يُثار جدل بين الفقهاء حول جواز إخراج زكاة الفطر نقدًا بدلًا من الطعام.
✅ في هذا المنشور، نستعرض أدلة القائلين بالجواز، مع الرد عليها استنادًا إلى النصوص الشرعية وأقوال العلماء، موضحين الحكم الصحيح للأصل في زكاة الفطر.
للمزيد عن الحكم المباشر لإخراج زكاة الفطر: [هل يجوز إخراج زكاة الفطر مالًا بدل الطعام؟].
الدليل الأول: آية التوبة 103 ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾.
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: يدعي البعض أن الأصل في الصدقة هو المال، وأن إخراج الطعام هو للتيسير فقط لا لحصر الواجب.
الرد على الدليل الأول :
1- "المال" في اللغة يشمل الطعام أيضًا: فالله عز وجل أطلق لفظ المال على الأنعام والحبوب، وهي من الأموال المتداولة في عهد النبي ﷺ.
2- السنة النبوية مفسرة للقرآن: النبي ﷺ حدد زكاة الفطر بـ صاع من طعام، والتفسير النبوي لا يجوز مخالفته،
◄ فبيان النبي ﷺ للعبادة من قبيل المفسر، والمفسر لا يقبل التأويل.
3- العبادة توقيفية: كون النبي ﷺ نص على أصناف محددة يعني أن الالتزام بها هو المقصود، وليس مجرد تحقيق الإغناء بأي وسيلة.
الدليل الثاني: حديث : «أغنوهم عن السؤال في مثل هذا اليوم ».
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: الإغناء يحصل بالنقود أكثر من الطعام، وإعطاء النقود أيسر على الفقير لسد حاجته.
الرد على الدليل الثاني :
1- الحديث ضعيف، فقد ضعّفه (البيهقي، والنووي، والألباني).
2- الفقير إذا كان فقيراً حقًّا لابد أن ينتفع بالطعام، وحاجته إلى الملبس والمشرب تكفل بالصدقات التى حث الشرع عليها طوال العام.
3- الشرع لم يعتبر الإغناء بالمال، بل اعتبر الإطعام.
الدليل الثالث: قلة النقود في العصر النبوي.
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: النقود كانت قليلة، ولهذا ذُكر الطعام، واليوم إخراج القيمة اليوم أنفع للفقراء.
الرد على الدليل الثالث :
1- الدراهم والدنانير كانت متوفرة، ولم يذكر النبي ﷺ إخراجها نقدًا رغم وجود الفقراء.
2- لو كان المقصود من زكاة الفطر إغناء الفقراء ماليا لكانت زكاة الفطر أكبر من هذا.
الدليل الرابع: زكاة بهيمة الأنعام: (... وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ). أخرجه البخاري.
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: هنا أقام النبي ﷺ في جبران ما بين الواجِبَيْن: (الحقة والجذعة) فأقام القيمة، وهي قوله : "عشرين درهما أو شاتين".
الرد على الدليل الرابع :
1- أجازت الشريعة دفع القيمة في زكاة بهيمة الأنعام عند تعذر إخراج الواجب المحدد، لأن التجزئة غير ممكنة.
2- حدد الشرع القيمة المسموح بها (شاتان أو عشرون درهمًا) لمنع الاجتهاد الشخصي في التقدير.
3- هذا الاستثناء لا يعني جواز إخراج القيمة دائمًا، فهو حكم خاص بحالة معينة نص عليها الشرع.
الدليل الخامس: حديث: « تصدقن ولو من حُليكن ».[البخاري].
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: عموم الأمر بالتصدق فلم يستثن النبي ﷺ صدقة الفرض من غيرها.
الرد على الدليل الخامس :
1- الصدقة عند الإطلاق تُفهم عرفًا على أنها صدقة تطوع، وليست الزكاة المفروضة ذات المقدار المحدد.
2- لو كان المقصود بها زكاة الفطر، لما جاء الأمر بها في الخطبة بعد الصلاة، إذ أمر النبي ﷺ أمر بإخراجها قبل صلاة العيد.
الدليل السادس: قول معاوية: " إني لأرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من التمر ".
▣ وجه الدلالة للقائلين بالجواز: إخراج الصحابة نصف صاع من القمح بدلاً من صاع من التمر، لأنهم رأوه معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير.
الرد على الدليل السادس :
1- الصحابة لم يُخرجوا القمح كقيمة، بل لأنه طعام مكافئ في الكمية.
2- لو كان يجوز إخراج المال، لأخرجوه مالًا بدلًا من تحديد مقدار القمح.
3- الصحيح أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر بصاع من الطعام، والقمح يُعتبر من أنواع الطعام، فلا يُجزئ إخراجه بأقل من صاع.
الدليل السابع: أثر معاذ بن جبل في أخذ الملابس بدل الطعام- حيث قال لأهل اليمن: ( ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار ).
الرد على الدليل السابع :
1- الأثر المذكور منقطع، والمنقطع من أنواع الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها، فقد ذكره البخاري تعليقاً في كتاب الزَّكَاة، باب العرض في الزَّكَاة، ورواه البيهقي في سننه حديث رقم : (7165)،
وطاووس لم يسمع من معاذ ، قال ابن حجر في التلخيص(3/114) : منقطع، وقال الاسماعيلي : مرسل لا حجة فيه.
2- الحديث يتناول أخذ البدل على الصحيح في الجزية، وليس في زكاة الفطر، والفرق بينهما واضح؛ إذ إن الزكاة عبادة وقربة، بينما الجزية أقرب إلى الضريبة المالية.
3- حتى لو كان الأثر صحيحًا، فإنه يبقى اجتهادًا شخصيًا، وقد خالفه الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ، مما يجعل الاستدلال به غير معتبر.
الدليل الثامن: فعل بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس فى اخراج زكاة الفطر نقدًا.
الرد على الدليل الثامن :
1- لا يوجد سند صحيح يثبت ذلك عن الصحابة.
2- المروي عن ابن عمر وابن عباس يخالف ذلك، إذ أخرجا زكاة الفطر طعامًا.
الدليل التاسع: أثر عمر بن عبد العزيز- في إخراج نصف درهم بدل زكاة الفطر عن كل إنسان.
الرد على الدليل التاسع :
1- أجاب الإمام أحمد بقوله: "يدعون قول رسول الله ﷺ ويقولون قال فلان؟!". ينظر: المغني (295/4 ).
2- العبرة بسنة النبي ﷺ، لا باجتهاد أحد، ولو كان عالمًا أو خليفة.
الدليل العاشر: حاجة الفقراء إلى المال لشراء ثياب العيد، لذلك نخرج زكاة الفطر نقدًا.
الرد على الدليل العاشر :
1- كان كثير من الصحابة - رضوان الله عليهم - يعانون من الفقر الشديد، حتى إن بعضهم لم يكن يملك سوى ثوب واحد،
وذلك فى قوله ﷺ: «أو لكلكم ثوبان»؟، ومع ذلك لم يأمر النبي ﷺ بإعطائهم مالًا.
2- عدم فعل النبي ﷺ مع وجود مقتضي إخراج المال (الفقراء) دليل على عدم جوازه.
3- إذا قيل إن دفع النقود أرفق بالفقير، فإن ذلك يستلزم تغيير أحكام شرعية أخرى، مثل كفارة اليمين وكفارة الظهار،
ليتم إخراجها نقدًا بدلًا من الإطعام، وهو ما يخالف النصوص الشرعية ويفتح باب التلاعب بالأحكام.
الخلاصة: الحكم الصحيح في إخراج زكاة الفطر.
● الأرجح والأصح: إخراج زكاة الفطر طعامًا اتباعًا للنصوص النبوية، وأجمع العلماء على أن الأصل في الزكاة أنها عبادة توقيفية.
● مع وجود الدليل الصريح عن النبي ﷺ، لا يجوز تغييره بالاجتهادات العقلية.
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق