✅ الجواب باختصار: لا يصح دعوى إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة بمجرد أثر ابن شقيق؛ فالأثر يحتاج إلى التحقق من ثبوته ودلالته، ودعوى الإجماع لا تثبت بمثل هذا النقل المحتمل.
وفيما يلي مناقشة هذا الأثر، وبيان ألفاظ رواياته، وهل يصح الاستدلال به على دعوى الإجماع.
أثر عبد الله بن شقيق فى كفر تارك الصلاة
▣ قال عبد الله بن شقيق العقيلي رحمه الله: " كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ". (رواه الترمذي).
استدل القائلون بتكفير تارك الصلاة بهذا الأثر، وجعلوه دليلًا على إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة.
الرد على هذا الإستدلال
أولًا: اختلاف ألفاظ الروايات
● ورد أثر عبد الله بن شقيق بألفاظ مختلفة، وهذا الاختلاف مهم عند الاستدلال به على دعوى الإجماع.
▣ فقد رواه إسماعيل بن علية بلفظ: «ما علمنا شيئًا من الأعمال قيل: تركه كفر، إلا الصلاة». رواه الخلال في «السنة» (4/144)، رقم (137).
فتأمل قوله: «قيل». فأين ذكر الصحابة وإجماعهم في هذه الرواية الصحيحة؟ وأين تكفيرهم لتارك الصلاة؟!
وقوله: «قيل» يحتمل أن القائلين غير أصحاب محمد ﷺ.
◄ ويحتمل أن القائل واحد من أصحاب النبي ﷺ، أو من التابعين، فإن عبد الله بن شقيق قد روى عن بعض التابعين. راجع: «تهذيب الكمال» (15/90).
▣ بينما جاءت رواية بشر بن المفضل بلفظ: «لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».
◄ والفرق بين الروايتين واضح جدًا عند المنصفين.
● فرواية بشر بن المفضل تُسند التكفير إلى الصحابة بلفظ يوهم إجماعهم على هذا التكفير، بينما رواية إسماعيل بن علية لا تُسند هذا التكفير إلى أصحاب النبي ﷺ لا من قريب ولا من بعيد.
● واعتبار رواية إسماعيل بن علية موافقة ومتابعة لرواية بشر من المكابرات.
وكذلك رواية عبد الأعلى: «ما كانوا يقولون لعمل تركه رجل كفر غير الصلاة». قال: «كانوا يقولون: تركها كفر».
✔ فهذه الرواية فيها مخالفة لرواية بشر بن المفضل، فلا يجوز الجزم بأن قائليها هم الصحابة، وهي تقوي رواية إسماعيل بن علية، لا رواية بشر بن المفضل.
ثانيًا: إشكال رواية بشر بن المفضل وسماعه من الجريري
● إن بشر بن المفضل لم يسمع من الجريري إلا بعد الاختلاط، فإن صح أنه سمع منه قبل الاختلاط، فيحتمل أنه سمع هذا الأثر بعد الاختلاط احتمالًا قويًا، أو يكون قد وهم فيه.
فهل سمع بشر من الجريري هذا الأثر قبل الاختلاط أم بعده؟ أم أن أمره مشكل؟
◄ فلا يُقبل دعوى سماع بشر لهذا الأثر من الجريري قبل الاختلاط إلا بدليل، كشاهدٍ أو متابعٍ أو نحوهما، كما هو ظاهر صنيع الشيخين البخاري ومسلم فيما رويا عنه غير هذا الأثر، وهذا الأثر لم يروياه.
● كما أن أحاديث المختلطين تروى إذا وجد لها ما يعضدها، فأين ذلك؟!
✔ ومما يدل على هذا أن إسماعيل بن علية قد رواه بنص يخالف نص رواية بشر، فرواية بشر نصها: «لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».
ونص رواية إسماعيل بن علية: «ما علمنا شيئًا من الأعمال قيل: تركه كفر، إلا الصلاة».
◄ والذين صححوا رواية بشر، لو اطلعوا على روايتي إسماعيل بن علية وعبد الأعلى، لكان لهم موقف حازم منها.
وأزيد: لو اطلعوا عليهما لأعلّوا بهما رواية بشر على طريقة أئمة الحديث.
ويحتمل أن بعضهم يعرف ضعف رواية بشر، ولكنه يتساهل في قبولها على طريقة كثير من أهل الحديث في التساهل في روايات الترغيب والترهيب.
ثالثًا: اختلاف الرواية في الإسناد
● فأثر عبد الله بن شقيق لم يسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه.
✔ وهذا واحد من الأدلة الدالة على ضعف أثر عبد الله بن شقيق.
فتارة يُسند إلى عبد الله بن شقيق، وأخرى يُروى عن أبي هريرة. وتارة يرويه بشر بن المفضل عن الجريري عن ابن شقيق بلفظ.
ويخالفه إسماعيل بن علية، فيرويه عن الجريري بلفظ آخر. ويرويه عبد الأعلى بلفظ مغاير للفظ رواية بشر.
هذا مع احتمال أن بشرًا ما روى هذا النص عن الجريري إلا بعد الاختلاط.
✔ فإذا لم يُضعَّف هذا الأثر بهذه الاختلافات في الإسناد والمتن، فلا سبيل إلى تضعيف الأحاديث والآثار الضعيفة والباطلة، ويُغلق باب التضعيف والتعليل.
رابعًا: أثر ابن عمر وإسقاط دعوى الإجماع
▣ ثبت بسند صحيح- عن سوار بن شبيب قال: «جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إن ها هنا قومًا يشهدون عليَّ بالكفر، فقال: ألا تقول: لا إله إلا الله، فتكذبهم». المصدر: «الإيمان» لابن أبي شيبة.
✔ فهذا يدل على أن ابن عمر يحكم بالإسلام لمن قال: لا إله إلا الله، وإن لم يصلِّ.
فهذا نص صريح في إسقاط دعوى الإجماع، رغم محاولة الفريق الآخر تأويل هذا الأثر في ردودهم بتأويلات واهية.
خامسًا: عبد الله بن شقيق لم يروِ عن عدد كبير من الصحابة
● إن عبد الله بن شقيق ما روى إلا عن عدد قليل جدًا من الصحابة، مما يبطل دعوى الإجماع.
◄ فكيف تصح دعوى عبد الله بن شقيق إجماع الصحابة، وهم يزيد عددهم على مائة ألف؟!
سادسًا: هذا الأثر - إن صح - محمول على المستكبر المعاند
● الأثر يُفهم على أنه خاص بمن ترك الصلاة استكبارًا وجحودًا، وهو رأي ابن تيمية وابن القيم. انظر:«التعليق على الترغيب والترهيب» للألباني (1/256).
دعوى إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة: دعوى عسيرة الثبوت
الإجماع المدعى على كفر تارك الصلاة ليس قطعيًا، إذ لا يمكن الجزم بالإجماع مع عدم الإحاطة بأقوال جميع علماء الأمة، التي لا يحصيها إلا رب العالمين.
★ قال ابن دقيق العيد رحمه الله: «دعوى الإجماع دعوى عسيرة الثبوت، لا سيما عند من يشترط في ذلك التنصيص من كل قائل من أهل الإجماع على الحكم ولا يكتفي بالثبوت،
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: من ادعى الإجماع فقد كذب». انظر: «شرح الإلمام».
★ وقال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» (1/29-30): «ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث
من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص».
انتهى، مستفاد من كلام الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله.
هل لفظ «الكفر» في الأثر يعني الكفر الأكبر؟
حتى على فرض ثبوت الأثر، فلا يلزم من إطلاق «الكفر» فيه إرادة الكفر الأكبر؛ إذ قد يطلق في نصوص الكتاب والسنة على ما لا يُخرج من الإسلام،
فلا بد من جمع النصوص ومعرفة مراد السلف من لفظ «الكفر» في هذا الموضع. انتهى.
خلاصة المنشور:
▪️ أثر عبد الله بن شقيق لا يصح أن يُجعل وحده دليلًا على إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة.
▪️ في روايات الأثر اختلاف في اللفظ والإسناد، مع الكلام على سماع بشر بن المفضل من الجريري بعد الاختلاط.
▪️ رواية إسماعيل بن علية تختلف عن رواية بشر، ولا تنسب الحكم إلى الصحابة بصيغة تفيد الإجماع.
▪️ أثر ابن عمر رضي الله عنهما يدل على خلاف ما يُدعى من الإجماع، حيث حكم بإسلام الرجل بقوله: «لا إله إلا الله».
▪️ عبد الله بن شقيق لم يكن ممن روى عن جميع الصحابة حتى يصح أن يُنسب إليهم جميعًا هذا الإجماع.
▪️ دعوى الإجماع نفسها عسيرة الثبوت، كما قرر ابن دقيق العيد وابن القيم رحمهم الله.
تابع الجزء الثالث: ما دلالة حديث «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»؟
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق