">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع هل


يعد موضوع إفطار الصائم بسبب الحجامة من القضايا الفقهية التي أثارت جدلاً بين العلماء، وذلك بناءً على حديث النبي ﷺ الذي قال فيه : "أفطر الحاجم والمحجوم".


 فما هو موقف العلماء من هذا الحديث؟ وهل هو حديث منسوخ أم لا؟


▣▣ حديث : "أفطر الحاجم والمحجوم": نصه ودلالته:


- عن شدّاد بن أوس : أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أتَى علَى رجلٍ بالبقيعِ وَهوَ يحتجمُ وَهوَ آخذٌ بيدي لثمانِ عشرةَ خلَت مِن رمضانَ فقالَ أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ. (صحيح أبي داود-رقم: (2369)).


▣ هذا الحديث يدل على أن الحجامة تُفطر الصائم، سواء كان الحاجم أو المحجوم.


▣▣ هل نُسخ حديث : "أفطر الحاجم والمحجوم"؟

اختلف العلماء في حكم هذا الحديث، فمنهم من قال إنه منسوخ، ومنهم من قال إنه مُحكم.

والأرجح عند جمهور العلماء أن الحديث منسوخ، وذلك لوجود أدلة أخرى تُبيح الحجامة في الصيام. 

▣▣ أدلة النسخ من الأحاديث الصحيحة:

هناك ثلاثة أحاديث رئيسية يعتمد عليها العلماء في القول بنسخ حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"، وهي:

1- حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ النبيَّ  احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجَمَ وهو صَائِمٌ. (رواه البخاري (1938) واللفظ له).

▣ وجه الدلالة على النسخ :

أن حديث ابن عباس متأخر زمنيًا عن حديث شداد بن أوس، لأن ابن عباس صَحِب النبيَّ  عامَ حجِّه مُحْرِمًا في حجَّة الوداع سنةَ عشرٍ مِنَ الهجرة، ولم يصحبه مُحْرِمًا قبل ذلك، 

أمَّا حديثُ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما فكان سنةَ ثمانٍ بلا شكٍّ، وهو عامُ الفتح؛

فحديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بعد حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ رضي الله عنهما بسنتين وزيادةٍانظر: («اختلاف الحديث» للشافعي (١٤٤)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٤)،).

 وبما أن الحديث المتأخر يرفع حكم الحديث السابق، فإن حديث ابن عباس مُحكم وناسخ لحديث شداد بن أوس"أفطر الحاجم والمحجوم".

2-  ويشهد للنسخ حديثُ أنس : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أول ما كرهت الحجامة للصائم ، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي ﷺ فقال : أفطر هذان ، 

ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم ، وكان أنس يحتجم وهو صائم. [صححه الألباني في "الإرواء" (4/ 73)].

▣ وجه الدلالة على النسخ :

الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فيكون الحديث نصاً في النسخ فوجب العمل به لمجيئها بعد النهى، مما يدل على نسخ حديث "أفطر الحاجم والمحجوم".

3-  ويشهد للنسخ أيضا الرخصة فى حديث : أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : رخص رسول الله في القبلة للصائم والحجامة. [صححه الألباني في "الإرواء"(4/74)].

▣ وهذا الحديث له حكم الرفع فهو مما ليس للرأي فيه مجال .

▣▣ موقف العلماء من نسخ حديث : "أفطر الحاجم والمحجوم":

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

 وسماع شداد بن أوس عن رسول الله عام الفتح ، ولم يكن يومئذ محرما ، ولم يصحبه محرم قبل حجة الإسلام ، فذكر ابن عباس حجامة النبي عام حجة الإسلام سنة عشر ،

وحديث " أفطر الحاجم والمحجوم " في الفتح سنة ثمان قبل حجة الإسلام بسنتين ،

فإن كانا ثابتين ، فحديث "ابن عباس" ناسخ ، وحديث "إفطار الحاجم والمحجوم" منسوخ. ينظر: ["الأم"(2/119)].

- وقال الإمام ابن حزم رحمه الله :

 صح حديث : "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، ولكن وجدنا من حديث أبي سعيد"أرخص النبي  في الحجامة للصائم". وإسناده صحيح، 

فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجما أو محجوما،

ولفظة "أرخص" لا تكون إلا بعد نهي ؛ فصح بهذا الخبر نسخ الخبر الأول. ينظر: ["المحلى"(6/204)].

وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله :

 والقول عندي في هذه الأحاديث : أن حديث ابن عباس : "أن رسول الله ﷺ احتجم صائماً محرماً" ، ناسخ لقوله : "أفطر الحاجم والمحجوم"،

لأن في حديث شداد بن أوس وغيره : أن رسول الله ﷺ مرَّ عام الفتح على رجل يحتجم لثماني عشر ليلة خلت من رمضان فقال : "أفطر الحاجم والمحجوم"،

فابن عباس شهد معه حجة الوداع وشهد حجامته يومئذ محرم صائم، فإذا كانت حجامته ﷺ عام حجة الوداع،

فهي ناسخة لا محالة ، لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول ،

وإنما وجه النظر والقياس في ذلك : بأن الأحاديث متعارضة متدافعة في إفساد صوم من احتجم فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها، 

والأصل أن الصائم لا يقضى بأنه مفطر إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض له.

ووجه آخر من القياس وهو: ما قاله ابن عباس : الفطر مما دخل لا مما خرج. ينظر: ["الاستذكار" (10/125-126)].

وقال العلامة الألباني رحمه الله :

 فائدة : حديث أنس هذا صريح في نسخ الأحاديث المتقدمة: ( أفطر الحاجم والمحجوم ). ["الإرواء " (4/73)] .

ثم قال رحمه الله بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري- قال : "رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم والحجامة".

قلت (الألباني): فالحديث بهذه الطرق صحيح لا شك فيه، وهو نص في النسخ فوجب الأخذ به، كما سبق عن ابن حزم رحمه الله. ينظر: [ـ"الإرواء" (4/75)].

- وقال أيضا رحمه الله :

.. قال ابن أبي شيبة ( 2 / 163 / 1 ) : وكيع عن الاعمش عن أبي ظبيان:  عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال : ( الفطر مما دخل وليس مما يخرج ) .

قلت : وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين وأبو ظبيان اسمه حصين بن جندب الجنبي الكوفي .

فهذا نص صريح على أن ابن عباس يرى أن الحجامة لا تفطر فرأيه موافق لروايته.. فلو كان ما رواه منسوخا لم يخف ذلك عليه إن شاء الله تعالى.. ينظر: (إرواء الغليل تحت حديث رقم (931)).

▣▣ خلاصة القول :

حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" حديث صحيح لكنه منسوخ، 

بدلالة الأحاديث الصحيحة التي جاءت بعده، ومنها حديث ابن عباس، وحديث أنس، وحديث أبي سعيد الخدري.

الحجامة والتبرع بالدم لا يفطران الصائم، وفقًا لرأي جمهور العلماء.

يُكره للصائم أن يحتجم إذا كان ذلك سيؤدي إلى ضعفه ويؤثر على قدرته على الصيام.

قاعدة النسخ واضحة في هذه المسألة، حيث إن الأحاديث اللاحقة رفعت الحكم السابق الذي كان يمنع الحجامة للصائم.


والله اعلم

 ما رأيك في هذا الموضوع؟ شاركنا رأيك في التعليقات!.

اقرأ أيضا :


هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات