الدراسة عند أهل البدع موضوع خطير يحتاج إلى تأصيل شرعي وفهم عميق لموقف الإسلام منه.
* العلماء من أهل السنة والجماعة شددوا على الحذر من تلقي العلم عند أهل البدع، لما له من تأثيرات خطيرة على العقيدة والفكر.
** في هذا الموضوع، سنتناول الحكم الشرعي في هذه المسألة، ونبرز الأضرار التي قد تلحق بالمسلم عند التعلم من أهل البدع.
حكم الدراسة عند أهل البدع؟
لا يجوز الدراسة عند أهل البدع الذين يدعون إلى بدعتهم وذلك سدًا للذرائع وحماية للدين،
قصداً من ذلك عدم تمكين أهل البدع من اكتساب مكانة علمية تجعلهم ينشرون بدعتهم،
أو لحماية العوام من الإغترار بهم والتأثر بأفكارهم المنحرفة، وأيضا لمعاقبة المبتدع بهجره رجاء توبته.
** وخاصة إذا كان المبتدع يتمتع بطلاقة في الكلام وجاذبية في الأسلوب، فلا يجوز الجلوس إليه؛ خشية تأثيره السلبي،
لقول النبي ﷺ: "إن من البيان لسحراً"، مما يعني أن قوة بيانه قد تخدع العقول وتجعلنا نتأثر ببدعته أو نوافق عليها دون وعي.
** وأما من لا يدعو لبدعته منهم : لا يدرس عنده عقيدة ولا تفسير ولا قرآن ولا حديث،
وأما دراسة النحو والصرف والبلاغة فلا بأس بذلك بشرط أن يكون الطالب متمكن فى العقيدة وإلا فلا.
** فيا أيها الطالب، إذا كنت في موقف يسمح لك بالإختيار، فاحرص على عدم تلقي العلم عن أصحاب البدع كالروافض، أو الخوارج، أو المرجئة، أو الأشعرية، أو القبوريين، أو الإخوان وغيرهم،
فإنك لن تصل إلى مكانة العلماء الراسخين، الذين يتميزون بصحة العقيدة وقوة الارتباط بالله، وسلامة الفهم، واتباع المنهج النبوي القويم، إلا بالابتعاد عن المبتدعين وأفكارهم المنحرفة.
ودليل ذلك :
1- قال الله تعالى : "فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره".(النساء-140).
* في هذه الآية : الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/603).
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه -أن رسول الله ﷺ قال:(يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونك). أخرجه من طرق مسلم في ((مقدمة الصحيح)) (7) واللفظ له، وأحمد (8596).
* في هذا الحديث من الفقه تشديد النهي عن الابتداع، والتحذير من أهل البدع، والحض على الاتباع،
وهو ينبه الإنسان ألا يكون في شيء من أمره إلا متبعا لمن يثق بسلامة ناحيته، وكونه ممن يصلح اتباعه على سبيل سنة، وحال رواية. ينظر: ((الإفصاح-لابن هبيرة)) (8/195).
3 - الناظر في تحذير النبي ﷺ من الدجال يجد دليلًا واضحًا في هذا، فقد قال النبي ﷺ : ((مَنْ سَمِعَ منكم بخروجِ الدَّجَّالِ فَلْيَنْأ عنه ما استطاع، فإن الرجلَ يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه؛ لما يرى من الشبهات)). (صحيح أبي داود-رقم: (4319)).
* هذا قول الرسول ﷺ ، وهو الصادق المصدوق ، فالله الله -معشر المسلمين -
لا يحملن أحدا منكم حسن ظنه بنفسه ، وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء ،
فيقول : أداخله لأناظره ، أو لأستخرج منه مذهبه ، فإنهم أشد فتنة من الدجال ، وكلامهم ألصق من الجرب ، وأحرق للقلوب من اللهب ،
ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ، ويسبونهم ، فجالسوهم على سبيل الإنكار ، والرد عليهم ، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ، ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم ". ينظر: (الإبانة-لابن بطة العُكْبَرِيّ(470/2)).
فالإنسان العاقل لا يغتر بقلبه، وعلمه، أو حسن ظنه بنفسه، ويقول : أسلم منهم ومن كلامهم، لا والله، فهذا حال المغرور.
** أبرز أضرار الدراسة عند أهل البدع:
1- تشويه العقيدة:
التعلم عند أهل البدع قد يؤدي إلى إدخال الشبهات في عقيدة المسلم، فأهل البدع يروجون أفكارهم بأسلوب مقنع قد يؤثر على غير المتخصصين،
ومن ذلك : الخليفة المأمون تتلمّذَ على يد البشر المريسي ففتنهُ بفكرة خلق القرآن حتى عذّب النّاس بها.
2- غرس الشبهات في القلب:
الدراسة عند أهل البدع تفتح بابًا لهذه الشبهات التي قد تُفسد الدين.
3- التأثير على منهج التفكير:
أهل البدع قد يقدمون تصورات خاطئة عن النصوص الشرعية ويزرعون في عقول طلابهم أساليب غير صحيحة في فهم الكتاب والسنة، مما يؤدي إلى انحراف الطالب.
4- الإفتتان بالشخصيات المخالفة:
الطلاب الذين يدرسون عند أهل البدع قد ينبهرون بهم وبطريقتهم، فيؤدي ذلك إلى تقليدهم والإعجاب بهم، مما يوقعهم في حبائل البدعة.
5- ضعف الارتباط بالعلماء الثقات:
الانشغال بالدراسة عند أهل البدع قد يبعد الطالب عن أهل العلم المعتبرين، فيخسر توجيههم ونصائحهم التي تعصمه من الوقوع في الأخطاء.
** موقف السلف من الدراسة عند أهل البدع.
- قال الإمام مالكٌ رحمه الله :
لا يؤخذ العلم عن أربعةٍ : سفيهٍ يُعلن السفهَ وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعةٍ يدعو إلى هواه،
ومن يكذب في حديث الناس وإن كنتُ لا أتَّهمه في الحديث، وصالحٌ عابدٌ فاضلٌ إذا كان لا يحفظ ما يحدِّث به. ينظر: (جامع بيان العلم وفضله- لابن عبد البر) و [«سير أعلام النبلاء» للذهبي (7/ 162)].
- قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله ( ت 449هـ)- في صفات أهل السنة والجماعة أنهم:
يبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم،
ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت،
وفيه أنزل الله عز وجل قوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. [الأنعام: 68]. ينظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) (ص: 298).
- وقال الإمام الألباني رحمه الله :
يشترط لمن يريد الدراسة عند مبتدع النحو أو الصرف أن يكون متمكنا في العقيدة لاشك ،
لأن أهل البدع من أشاعرة ومعتزلة عندهم قواعد يعتمدون فيها في نشر اعتقاداتهم الباطلة على اللغة،
ومن لا يكون متمكنا في العقيدة يقع في شراكهم. ينظر: [سلسلة الهدى والنور - الشريط التاسع والسبعون].
- قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
فإذا وجدنا مبتدعاً عنده طلاقة في اللسان وسحر في البيان، فإنه لا يجوز أن يجلس إليه لأنه مبتدع لأننا نخشى من شره،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من البيان لسحرا. قد يسحر عقولنا حتى نوافقه على بدعته ،
الثانية : أن فيه تشجيعاً لهذا المبتدع.
ثالثا : إساءة الظن بهذا الذي اجتمع إلى صاحب البدعة، وقد لا يتبين هذا إلا بعد حين، ولهذا يجب على طالب العلم أن يتجنب الجلوس إلى أهل البدع.
فإن قال قائل: إذا كنت أجلس إليه أتلقى عنده علما لا علاقة له بالبدعة كعلم النحو أو علم البلاغة، فماذا نقول ؟
نقول وعلم النحو وعلم البلاغة قد يكون فيه بلاء.
ثم قال : احذر أن تجلس إلى صاحب بدعة ولو في الفنون التي لا علاقة لها ببدعته لأنه لابد أن يدس السم في العسل. ينظر: (الشريط الثاني عشر من شرح حلية طالب العلم).
- سئل العلامة أحمد النجمي رحمه الله :
عندنا معاهد إسلامية في الجزائر تخرج الأئمة والمدرسين، والمدرسون فيها إما إخوان أو صوفية، وفيها يعني بعض البدع فهل يجوز أولا الدراسة فيها؟
الجواب:
لا، لا أراه يجوز الدراسة على أيدي الصوفية والمبتدعة، لأن من يدرس عليهم سيحرصون على أنه يخرج مثلهم.
السائل : شيخ هم يقولون يعني لا مجال إلى الإمامة إلا من هذا الطريق،الخطابة يعني.
الشيخ:
هم في الحقيقة على خطأ، على خطأ ،الإمامة الناس بحاجة إليها ولكن عندما تنقلب أفكارهم ،
إنسان يعني عندو علم مثلا سلفي وعندو علم، ويريد أن يأخذ من هذا بس من أجل أن يتمكن من الإمامة، ويحرص على حماية نفسه من مثل هذا الأمر،
ربما يقال أنه يجوز له، إذا كان يفرق بين ما يضره وما ينفعه، وبين الشرك وغيره، وبين البدعة والسنة، نعم، إما بدون ذلك فلا. المصدر : (شريط بعنوان الأجوبة النجمية على الأسئلة الجزائرية).
** خاتمة :
على المسلم أن يحرص على طلب العلم عند العلماء الثقات المعروفين بالاتباع للسنة، وأن يتجنب أهل الأهواء والبدع.
والله اعلم
تعليقات
إرسال تعليق