صلاة التهجد من العبادات العظيمة التي يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى، خاصة في ليالي رمضان المباركة.
▣ ولكن هل يجوز أداء صلاة التهجد جماعة في المسجد؟ وما حكم الشرع في ذلك؟
▣ في هذا المنشور، سنستعرض الأدلة الشرعية وآراء العلماء التي تؤكد أن صلاة التهجد جماعة في المسجد بدعة.
▣▣ حكم صلاة التهجد جماعة في المسجد؟
أداء صلاة التهجد جماعة في المسجد يُعد بدعة،
وذلك إذا إذا صلى الناس التراويح جماعة بعد العشاء في المسجد، ثم انصرفوا إلى بيوتهم ليعودوا آخر الليل فيصلوا التهجد جماعة.
◄ هذا الفعل، بهذه الهيئة بدعة لا أصل له في الشرع، لأن كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله،
فمن أحدث شيئا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وليس من الدين في شيء.
▣ وهو قول الإمام سفيان الثوري وابن رجب. وكره ذلك : أنس بن مالك والحسن البصري وسعيد ابن جبير وقتادة وابن ملجز. ينظر: (فتح الباري-لابن رجب [6/ 258]).
▣▣ لماذا تقسيم صلاة الليل جماعة مرتين في ليلة واحدة بدعة؟
من البدع التي انتشرت في كثير من المساجد في العشر الأواخر من رمضان : تقسيم صلاة الليل جماعة في المسجد إلى صلاة التراويح في أول الليل، وصلاة التهجد في آخر الليل، وذلك لأمور منها:
▣ عدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ : لم يرد عن النبي ﷺ أنه قسم صلاة الليل جماعة في رمضان إلى قسمين، لذلك هذا الفعل بهذه الكيفية مخالف للسنة.
▣ عدم فعل الصحابة : الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
◄وإنما كانوا في رمضان يؤدون صلاة قيام الليل جماعة بعد العشاء، طوال الشهر، دون تمييز بين أوله وآخره، ولم يُثبت عنهم أنهم اجتمعوا لأداء القيام في آخر الليل جماعة.
◄ لذا، فإن القيام بها على هذا النحو يُعد بدعة لا أصل لها في الشرع، وهي مردودة على من يفعلها.
** قال الإمام ابن كثير رحمه الله : وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة : هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه. ينظر: " تفسير ابن كثير" (7/278).
▣▣ متى تكون صلاة التهجد جماعة في المسجد جائزة؟
▣ الجواب : إذا كان هناك إمام مسجد وجماعة المسجد لم يصلوا التراويح في أول الليل بعد صلاة العشاء،
ثم اتفقوا على أن يؤخروا صلاة القيام (التراويح) إلى آخر الليل، بحيث تكون مرة واحدة (دون تقسيم)، فهذا الفعل جائز.
◄ وذلك لأن آخر الليل هو الوقت الفاضل للصلاة الذي أشار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو لا يريد أن يقول أكثر من ذلك، بقوله:
"والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل". (صحيح البخاري)، أي أن الصلاة في آخر الليل أفضل لمن يستطيع ذلك. ينظر: (سلسلة الهدى والنور-للألباني- شريط 723 ).
▣▣ الأدلة الشرعية على بدعية صلاة التهجد جماعة:
1- أن صلاة النبي ﷺ بالناس فى قيام رمضان كانت فى أول الليل.
- فعن أبي ذر ، قال : ..لم يقم بنا النبي ﷺ حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا ، حتى ذهب نحو من ثلث الليل،
ثم كانت سادسة ، فلم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل.
فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة. قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة...(صحيح النسائي- رقم: (1363).
▣ دل الحديث : على عدم مشروعية التعقيب، فإن الصحابة رضي الله عنهم لحرصهم على كثرة الخير، طلبوا منه ﷺ أن يصلي بهم بقية الليل فلم يفعل،
ولم يرشدهم إلى التعقيب أو التهجد كما هو معروف اليوم، بل قال لهم (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة).
▣ دل الحديث : على أن النبي ﷺ ، قام أول الليل فقوله : " قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل " واضح في أنه صلى قبل شطر الليل وهو ثلث الليل الأول،
وهذه الرواية صريحة في أنه قام في العشر الأواخر أول الليل على خلاف صنيع الناس اليوم، فمن أراد تحري سنة النبي ﷺ فلينوع في طول القيام في هذه الليالي.
◄ ومن زعم أن النبي ﷺ كان يقوم الليل كله استدلالاً بحديث: [ أحيا ليله كله ] فهو : إما أن يحمل على قيام معظم الليل، لقوله ﷺ عن نفسه [ وأصلي وأرقد ]. رواه البخاري ، أو أن يُحمل على حاله في الإنفراد.
2 - أن الصحابة عملهم على القيام أول الليل طوال الشهر دون تخصيص العشر بشيء من التأخير.
- فعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط،
فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم،
قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. (صحيح البخاري).
▣ تأمل قوله : " وكان الناس يقومون أوله ". فدل على أن فعل الصحابة الراتب هو القيام في أول الليل سواءً في العشر الأخيرة أو غيرها،
وما كان يقوم آخر الليل إلا المنفرد وما ثبت عنهم أنهم قاموا آخر الليل جماعة.
3 - عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال : أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري رضي الله عنهم أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال:
وقد « كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر». (صحيح). ينظر: (إرواء الغليل- للألباني-رقم : (2/192)) و (تخريج شرح السنة- للأرناؤوط-رقم : 4/120).
▣ فتأمل قوله : "وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر". فهذا صريح أنهم كانوا فى رمضان يصلون بعد العشاء قيام الليل فى جماعة مرة واحدة طوال شهر رمضان،
وما كانوا يخرجون من المسجد إلا بعد الإنتهاء من الركعات الثلاثة عشر قرب أوان الفجر، وذلك لطول القيام دون تفريق بين أول الشهر وآخره .
4 - وعن عبد الله بن أبي بكر قال: ( سمعت أبي يقول : كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور. وفي أخرى مخافة الفجر).
(رواه مالك بسند صحيح -تخريج مشكاة المصابيح- للألباني (1/408)).
5 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أنه سئل عن التعقيب في رمضان فأمرهم أن يصلوا في البيوت. (إسناده جيد). ينظر:"كتاب غريب الحديث- للخطابي".
◄ ومما يزيد الأثر قوة وصحة: أن تلميذي أنس بن مالك رضي الله عنه قتادة والحسن ثبت عنهما الكراهة، وهما أعرف بقول أنس من دونهما، ولا شك أن قولهما هو قول شيخهما صاحب رسول الله.
▣ فجاء عن الحسن البصري رحمه الله : أنه كره التَّعْقِيْب في شهر رمضان وقال : ( لا تملوا الناس). المصنف لابن أبي شيبة(2/176).
▣ وجاء أيضاً عن سعيد وقتادة رحمهما الله : أنهما كانا يكرهان التَّعْقِيْب في رمضان. المصنف لابن أبي شيبة(2/176).
6 - من أقوى الحجج في إبطال دعوى مشروعية صلاة التهجد جماعة في رمضان :
◄ أن النبي ﷺ اعتكف في العشر الأواخر واعتكف معه الصحابة، ولم يثبت أنه جمع بهم بما يسمى التهجد أو القيام الثاني أو التعقيب، وكذلك الخلفاء الراشدين من بعده لم يثبت عنهم ذلك،
◄ وكذلك الصحابة اعتكفوا بعد النبي ﷺ ولا سيما العلماء منهم، ولم يثبت أنهم فعلوا ذلك والخير كل الخير في اتباعهم.
7 - أن التعقيب فيه مخالفة، لقوله ﷺ (حتى ينصرف)، لأن المعقب انصرف مرتين مرة في أول الليل، ومرة في آخره، فأي الإنصرافين يعتد به الأول أم الثاني؟!.
▣▣ أقوال أهل العلم في بدعية صلاة التهجد جماعة :
▣ ذكر المروزي في "قيام الليل":
عن عمران بن حدير رحمه الله : أرسلت إلى الحسن رحمه الله فسألته عن صلاة العشاء في رمضان أنصلي ،
ثم نرجع إلى بيوتنا فننام ثم نعود بعد ذلك ؟ فأبى. قال : لا ، صلاة العشاء ثم القيام. انتهى.
◄ فهنا نص الإمام الحسن البصرى على أن القيام كان بعد العشاء وقبل النوم، وهذا فعل السلف قاطبةً خلافاً للناس اليوم في العشر الأواخر.
▣ قال أبو داود في (مسائل أحمد) (ص (62) :
سمعتُ أحمد - الإمام أحمد بن حنبل - قيل له : يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده ؟! قال : يصلي مع الناس.
وسمعته أيضًا يقول : يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه ؛ قال النبي ﷺ : " إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له بقية ليلته " ،
قال أبو داود : " قيل لأحمد وأنا أسمع : يؤخِّر القيام - يعني التراويح إلى آخر الليل؟ قال : لا ، سنة المسلمين أحب إليَّ. انتهى.
◄ فهذا تنصيص من الإمام أحمد على أن سنة المسلمين في القرون الفاضلة تقديم القيام أول الليل.
▣ وجاء في "مجمع الأنهر من كتب الحنفية" :
والمستحب فعلها إلى ثلث الليل، وقيل بعد العشاء قبل الوتر وهو قول عامة المشايخ.
لأنها إنما عرفت بفعل الصحابة، فكان وقتها ما صلوها فيه وهو صلوها بعد العشاء قبل الوتر. اهــ.
◄ فهذا صريحٌ في أنهم يقومون أول الليل، ولكنهم يطيلون حتى يصيبوا الثلث الأخير من الليل.
▣ قال ابن تيمية رحمه الله :
السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخرة كما اتفق على ذلك السلف والأئمة. ينظر: (مجموع الفتاوى [ 23 /119]).
▣ وقال ابن القيم- في بدائع الفوائد [4/918 ] :
... وذلك فعل الصحابة ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها، ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل .
قال القاضي : قلت: ولأن في التأخير تعريضا بأن يفوت كثيرا من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم القيام. انتهى.
◄ فهذا تنصيص من ابن القيم على أن الصحابة قاموا أول الليل ولا تفريق بين أول وآخره.
▣ سئل العلامة الألباني رحمه الله :
ما يحدث الآن يا شيخ في رمضان، في العشر الأواخر يقسمون الصلاة - صلاة القيام - في أول الليل وفي آخره فأصبح هذا نظام دائم.
الشيخ : بدعة
السائل : طيب كيف .. كيف يكون الـ ... يعني لو أردنا أن نقيم السنة ونخفف على الناس فكيف نفعل؟
الشيخ :
تفكرون كما قال عمر : " والتي يؤخرونها أفضل " يعني هو أمر أبي بن كعب أن يقيم صلاة القيام بالناس بعد صلاة العشاء، ففعل،
ولما خرج يتحسس قال : " نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل".
السائل : يعني يبقى الحال على ماهو قبل العشر؟
الشيخ : إي نعم. اهـ.
(الشريط رقم 719 من سلسلة الهدى والنور).
▣▣ خلاصة القول :
▣ صلاة التهجد جماعة في المسجد بعد أداء التراويح جماعة تعد بدعة، لأنها لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة.
▣ السنة في التراويح : أداءها بعد العشاء جماعة فى أول الليل بدون تفريق بين أول الشهر وآخره،
كما فعل النبي ﷺ والصحابة من بعده، ومن أراد أن يقوم آخر الليل فليفعل ذلك منفردًا.
▣ إذا اتفق الإمام والجماعة على تأخير التراويح ليكون كله في آخر الليل، فهذا جائز.
◄ من أراد الإستزادة من الأدلة فعليه بهذا الرابط : https://archive.org/details/Dia2ulMasabe7/mode/2up
والله اعلم
▣ ما هو رأيك في حكم صلاة التهجد جماعة في المسجد؟ شاركنا رأيك في التعليقات أدناه، ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك لتعم الفائدة.
اقرأ أيضا :
تعليقات
إرسال تعليق