">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

لماذا لم يحطم الصحابة أبو الهول والتماثيل في مصر؟


✅ الجواب المختصر: يستدل بعض الناس بعدم تحطيم الصحابة لأبي الهول والتماثيل في مصر على أنهم رأوها وأقروها،

وهذا الاستدلال غير صحيح؛ إذ لا توجد رواية تثبت أنهم رأوا هذه الآثار ثم تركوا هدمها مع قدرتهم على ذلك.

● كما أن عدم الهدم قد يكون لعدم العلم بها، أو عدم الوصول إليها، أو عدم القدرة على إزالتها، والأحكام الشرعية منوطة بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

● ثم إن الثابت عن النبي ﷺ والصحابة والسلف أنهم كانوا ينكرون الصور والأوثان عند العلم بها والقدرة على إزالتها، ولذلك لا يصح جعل مجرد عدم هدم أبي الهول دليلًا على إقرار التماثيل أو تعظيمها. 

هل عدم تحطيم الصحابة لأبي الهول دليل على إقرار التماثيل؟

الاستدلال بعدم تحطيم الصحابة لأبي الهول أو غيره من الآثار يحتاج أولًا إلى إثبات أن الصحابة رأوا هذه الآثار، وعلموا بوجودها، ثم تركوا هدمها مع قدرتهم على ذلك؛ وهذه المقدمة لا دليل عليها.

✅ بل هناك عدة أوجه تبين ضعف هذا الاستدلال:

1- لا يثبت أن الصحابة رأوا أبا الهول وسائر الآثار

ففتح الصحابة لمصر لا يعني وصولهم إلى كل أرض فيها، ولا يعني علمهم بكل ما كان موجودًا فيها من آثار، ولا سيما ما كان مدفونًا أو مغمورًا بالرمال،

وقد كانت بعض الآثار التي نعرفها اليوم غير ظاهرة في العصور السابقة.

● فمعبد أبو سمبل مثلًا، وهو من أكبر معابد الفراعنة، كان مغمورًا بالرمال إلى ما قبل قرن ونصف تقريبًا، وأكثر التماثيل الموجودة في المتاحف المصرية اليوم لم تُكتشف إلا في العصور المتأخرة.

★ وقد سُئل الزركلي- عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟ فقال: «كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول». انظر:«شبه جزيرة العرب» (4/1188).

★ وذكر المقريزي (ت 845هـ): أن أبا الهول كان مغمورًا بالرمال في زمانه، ولم يكن يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط، بخلاف حاله اليوم. انظر:«الخطط للمقريزي» (1/122).

✔ فلا يصح أن يقال: «الصحابة دخلوا مصر، إذن لا بد أنهم رأوا جميع آثارها»،

لأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل، فعدم النقل ليس نقلًا للعدم، ولأن فتح بلد لا يعني الوصول إلى كل موضع فيه، ولا العلم بكل ما هو مدفون أو مستور فيه.

2- حتى لو افترضنا أنهم رأوها، فلا يلزم أنهم كانوا قادرين على هدمها

على سبيل التنزل، لو افترضنا أن الصحابة رأوا بعض هذه الآثار، فلا يلزم من ذلك أنهم كانوا قادرين على هدمها.

بعض هذه الآثار والمنشآت ضخم جدًا، وهدمها يحتاج إلى قدرة ووسائل كبيرة، والأحكام الشرعية منوطة بالاستطاعة- قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

✅ ومن الأدلة على صعوبة هدم المنشآت الضخمة أن بعض الخلفاء في العصور المتأخرة حاولوا هدم بعض الآثار وعجزوا عن ذلك.

★ قال المقريزي- عن الأهرام: « وقرأ بعض بني العباس على أحدهما: إني قد بنيتهما فمن كان يدّعي قوّة في ملكه فليهدمها، فالهدم أيسر من البنيان،

فهمّ بذلك وأظنه المأمون أو المعتصم، ‌فإذا ‌خراج ‌مصر لا يقوم به يومئذ». انظر:«المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (1/215).

★ وقال ابن خلدون: «نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها مع أن الهدم أيسر من البناء بكثير». انظر:«تاريخ ابن خلدون» (1/431).

★ وقال أيضًا- في شأن المأمون ومحاولته هدم الأهرام: «وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جو بين الحائط والظاهر وما بعده من الحيطان». انظر:«تاريخ ابن خلدون» (1/432).

★ وقال أيضا- في شأن إيوان كسرى: «عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه وشرع فيه ثم أدركه العجز». انظر:«تاريخ ابن خلدون» (1/221).

 فإذا كان بعض الخلفاء بعد ذلك بقرون، مع ما توفر لهم من إمكانات أكبر، لم يستطيعوا هدم بعض هذه المنشآت، فلا يصح الجزم بأن الصحابة كانوا قادرين على هدم كل ما كان موجودًا منها.

✅ وقد يُستأنس على صعوبة هدم التماثيل الضخمة: بأن تماثيل بوذا في أفغانستان، مع استعمال وسائل حديثة، لم يكن تحطيمها أمرًا سهلًا.

 فكيف يُجزم بأن الصحابة، منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، كانوا قادرين على هدم كل تمثال أو بناء ضخم وجدوه؟

3- الثابت عن الصحابة والسلف أنهم كانوا ينكرون الصور والأوثان عند العلم بها والقدرة عليها

إذا ثبت أن الصحابة علموا بوجود صورة أو وثن، وقدروا على إزالته، فالثابت عنهم إنكاره وإزالته، لا تعظيمه وإقراره.

▣ ففي صحيح مسلم- عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته».

▣ وثبت عن عثمان رضي الله عنه: أنه هدم بيت غمدان بصنعاء.

▣ وروى البيهقي- بإسناد صحيح: عن أبي مسعود رضي الله عنه: أن رجلًا صنع له طعامًا فدعاه، فقال: «أفي البيت صورة؟» قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل. «السنن الكبرى» (7/438).

▣ وروى ابن أبي شيبة- عن محمد بن سيرين: «أنه كان لا يُترك لأهل فارس صنم إلا كُسر، ولا نار إلا أُطفئت». «المصنف» (6/468)، رقم (32988).

★ وقد جرى الفقهاء كذلك على هذا الأصل، فقال السرخسي: «ولو وجدوا في الغنائم صليبا من ذهب أو فضة أو تماثيل، أو دراهم، أو دنانير فيها التماثيل،

فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك كله». انظر:«شرح السير الكبير» (3/1052).

▣ وذكر المسعودي: أن بيتًا كان بأنطاكية من أرض الشام يُعظَّم وتُقرَّب فيه القرابين، فلما جاء الإسلام خُرّب، وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر. انظر:«مروج الذهب» (2/258).

 وهذا يبين أن مجرد وجود شيء من الآثار أو الأصنام في بلاد المسلمين لا يعني أن الصحابة والسلف كانوا يرون بقاءها وتعظيمها أمرًا مشروعًا، بل كانوا ينكرون ما علموا به وتمكنوا من إزالته.

4- النصوص النبوية الثابتة لا تُترك لمجرد احتمال في فعل الصحابة

ثبت عن النبي ﷺ الأمر بإزالة الصور والتماثيل.

✅ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل...

فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة... ففعل رسول الله ﷺ»(صحيح أبي داود-رقم: (4158)).

✅ وعن جابر رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمن الفتح... أن يأتي الكعبة، فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها»(صحيح أبي داود- رقم:(٤١٥٦)).

✔ فكيف يُترك هذا الثابت لمجرد القول: إن الصحابة لم يحطموا أبا الهول؟

✔ فالقول بذلك: يحتاج إلى إثبات أن الصحابة رأوه، وعلموا بحقيقته، وقدروا على هدمه، ثم تركوه إقرارًا له، وهذه أمور لم تثبت.

5- حتى لو ثبت أنهم رأوا بعض التماثيل ولم يهدموها، فلا يلزم من ذلك إقرار تعظيمها

وهذه نقطة مهمة في محل النزاع، لأن هدم التماثيل وإزالتها يتعلق بالقدرة والاستطاعة، بينما إنكار المنكر بالقلب وعدم الرضا به أمر آخر، قال النبي ﷺ: «فإن لم يستطع فبقلبه...». رواه مسلم.

✔ فمجرد عدم الهدم لا يدل على الإقرار أو التعظيم، ومن أراد الاستدلال بفعل الصحابة فعليه أولًا أن يثبت أنهم رأوا تلك التماثيل، وعلموا بها، وتمكنوا من إزالتها، ثم تركوا هدمها؛

وإلا فلا يصح أن يُنسب إليهم الإقرار بمجرد السكوت عن أمر لم تثبت هذه المقدمات فيه.

خلاصة المنشور:

◄ لا توجد رواية تثبت أن الصحابة رأوا أبا الهول ثم أقروه وتركوا هدمه.
◄ فتح مصر لا يعني وصولهم إلى كل موضع فيها أو علمهم بكل آثارها، خاصة أن كثيرًا من الآثار كان مغمورًا بالرمال.
◄ حتى لو ثبت أنهم رأوا بعض الآثار، فلا يلزم أنهم كانوا قادرين على هدمها؛ فبعض المنشآت ضخمة جدًا، وقد عجز خلفاء متأخرون عن هدم بعضها، والأحكام منوطة بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
◄ الثابت عن النبي ﷺ والسلف إنكار الصور والأوثان وطمسها وإزالتها عند العلم بها والقدرة عليها.
◄ لذلك فعدم هدم أثر معين لا يعني إقراره، فضلًا عن تعظيمه أو اتخاذه مزارًا.
◄ فلا يصح الاستدلال بعدم تحطيم الصحابة لأبي الهول على جواز تعظيم التماثيل أو إقرارها.


والله اعلم



لماذا لم يحطم الصحابة أبو الهول والتماثيل في مصر؟
أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات