✅ يستدل أهل البدع بحديث النبي ﷺ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ- حَسِبْتُهَا قَالَتْ- أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا». رواه مسلم.
فيقولون: إذا كان الحاكم لا يقود الناس بكتاب الله، فلا سمع له ولا طاعة، وتسقط ولايته، ويجوز الخروج عليه.
فهل في حديث «يقودكم بكتاب الله» عدم طاعة الحاكم المخالف للشرع؟ وهل يدل الحديث على سقوط ولاية الحاكم إذا خالف كتاب الله؟
الجواب: لا، هذا فهم باطل؛ فالحديث لا يدل على سقوط ولاية الحاكم، ولا على جواز الخروج عليه لمجرد مخالفته للشرع في بعض الأمور، فليس هذا من مقتضى الحديث، بل هو من منهج الخوارج.
● والواجب في فهم هذا الحديث رده إلى سائر الأحاديث والنصوص الواردة في السمع والطاعة للحكام وإن جاروا وفسقوا وخالفوا هدي النبي ﷺ وسنته، وجمعها كلها ورد المتشابه منها إلى المحكم؛
لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، فلا يصح أن يُستدل بحديث واحد على معنى يخالف ما دلت عليه النصوص الأخرى المبينة لمعناه.
✔ لذا الفهم الشرعي الصحيح للحديث أن الحاكم، وإن كان عبدًا، إذا قادنا بأوامر كتاب الله، وجب علينا السمع والطاعة فيما يأمر به من المعروف،
وليس معنى الحديث إثبات السمع والطاعة المطلقة له في جميع أوامره.
● ومعنى «يقودكم بكتاب الله» أنه يقود المسلمين في ظل الإسلام والتمسك بكتاب الله،
وليس المراد أنه يطبق جميع أحكام الكتاب وينفذها حرفيًا في كل شيء؛ وإلا لم تثبت الولاية لأحد بعد الخلفاء الراشدين، وهذا باطل.
هل يدل مفهوم المخالفة فى الحديث على سقوط طاعة الحاكم؟
على فرض الاستدلال بمفهوم المخالفة، فغاية ما يدل عليه أن الحاكم إذا لم يقدنا بكتاب الله، وأمرنا بما يخالف شرع الله، فلا نسمع له ولا نطيع في خصوص ما خالف فيه شرع الله؛
لأن الطاعة إنما تكون في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
● كما أن مفهوم المخالفة ليس مطلقًا، بل له ضوابط مقررة عند أهل العلم، ومن ذلك أنه إذا تعارض المفهوم والمنطوق قُدِّم المنطوق.
● فلا يصح أن يؤخذ من مفهوم محتمل ما يؤدي إلى مخالفة نصوص صريحة كثيرة متواترة، كحديث حذيفة وحديث عوف بن مالك رضي الله عنهما،
وما جاء فيهما من الأمر بالسمع والطاعة والصبر وعدم منازعة الحكام الذين يجورون ويخالفون هديه وسنته ﷺ في تطبيق أحكام الشرع أو في أغلبها،
مما يدل على أن مجرد هذه المخالفات لا يقتضي سقوط ولايتهم. فكيف تُترك هذه النصوص المحكمة الكثيرة لحديث متشابه يُفهم منه هذا المعنى المحتمل؟!.
◄ وإلا للزم من قوله ﷺ: «فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» أن تسقط ولاية الحاكم بمجرد أن يأمر بمعصية ولو مرة واحدة، لو أخذناه بهذا الفهم.
كلام الشيخ عادل السيد في الاستدلال بمفهوم حديث«يقودكم بكتاب الله»
قال الشيخ عادل السيد حفظه الله :
فقوله: "يَقُودُكُم بِكِتَابِ اللَّهِ" أو "مَا قَادَكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ" وزعمهم أن الإمام إذا لم يكن يقودنا بكتاب الله فلا ولاية له؛ فمردود من وجوه:
الأول: إن الأخذ بمفهوم المخالفة من النصوص الشرعية ليس على إطلاقه؛
خصوصًا إذا كان هذا المفهوم سوف يثبت به أحكام شرعية، فالأخذ بمفهوم المخالفة له ضوابط وقيود تجدها مبسوطة في كتب الأصول،
ومن الضوابط أنه إذا تعارض مفهوم ومنطوق يقدم المنطوق على المفهوم، والأحاديث الواردة عن النبي تمنع من الخروج على الحكام ولو ظلموا ولو فسقوا وعصوا،
ولم تستثنِ هذه الأحاديث خروجًا إلا الخروج في حالة الكفر الصريح الذي لا تأويل فيه، وهي أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي كما ذكر ذلك الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار (7/199).
الثاني: أننا على فرض صحة الأخذ بمفهوم المخالفة في هذا الحديث؛
فيكون الكلام تقديره: " لَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ لاَ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فلا َتَسْمَعُوا لَهُ وَلاَ تُطِيعُوا ".
أقول: فهل يُفْهَمُ من هذا أنه تسقط طاعته مطلقًا كما يتوهم البعض من ذلك؟!؛ أم يُفْهَمُ منه أنه إذا لم يقدنا بكتاب الله فيما أمر فلا نسمع له ولا نطيع فيما أمر فقط مما خالف فيه كتاب الله؟!.
فإن أجيب بالاحتمال الأول المُتَوَهَّم؛ لزم من ذلك أن يستدل بقوله ﷺ "فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ":
على سقوط الولاية والطاعة لأي حاكم مطلقًا لمجرد أنه أمر بالمعصية ولو لمرة واحدة!، ولا يقول بذلك إلا الخوارج!.
قال ابن بطال في "شرحه للبخاري" (5/126) قال الرسول ﷺ: "فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ" احتج بهذا الحديث الخوارج ورأوا الخروج على أئمة الجور والقيام عليهم عند ظهور جورهم".اهـ.
فالحديث لم يأتي فيه لفظ الخروج، وإنما عدم السمع والطاعة في حالة لم يقدنا بكتاب الله فيما أمر أي فيما خالف فيه كتاب الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والأحاديث تفسر بعضها بعضا.
✅ والأحاديث الواردة عن النبي تمنع من الخروج على الحكام ولو ظلموا ولو فسقوا وعصوا، ولم تستثنِ هذه الأحاديث خروجًا إلا الخروج في حالة الكفر الصريح الذي لا تأويل فيه،
وهي أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي- كما ذكر ذلك الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار (7/199)- أهمها :
▣ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ- قال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية». متفق عليه.
رواه البخاري في الفتن. ب: سترون بعدي أمورًا تنكرونها، فتح الباري(13/5)، ومسلم في ك: الإمارة. ب: ملازمة جماعة المسلمين ... ح1849،(3/1477)، وأحمد في المسند(1/275)..
▣ وعن أنس بن مالك وأسيد بن حضير -رضي الله عنهما- أن النبي قال: «إنكم سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».
وورد عن أنس بلفظ آخر صحيح- فقال: "إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ".
▣ وعن عبد الله بن مسعود قال: "قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ".
✅ فلم يستثن النبي في تحريم الخروج على الحكام؛ إلا حالة وقوعهم في الكفر الصريح:
▣ فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال : (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله في برهان).
▣ وفي رواية: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). متفق عليه.
قال ابن تيمية- بعد ذكره لهذا الحديث: ( فهذا أمر الطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلم منه، ونهي عن منازعة الأمر أهله وذلك نهي عن الخروج عليه ). منهاج السنة (2/88).
قال الإمام النووي- بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين -رضي الله عن الجميع:
«قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم».اهـ. وانظره في "الإكمال" (6/ 247).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- "المنهاج" (4/529»: «ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ص،
وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين».اهـ...» انتهى.
المصدر: https://www.facebook.com/watch/?v=452040958743146
هل يشترط أن يطبق الحاكم الشريعة كاملة؟
ليس معنى «يقودكم بكتاب الله» أن الحاكم لا تثبت ولايته إلا إذا طبق جميع أحكام الشريعة كاملة دون مخالفة أو تقصير؛ لأن هذا الفهم يلزم منه ألا تثبت الولاية لأحد بعد الخلفاء الراشدين.
● وقد وقع في تاريخ المسلمين من الحكام من ظهرت منهم مخالفات وبدع عظيمة، بل وقع من بعضهم ما هو من الكفر، ومع ذلك لم يكن منهج أئمة أهل السنة نزع اليد من الطاعة لمجرد تلك المخالفات.
★ ومن أوضح الأمثلة: ما وقع في زمن الإمام أحمد رحمه الله في فتنة القول بخلق القرآن؛
فالقول بخلق القرآن ليس مجرد مخالفة في تطبيق الشريعة، بل هو قول يهدم أصل الوحي، ويناقض كون القرآن كلام الله المنزل، ويمس أصل الرسالة المحمدية.
◄ فهل كان حكام زمن الإمام أحمد رحمه الله، الذين قالوا بخلق القرآن وألزموا الناس بهذا القول الكفري، يقودون الأمة بكتاب الله؟!.
✔ ومع ذلك، لم يكن موقف الإمام أحمد وأئمة أهل السنة هو الخروج على الحكام ونزع اليد من طاعتهم بسبب هذه الفتنة،
بل صبروا على ما وقع، وأنكروا القول الباطل، ولم يطيعوا الحكام فيما أمروهم به من الباطل.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله:
"... ولم يَدْرِ هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام من عهد يزيد بن مُعَاوِيَة- حاشا عُمَر بن عبد العزيز، ومن شاء الله من بني أمية -
قد وقع منهم من الجرأة والحوادث العظام والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام،
ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام والسادة العظام معهم معروفة مشهورة، لا ينْزعونَ يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام، وواجبات الدين.
وأضربُ لك مثلاً... الطبقة الثانية من أهل العلم، كأحمد بن حنبل، وَمُحَمَّد بن إسْمَاعيل، وَمُحَمَّد بن إدريس، وَأَحْمَد بن نوح، وإسحاق بن راهويه، وإخوانهم...
وقع فِي عصرهم من الملوك ما وقع من البدع العظام وإنكارالصفات، ودُعُوا إلى ذَلِكَ، وامتُحِنُوا فيه، وقُتِلَ من قُتِلَ، كمحمد بن نصر،
ومع ذَلِكَ، فلا يُعْلَم أنَّ أحدًا منهم نزَعَ يدًا من طاعة ولا رأى الخروج عليهم". انظر:(الدرر السنية (8 / 378)).
ويقول الشيخ العثيمين رحمه الله:
”وأما قول بعض الناس السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة وُلاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة، فهذا خطأ، وهذا غلط،
وهذا ليس من الشرع في شيء، بل هذا من مذهب الخوارج، الذين يريدون من وُلاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء، وهذا لم يحصل منذ زمن فقد تغيرت الأمور ”. انظر:( شرح رياض الصاحين 2 / 425).
خلاصة المنشور في نقاط:
1- حديث «يقودكم بكتاب الله» لا يدل على سقوط ولاية الحاكم لمجرد مخالفته الشرع في بعض الأمور، ومفهوم المخالفة هنا لا يصح أن يُبنى عليه حكم الخروج.
2- على فرض اعتبار مفهوم المخالفة، فغاية ما يدل عليه عدم طاعته في المعصية، لا سقوط ولايته؛ فالطاعة إنما تكون في المعروف.
3- الأحاديث يفسر بعضها بعضًا؛ فلا يصح ترك النصوص المحكمة الكثيرة الآمرة بالسمع والطاعة والصبر على جور الحكام وعدم منازعتهم، لأجل مفهوم محتمل في حديث واحد.
4- لا يكون الخروج على الحاكم لمجرد المعصية أو الظلم أو الفسق، وإنما عند ظهور «كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان».
5- الخلاصة: يُطاع الحاكم في المعروف، ولا يُطاع في المعصية، ولا يلزم من عدم طاعته في المعصية سقوط ولايته أو جواز الخروج عليه.
والله اعلم
موضوع ذات صلة: ما معنى «يقودكم بكتاب الله»؟ شرح الحديث وأقوال العلماء
%20(1).webp)
تعليقات
إرسال تعليق