✅ تعد قضية كفر تارك الصلاة تهاونًا أو كسلاً من المسائل الفقهية الكبرى التي اختلف فيها العلماء قديمًا وحديثًا.
● فذهب بعض أهل العلم إلى القول بكفر تارك الصلاة، بينما ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يكفر بتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها، وإنما يكون عاصيًا مرتكبًا لكبيرة عظيمة من أعظم الكبائر.
✅ في هذا الموضوع نستعرض 11 قولًا لكبار العلماء الذين قالوا بعدم كفر تارك الصلاة تهاونًا أو كسلاً، وما استدل به أهل العلم من القرآن والسنة وقواعد أهل السنة في الإيمان والكفر..
أقوال العلماء في عدم كفر تارك الصلاة
1- قول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله
قال رحمه الله :
فَمَنْ تَرَكَ خُلَّةً مِنْ خِلَالِ الْإِيمَانِ جُحُودًا بِهَا، كَانَ عِنْدَنَا كَافِرًا،
وَمَنْ تَرَكَهَا كَسِلًا أَوْ تَهَاوُنًا أَدَّبْنَاهُ وَكَانَ نَاقِصًا، هَكَذَا السُّنَّةُ أَبْلِغْهَا عَنِّي مَنْ سَأَلَكَ مِنَ النَّاسِ. انظر:(الآجري في الشريعة 2/553، الإبانة الكبرى 2/630).
2- قول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله
قال رحمه الله:
.. يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، فإن تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله جاحدا لها،
فإن تركها تهاونا بها وكسلا كان في مشيئة الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. انظر:((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي (ص: 226) و("طبقات الحنابلة" (1/343) رواية مسدد، نشر دار المعرفة).
✔ وهذا النقل من أوضح النقول في التفريق بين جحود الفريضة وبين تركها تهاونًا وكسلًا.
وسئل الإمام أحمد أيضا- عن زيادة الإيمان ونقصانه:
فقال: زيادته العمل، ونقصانه ترك العمل، مثل: تركه الصلاة والزكاة والحج، وأداء الفرائض فهذا ينقص ويزيد بالعمل.. انظر:"السنة" للخلال (1/58).
3- قول الإمام أبو عبيد القاسم بن سَلَّامٍ رحمه الله
قال رحمه الله في الكلام على النصوص التي ورد فيها تسمية بعض الذنوب كفرًا:
... وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي،
فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون. انظر:((الإيمان)) (ص: 78، 86).
✔ وهذا أصل يدخل فيه ترك الصلاة؛ إذ قرر أبو عبيد أن المعاصي لا تزيل الإيمان، وأن ما ورد فيه وصف الكفر بسبب المعصية لا يلزم منه الكفر المخرج من الملة.
4- قول القاضي عياض رحمه الله
قال رحمه الله في شرح حديث الشفاعة:
قوله: "لأخرجن من قال: لا إله إلا الله" فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن فى الشفاعة فيهم،
وإنما دَلَّت الآثار أنه أذن لمن عنده شىء زايدٌ من العمل على مجرد الإيمان، وَجَعَل للشافعين من الملائكة والنبيِّين دليلاً عليه،
وتفرُّد الله- جل جلاله- بعلم ما تُكنّه القلوب والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان ومجرد شهادة أن لا إله إلا الله،
وضرب بمثقال الذرة وأدناها المثل لأقل الخير والشرّ إذ تلك أقل المقادير. انظر:(إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 567)).
وقال القاضي عياض أيضا في «إكمال المعلم»:
بعد ذكر خلاف أهل العلم في المسألة: والصحيح أنه عاص غير كافر؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّه لا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ ويغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}...
واحتجوا بإجماع الصدر الأول على موارثة من لا يصلي، ودفنهم مع المسلمين. اهـ.
5- قول الإمام ابن عبد البر رحمه الله
قال رحمه الله:
عند شرحه لحديث: «خمس صلوات في اليوم والليلة»: « وفيه دليلٌ على أنّ من لم يصلّ من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحّداً مؤمناً بما جاء به محمد –ﷺ- مصدقاً مقرّاً وإنْ لم يعمل،
وهذا يردّ قول المعتزلة والخوارج بأسرها؛
ألا ترى أن المقرّ بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره وعقده نيته،
فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو: الجحود لما كان أقرّ به واعتقده، والله أعلم ». انظر:«التمهيد» (23 /290).
6- قول الإمام ابن بطة العُكبري رحمه الله
قال رحمه الله:
ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله، أو يرد فريضة من فرائض الله عزّ وجل جاحداً بها،
فإن تركها تهاوناً أو كسلاً؛ كان في مشيئة الله عز وجل: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. انظر:"الشرح والإبانة" (ص124-125) .
✔ وهذا النص صريح في التفريق بين جحود الفريضة وبين تركها تهاونًا أو كسلًا، وجعل تاركها على هذه الحال تحت مشيئة الله.
7- قول الإمام أبو بكر الخلال رحمه الله
قال رحمه الله فى (جامعه):
... ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه،
ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة،
ولو كان كافرا لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام .
وأما الأحاديث المتقدمة الدالة على كفر تارك الصلاة - فهي على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار، لا على الحقيقة،
كقوله عليه السلام: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وقوله: كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق. وقوله: من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما.
وقوله: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد. قال: ومن قال : مطرنا بنوء الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب. وقوله: من حلف بغير الله فقد أشرك.
وقوله: شارب الخمر كعابد وثن. وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد، وهو أصوب القولين. انظر: "المغني" (2/157).
✔ وهذا من النقول المهمة في الجواب عن الأحاديث التي ورد فيها إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وحملها على التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الكفر المخرج من الملة.
8- قول الحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله
قال رحمه الله:
فى توضيحه لحديث الشفاعة- لفظ: " لم يعملوا خيرا قط ": ..والمراد بقوله: [ لم يعملوا خيرا قط ] من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم،
ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار إنه لم يعمل خيرا قط غير التوحيد. خرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا ومن حديث ابن مسعود موقوفا.
ويشهد لهذا: حديث أنس عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال: فأقول: يا رب ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله-
فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله. فيقول: ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك.
وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد الذين لم يعملوا معها خيرا قط بجوارحهم. والله أعلم. انظر:(كتاب : التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار- لابن رجب).
9- قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
سئل رحمه الله:
عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي هل لأحد فيها أجر؟ أم لا؟
فأجاب: أما من كان مظهرا للإسلام، فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة: من المناكحة والموارثة، وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك؛
لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرا للإسلام... انظر:(«مجموع الفتاوى» 24/285).
✔ فقد أثبت ابن تيمية لمن كان لا يصلي، مع كونه مظهرًا للإسلام، أنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، مما يدل على عدم إخراجه من الإسلام بمجرد ترك الصلاة.
10- قول الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله
قال رحمه الله:
أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها.
والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان. انظر:"الدرر السنية" (1/102).
✔ وهذا نص صريح في عدم تكفير تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها، وأنه لا يكفّر إلا بترك الشهادتين.
11- قول العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله
قال رحمه الله:
ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط، يريد بذلك التوحيد المجرد من الأعمال. انتهى ملخصا من(شرح سنن ابن ماجه فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص: 66).
تنبيه مهم: بعض الأئمة، كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، نُقل عنهم في مسألة تارك الصلاة قولٌ بالتكفير، وقولٌ بعدم التكفير.
◄ والظاهر -والله أعلم- أن رجوعهم عن القول بتكفير تارك الصلاة هو القول الأخير لهم؛ أخذًا منهم بأحاديث الشفاعة المحكمة،
والأحاديث الواردة في فضل «لا إله إلا الله» وفضل التوحيد، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
✔ والواجب التسليم لهذه النصوص والصدع بمضمونها؛ إذ إن الأخذ بها قائم على الجمع بين نصوص الوعد والوعيد، وهو المنهج الحق السديد،
بخلاف منهج الخوارج الذين يأخذون بنصوص الوعيد ويهملون نصوص الوعد.
خلاصة المنشور :
● يتبيّن من أقوال الأئمة ونقولهم أن تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا مع الإقرار بوجوبها لا يُعد كافرًا مخرجًا من الملة،
وإنما هو عاصٍ مرتكب لكبيرة عظيمة، يجب عليه التوبة والرجوع إلى الله، فالصلاة عمود الدين وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.
اقرأ أيضا: مشروعية طلب الطلاق من الزوج الذي لا يصلي
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق