إلا رأيناه مفطراً)
إذن لم يكن الرسول عليه السلام منهاج وخطة عملية في الصيام، لم هذا وهو يقول:(أفضل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)؟
لأنه كان لا يتيسر للرسول عليه السلام هذا النهج في الصيام أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، لأنه كان بالإضافة إلى صفة النبوة فقد كان رجل دولة،...
إذن أفضل الصيام بشهادة قول الرسول ﷺ صوم يوم وإفطار يوم، لكن هو ما كان يفعل ذلك بل كان يفعل خلاف ذلك، فأيهما المقدم القول أم الفعل؟
القول مقدم على الفعل، ولهذا أمثلة كثيرة... انتهى باختصار من (شرح كتاب الأدب المفرد-(166)).
★ قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
... أنا أريد أن أعطيك قاعدة: إذا جاءت السنة في اللفظ فخذ بما دل عليه اللفظ، أما العمل فليس في الشرط أن نعلم أن الرسول فعله أو فعله الصحابة ،
ولو أننا قلنا: لا نعمل بالدليل إلا إذا علمنا أن الصحابة عملوا به، لفات علينا كثير من العبادات،
ولكن أمامنا لفظ وهو حجة بالغة واصل إلينا، يجب علينا أن نعمل بمدلوله، سواء علمنا أن الناس عملوا به فيما سبق، أم لم يعملوا به. انظر:" لقاء الباب المفتوح " (92 /12).
خلاصة المنشور:
✔ حديث عائشة رضي الله عنها لا يدل على كراهة صيام العشر، بل يُحمل على غير ظاهره.
✔ صيام عشر ذي الحجة داخل في فضل العمل الصالح الوارد في النصوص.
✔ يُجمع بين الأحاديث ويُقدَّم المثبت على النافي عند التعارض.
✔ ترك النبي ﷺ لبعض الأعمال لا يدل على عدم استحبابها، فيبقى الصيام مستحبًا ما عدا يوم العيد.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق