حرص الإسلام على حماية العقيدة من الشبهات وحفظ قلوب المؤمنين من الانحراف، ولتحقيق هذا الهدف، جاء تحذير الشريعة الإسلامية من مصاحبة أهل البدع ومجالستهم.
** وقد أوضح العلماء أن هذا النهي ينبع من خطورة البدع على الإيمان وسلامة المجتمع المسلم،
حيث تؤدي مجالسة أهل البدع إلى زعزعة العقيدة، ونشر الفتن، وترويج الأفكار المنحرفة.
** فمن يجالس أهل البدع أو يصاحبهم ، فإنه يلحق بهم ويعامل بما يعاملون به، من البغض والهجر والتجنُّب،
لا سيما إذا نُصِحَ وأصرَّ على ما هو عليه، حتى ولو زعم أنه إنما جالسهم ليُناصِحَهم.
** فمن كان جاهلاً يصاحب أهل السنة ويصاحب أهل البدعة ، كحال بعض العوام اليوم ، فهذا يؤمر بمجانبة أهل البدعة واتباع علماء أهل السنة وينهى عن مخالفتهم برفق ولين.
* أهل البدع : هم من يبتدعون في الدين عقائد أو عبادات تخالف ما جاء به الإسلام، مثل: القدرية والخوارج والرافضة والإخوان والصوفية وغيرهم.
** ومما يدل على ذلك :
1 - دل القرآن على النهي عن مجالسة أهل البدع، قال الله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ. (سورة النساء - الآية (140)).
- في هذه الآية : الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/603).
2 - الرجل يتأثر مذهبه بجليسه وصاحبه فمن صاحب أهل السنة كان سنيا ومن صاحب أهل البدع كان مبتدعا، قال رسول الله ﷺ:
(مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة). متفق عليه.
** أسباب نهي الشرع عن مصاحبتهم.
التأثير السلبي على العقيدة:
الجلوس مع أهل البدع يعرض الإنسان لتأثر قلبه بشبهاتهم، فقد يزيِّنون الباطل بأسلوبهم، مما يؤدي إلى انحراف العقيدة.
الإفتتان بالأهواء:
أهل البدع غالبًا ما يستخدمون أساليب ملتوية ومنطقًا منحرفًا لإقناع الآخرين بأفكارهم، مما قد يفتن المسلم.
نشر البدع في المجتمع:
القرب من أهل البدع يمنحهم شرعية، مما يساعدهم على نشر أفكارهم المنحرفة بين الناس.
إضعاف الإلتزام بالسنة:
مصاحبة أهل البدع تجعل المسلم أقل تمسكًا بالسنة؛ إذ يتعود على مخالطة من يخالفونها.
** نهى أئمة السلف عن مجالسة أهل البدع.
- قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب ). ينظر: (الابانة (2/43)).
- قيل للإمام الأوزاعي رحمه الله : ( إن رجلا يقول أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدعة. فقال الأوزاعي : هذا يريد أن يساوي بين الحق والباطل ). ينظر: (الإبانة الكبرى (ج2/ص456)).
- قال الإمام أحمد رحمه الله : ...ولم يزل الناس يكرهون كل محدث من وضع كتاب أو جلوس مع مبتدع ليورد عليه بعض ما يلبس عليه في دينه،
فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم. يُنظر: ((مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه صالح)) (2/166).
وقال أيضاً في "رسالته إلى مسدد" : ( ولا تشاور صاحب بدعة في دينك ولا ترافقه في سفرك ). انتهى.
- وجاء فى "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى : قال عثمان بن إسماعيل السكري سمعتُ أبا داود السجستاني يقول :
قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟
قال : ( لا، أو تُعلمه أنَّ الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة؛ فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به، قال ابن مسعود رضي الله عنه : المرء بخدنه ). انتهى.
- وقال الإمام ابن بطة العُكبري- منبهاً على أن من ناصر أهل البدع فإنه يعطى حكمهم وإن أظهر السنة : من السنة مجانبة كل من اعتقد شيئا مما ذكرناه أي: من البدع وهجرانه،
والمقت له، وهجران من والاه ونصره وذب عنه وصاحبه، وإن كان الفاعل لذلك يظهر السنة. ينظر: ((الإبانة الصغرى)) (ص: 309).
- وأخرج أيضا في "الإبانة" : لما قدم سفيان الثوري البصرة، جعل ينظر إلى أمر الربيع بن صبيح وقدره عند الناس،
سأل أي شيء مذهبه؟ قالوا : ما مذهبه إلا السنة، قال : مَنْ بطانته؟، قالوا : أهل القدر، قال : هو قدري. انتهى.
- وقال الإمام البربهاري رحمه الله في [شرح السنة ص121] : ( وإذا رأيتَ الرّجلَ يَجلسُ مع رجلٍ من أهلِ الأهواءِ فَحَذِّرْهُ وعَرِّفْهُ فإن جَلَسَ معه بعدما عَلِمَ فاتّقِهِ فإنَّه صاحبُ هوىً ). انتهى.
- روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" بسنده عن عقبة بن علقمة قال : كنتُ عند أرطأة بن المنذر فقال بعض أهل المجلس :
ما تقولون في الرجل يجالس أهل السنة ويخالطهم؛ فإذا ذُكر أهلُ البدع قال : دعونا من ذكرهم لا تذكروهم؟
فقال أرطأة : “ هو منهم لا يلبس عليكم أمره “،
قال : فأنكرتُ ذلك من قول أرطأة، فقدمتُ على الأوزاعي وكان كشَّافاً لهذه الأشياء إذا بلغته!،
فقال : “ صدق أرطأة، والقول ما قال، هذا ينهى عن ذكرهم، ومتى يُحذروا إذا لم يشاد بذكرهم؟! ”. انتهى.
- قال شعبة –رحمه الله-: " كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالستهم أشد النهي". [أخرجه نصر بن إبراهيم المقدسي في مختصر الحجة على تارك المحجة ص:460].
- قال ابن وضاح في "البدع والنهي عنها" : أخبرنا إسماعيل بن سعد البصري عن رجل أخبره قال : ( كنتُ أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون، فأعرض عني شهرين ). انتهى.
- قال الفضيل بن عياض رحمه الله : من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله عز وجل على محمد،
ومن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطـع رحمهـا، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع. ينظر: [شرح السنّة للإمام البربهاري ( ص : 139 )].
- وقال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله - حاكياً مذهب السلف أهل الحديث :
ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم،
ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم،
ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرّت وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرّت،
وفيه أنزل الله عز وجل قوله : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره }. ينظر: (عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: 114 - 115)).
- سئل الشيخ ابن باز رحمه الله :
الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم هل يأخذ حكمهم؟
فأجاب :
" نعم ما فيه شكٌّ من أثنى عليهم ومدحهم هو داعٍ لهم يدعو لهم هذا من دعاتهم نسأل الله العافيـة ". ينظر: ( من شرحه لكتاب: "فضل الإسلام").
- وقال الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله :
فالذي يجالس أهل الباطل لا بدّ أن يتأثر رغم أنفه, مهما ادعى لنفسه لابدّ أن يتأثر لأنّ الرسول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام حذّر وقال:
" إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة, ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ".
ابن عقيل: جبل من الجبال في الذكاء والعمق والعلم نصحوه أن لا يذهب مع المعتزلة ذهب إليهم فصار معتزليا,
أبو ذرّ من تلاميذ الدارقطني: إمام في السنة؛ سمع كلمة أخذته راح فصار أشعريا,
عبد الرزاق: جالس جعفر بن سليمان الضبعي جالسه وعنده تشيّع فانتقل؛ذهب إلى التشيع والتفت إليه فأصبح المسكين من الشيعة, لكن تشيعه ليس غليظا, لا نظلمه لكن وقع وتأثر.
فجليس السوء لابدّ أن ينالك منه سوء وشر , " والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل "، (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) أهل الأهواء والبدع ليسوا من هؤلاء.
عندك الآيات والأحاديث تحذّر وأنت تقول : لا أمشي, من أعطاك العصمة؛
إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذّر الصحابة والسلف كانوا أئمة مثل الجبال يسدون آذانهم ولا يريدون أن يسمعوا لأهل البدع.
أما أنك تذهب وتزوره وتحضر المحاضرات يصيبك من شرره ومن دخانه ومن نفثه. ينظر: [فتاوى في العقيدة والمنهج- الحلقة الثانية].
والله اعلم
تعليقات
إرسال تعليق