القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

حكم صوم من رأى هلال رمضان وحده


 من رأى هلال رمضان وحده أو هلال الفطر وحده فشهد ولم تقبل شهادته فلا يصوم وحده ولا يفطر وحده ولكن يصوم مع الناس إذا صاموا ويُفطِر مع النَّاس إذا فطروا ولا يبني على رؤيته .

 لأن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل وليس لهم التفرُّد فيها بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة .

والدليل :

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون . ((صحيح الترمذي)) (697) لأن الهلال هو ما هل واشتهر بين الناس لا ما رئي .

2- وعن مسروق قال : " دخلت على عائشة يوم عرفة فقالت : اسقوا مسروقاً سويقاً وأكثروا حلواه. قال : فقلت : إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر فقالت عائشة : النحر يوم ينحر الناسوالفطر يوم يفطر الناس ". السلسلة الصحيحة رقم: (1/442)

فهنا بيّنت له أم المؤمنين أنه لا عبرة برأيه وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت : النحر يوم ينحر الناس والفطر يوم يفطر الناس .

وقال أبو الحسن السندي في "حاشيته على ابن ماجه" - بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: 

والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة.

وعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك ". انتهى

قال الشوكانى رحمه الله :

أن المعتبر في الصيام أو الإفطار هو الذي يثبت عند الناس، والشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته، لا يكون هذا صوما له، كما لم يكن للناس .اه (((نيل الأوطار)) للشوكاني (3/370)).

وقال الصنعاني :

 فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية ("سبل السلام" (2/ 72))

وقال ابنُ تيمية رحمه الله :

والثالثُ - أي من الأقوال : يصومُ مع النَّاسِ ويُفطِرُ مع النَّاسِ، وهذا أظهَرُ الأقوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صومكم يوم تصومون ، وفطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحون ) رواه الترمذي وقال : حسن غريب . ورواه أبو داود وابن ماجه وذكر الفطر والأضحى فقط . ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الصوم يوم تصومون ، والفطر يوم تفطرون ، والأضحى يوم تضحون ) قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب قال : وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال : إنما معنى هذا : الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.

 وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى علق أحكاما شرعية بمسمى الهلال والشهر كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } } البقرة: 189]، فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج، قال تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ} [البقرة: 183] إلى قوله : {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ} [البقرة: 185] أنه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين، 

لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء وإن لم يعلم به الناس وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر بينهم؟ على قولين : والصحيح أن شرط كونه هلالا وشهرا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين وهذا معنى قوله : "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون"، ولهذا قال أحمد في روايته : يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم، قال أحمد : يد الله على الجماعة.

وعلى هذا تفترق أحكام الشهر : هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم أو ليس شهرا في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى : {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وصوموا من الوضح إلى الوضح ". ونحو ذلك خطاب للجماعة،

لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه فإنه ليس هناك غيره، وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رئي في مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه إنما صار شهرا في حقهم من حين ظهر واشتهر. ومن حينئذ وجب الإمساك كأهل عاشوراء الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث القضاء ضعيف .اه (((مجموع الفتاوى (25/114)).

قال الشيخ الألبانى رحمه الله بعد حديث عائشة المتقدم :

 وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صوابا في وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعبيد وصلاة الجماعة، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر، فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء،

ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الإعتداد بالرأي المخالف لرأى الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كمنى، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقا في ذلك المجتمع فرارا مما قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه، فروى أبو داود «١/ ٣٠٧» أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربعا، فقال عبد الله بن مسعود منكرا عليه : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرا من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، ثم إن ابن مسعود صلى أربعا! فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا؟ ! قال : الخلاف شر. وسنده صحيح. وروى أحمد «٥/ ١٥٥» نحو هذا عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين.

فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان، بحجة كونهم على خلاف مذهبهم! وبعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك، ممن يصوم ويفطر وحده متقدما أو متأخرا عن جماعة المسلمين، معتدا برأيه وعلمه، غير مبال بالخروج عنهم، فليتأمل هؤلاء جميعا فيما ذكرناه من العلم، لعلهم يجدون شفاء لما في نفوسهم من جهل وغرور، فيكونوا صفا واحدا مع إخوانهم المسلمين فإن يد الله مع الجماعة . انتهى من (السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥))

وقال أيضا رحمه الله :

الرؤية الشخصية الفردية لا وزن لها ولا قيمة في الشريعة الإسلامية ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس ) ، لذلك كون شخص رأى ، والناس مفطرون ، لا يصوم ولو أنه رأى الهلال ، لأنه ينبغي أن ينضم إلى الجماعة و لا يفارقهم ولا يخالفهم ، ومعلوم لدى الجميع قوله عليه السلام : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ولاشك أن هذه المسألة ليست من الأمور الفردية التي يُكلف فيها المسلم كالصلاة مثلاً بإمكانك أن تصلي في بيتك أو في حانوتك أو في معملك ... إلخ ، 

لكن ليس لك أن تصوم لرؤيتك ، وإنما عليك أن تصوم مع أهل البلد التي أنت تعيش فيها ، فإذا صام أهل البلد صمت معهم ، وإذا أفطروا أفطرت معهم ...إلى أن قال أهل البلد الواحد باستطاعتهم أن الدولة إذا أعلنت الصيام يوم كذا ، صام الشعب كله ، ولو كان هذا الإعلان غير شرعي ، أي غير ثابت شرعًا ، لأن الأمر بيد الدولة ، وليس بيد فرد من الأفراد ، كالحدود الشرعية ، لو تولى إقامتها الأفراد لظهر الفساد في البر والبحر ، فالدول الآن أكثرها لا تُقيم الحدود فهل يتولى الأفراد إقامة الحدود ؟ إذا واحد قتل آخر ، يقوم مثلاً أقاربه بقتل القاتل ، فيزيد الفساد في الأرض ، لذلك فالصوم لأهل البلد ، يكون جميعًا ، يصومون أو يفطرون ، ولا يجوز أن ينقسموا .اه (سلسلة الهدى والنور-(403))

وقال الشيخ ابنُ باز رحمه الله : 

وإذا رأى الهلالَ شَخصٌ واحِدٌ ولم تُقبَلْ شهادَتُه لم يصُمْ وَحدَه ولم يُفطِرْ وحدَه في أصحِّ قَولَيِ العُلَماءِ بل عليه أن يصومَ مع النَّاسِ ويُفطِرَ مع النَّاسِ .اه ((مجموع فتاوى ابن باز)) (15/64).

كما أن المعتمد في إثبات دخول شهر رمضان

 هو رؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما في حال عدم رؤيته سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة، وهذا ما دلت عليه السنة الصحيحة ، وأجمع عليه أهل العلم ، فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ) وفي رواية (فإن غمِّي عليكم) . رواه البخاري (1909) ومسلم (1081) 

ولا عبرة بالحساب الفلكي 

 لأن الأصل في الرؤية أن تكون بالعين المجردة كما جاء فى صحيح البخارى ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا)). يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين 

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين إذا كان هناك غيم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء الفلك، وقد جرى العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولو كان قولهم هو الأصل وحده، أو أصلا آخر مع الرؤية في إثبات الشهر؛ لبين ذلك، فلما لم ينقل ذلك، بل نقل ما يخالفه، دل على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة .

 لكن لو رؤي الهلال بالآلات الحديثة ( المنظار ) فإنه يعمل بهذه الرؤية.

قال الشيخ بن باز رحمه الله :

" ظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بالتماس الهلال بهذه الآلات بل تكفي رؤية العين . ولكن من طالع الهلال بها وجزم بأنه رآه بواسطتها بعد غروب الشمس وهو مسلم عدل فلا أعلم مانعاً من العمل برؤيته الهلال ، لأنها من رؤية العين لا من الحساب ". انتهى. ("مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (15/68، 69)) .


والله اعلم

هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات