✅ القول بأن مسائل العقيدة لا خلاف فيها على الإطلاق غير صحيح؛ لأن مسائل العقيدة ليست كلها على درجة واحدة من حيث القطع واليقين،
فهناك من مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده بغلبة الظن.
● فيجب التفريق بين أصول العقيدة وثوابتها التي اتفق عليها السلف، وبين بعض المسائل العقدية الجزئية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم،
بحسب اختلافهم في فهم الأدلة ودلالاتها، أو لعدم وجود نص صريح في المسألة.
▣ والمقصود بالمسائل العقدية الجزئية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم: المسائل التفصيلية التي تندرج تحت أصول عقدية ثابتة، ولا يعني الخلاف فيها اختلافًا في أصل الاعتقاد.
● فالسلف لم يختلفوا في أصول مسائل الاعتقاد وثوابتها، وهذا الاتفاق لا يمنع أن يقع الخلاف في بعض المسائل العقدية الجزئية وتفصيلاتها.
● فلا يصح أن نجعل وقوع الخلاف في بعض المسائل العقدية الجزئية خلافًا في أصول العقيدة، كما لا يصح أن ننفي وقوع الخلاف في جميع مسائل العقيدة على الإطلاق.
✅ ومن أمثلة ذلك: أن السلف متفقون على إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى، وإنما وقع الخلاف في تفسير معنى «وجه الله» في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. [البقرة: 115].
فالأكثرون قالوا: المراد بالوجه الجهة والقبلة، كما قال مجاهد، وقال بعض أهل السنة: المراد وجه الله الذي هو صفته سبحانه وتعالى.
◄ فليس الخلاف هنا في أصل إثبات صفة الوجه لله تعالى، وإنما هو خلاف في تفسير المراد بالوجه في هذه الآية بعينها،
أما صفة الوجه نفسها فهي ثابتة بالنصوص الصريحة، كقوله تعالى:﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. [الرحمن: 27].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
" لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة يجب فيها اليقين؛ لأن من مسائل العقيدة ما اختلف فيه العلماء رحمهم الله،
وما كان مختلفا فيه بين أهل العلم فليس يقينيا؛ لأن اليقين لا يمكن نفيه أبدا.
فمثلا: اختلف العلماء رحمهم الله في عذاب القبر؛ هل هو واقع على البدن أو على الروح؟
واختلف أيضاً العلماء رحمهم الله أيضاً في الذي يوزن؛ هل هي الأعمال أو صحائف الأعمال أو صاحب العمل؟
واختلف العلماء رحمهم الله أيضاً في الجنة التي أُسكنها آدم؛ هل هي جنة الخلد أم جنة في الدنيا؟
واختلف العلماء رحمهم الله أيضاً في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه؛ هل رآه بعينه - يعني في الحياة - أم رآه بقلبه؟
واختلف العلماء رحمهم الله في النار؛ هل هي مؤبدة أم مؤمدة؟
وكل هذه المسائل من العقائد، والقول بأن العقيدة ليس فيها خلاف على الإطلاق غير صحيح، فإنه يوجد من مسائل العقيدة ما يعمل فيه الإنسان بالظن.
فمثلا في قوله تعالى في الحديث القدسي: (من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذارعا)، لا يجزم الإنسان بأن المراد بالقرب القرب الحسي، فإن الإنسان لا شك أنه ينقدح في ذهنه أن المراد بذلك القرب المعنوي.
وقوله تعالى: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) هذا أيضاً لا يجزم الإنسان بأن الله يمشي مشيا حقيقيا هرولة، فقد ينقدح في الذهن أن المراد الإسراع في إثابته، وأن الله تعالى إلى الإثابة أسرع من الإنسان إلى العمل،
ولهذا اختلف علماء أهل السنة في هذه المسألة، بل إنك إذا قلت بهذا أو هذا فلست تتيقنه- كما تتيقن نزول الله عز وجل، الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)،
فهذا ليس عند الإنسان شك في أنه نزول حقيقي، وكما في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). (طه: 5)، فلا يشك إنسان أنه استواء حقيقي.
والحاصل: أن مسائل العقيدة ليست كلها مما لابد فيه من اليقين؛ لأن اليقين أو الظن حسب تجاذب الأدلة، وتجاذب الأدلة حسب فهم الإنسان وعلمه.
فقد يكون الدليلان متجاذبين عند شخص، ولكن عند شخص آخر ليس بينهما تجاذب إطلاقا، لأنه قد اتضح عنده أن هذا له وجه وهذا له وجه،
فمثل هذا الأخير ليس عنده إشكال في المسألة بل عنده يقين، وأما الأول فيكون عنده إشكال وإذا رجح أحد الطرفين فإنما يرجحه بغلبة الظن.
ولهذا لا يمكن أن نقول إن جميع مسائل العقيدة مما يتعين فيه الجزم، ومما لا خلاف فيه؛ لأن الواقع خلاف ذلك،
ففي مسائل العقيدة ما فيه خلاف، وفي مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده.
إذا هذه الكلمة التي نسمعها بأن مسائل العقيدة لا خلاف فيها، ليس على إطلاقها؛ لأن الواقع يخالف ذلك". انتهى من "شرح العقيدة السفارينية" (1/ 307).
توضيح مثالين من المسائل التي وقع فيها الخلاف التي ذكرها ابن عثيمين.
1- عذاب القبر: أصل عذاب القبر من مسائل العقيدة الثابتة عند أهل السنة، وإنما وقع الخلاف في تفصيل هذه المسألة: هل يقع على البدن أو على الروح؟ فهذه جزئية تفصيلية.
✔ فهذا الخلاف لا يعني الخلاف في أصل الإيمان بعذاب القبر، وإنما هو خلاف في كيفية وقوعه وتعلقه بالبدن أو الروح.
2- الميزان: أصل إثبات الميزان يوم القيامة من مسائل العقيدة الثابتة عند أهل السنة، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في ما الذي يُوزن: هل هي الأعمال، أم صحائف الأعمال، أم صاحب العمل؟ فهذه مسألة جزئية.
✔ فالمختلف فيه هنا ليس أصل إثبات الميزان، وإنما تعيين ما يُوزن، وهي مسألة تفصيلية تندرج تحت أصل عقدي ثابت.
✅ وقِسْ على ذلك بقية المسائل التي ذكرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؛ فالخلاف فيها إنما وقع في بعض التفاصيل والجزئيات، وليس في أصول الاعتقاد وثوابته.
خلاصة المنشور:
◄ أصول العقيدة وثوابتها اتفق عليها السلف، ولم يكن الخلاف فيها هو محل البحث.
◄ هذا الاتفاق لا يمنع وقوع الخلاف في بعض المسائل العقدية الجزئية والتفصيلية.
◄ المقصود بالمسائل العقدية الجزئية: مسائل تندرج تحت أصول عقدية ثابتة، والخلاف فيها لا يعني الخلاف في أصل الاعتقاد.
◄ لذلك فقول: «مسائل العقيدة لا خلاف فيها على الإطلاق» غير صحيح؛ والصواب التفريق بين الأصول المتفق عليها والمسائل الجزئية التي وقع فيها الخلاف.
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق