">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

هل تُكفّر آية التوبة وحديث «فمن تركها فقد كفر» تارك الصلاة؟


✅ الجواب باختصار: لا تدل هذه النصوص بمجردها على كفر تارك الصلاة كسلًا مع إقراره بوجوبها؛ فآية التوبة لا يلزم منها نفي أصل الإسلام،

ولفظ «الكفر» في الحديث لا يلزم أن يكون المراد به الكفر الأكبر، بل يجب فهم النصوص في ضوء بقية الأدلة وجمعها.

▣ فقد استدل القائلون بتكفير تارك الصلاة بعدة نصوص، ومن أبرزها: آية من سورة التوبة، وحديث «فمن تركها فقد كفر».

وفيما يلي مناقشة هذين الدليلين، وبيان وجه الاستدلال بهما والجواب عنه.

أولًا: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.[التوبة: 11].

وجه الإستدلال: قالوا إن الآية تشترط إقامة الصلاة لإثبات الأخوة الدينية، ومن لم يقم بها فلا يعد أخًا لنا في الدين.

الرد على هذا الإستدلال

1- ذكر الصلاة والزكاة معًا: الآية ذكرت الصلاة والزكاة معًا، ومع ذلك دلت نصوص أخرى على أن تارك الزكاة لا يُكفَّر بمجرد تركها.

قال ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها...» ثم ذكر في آخر الحديث: «حتى يُقضى بين العباد، فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». رواه مسلم.

◄ فكون تارك الزكاة قد يرى سبيله إلى الجنة يدل على أنه لا يُحكم بكفره لمجرد ترك أداء الزكاة،

وهذا يبيّن أن مفهوم آية التوبة لا يُحمل على التكفير بمجرد ترك أحد المذكورات فيها، بل يُنظر في ذلك إلى مجموع النصوص وأدلتها.

2- تعارض مفهوم الآية مع منطوق النصوص الأخرى: أن مفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. [التوبة: 11]،

قد يُفهم منه أن من ترك شيئًا من هذه الأمور الثلاثة فليس أخًا لنا في الدين.

● لكن هذا المفهوم لا يُقدَّم على منطوق النصوص الأخرى الدالة على أن ترك الصلاة لا يستلزم الخروج من الإسلام؛ لأن المنطوق مقدَّم على المفهوم عند التعارض، ولا يُترك المنطوق الصريح لمفهوم محتمل.

◄ فكما لا يُكفَّر تارك الزكاة، ويُقدَّم منطوق حديث: «ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار» فيمن ترك حق الزكاة، على مفهوم هذه الآية،

فكذلك لا يُحكم بكفر تارك الصلاة بمجرد مفهوم هذه الآية مع وجود النصوص التي تدل على عدم كفره.

3- المقصود بنفي الأخوة قد يكون كمال الأخوة: فقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يدل على ثبوت الأخوة في الدين، 

وأما جعلُ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرطًا لأصل الأخوة، فلا يلزم من ذكرهما في الآية نفيُ أصل الأخوة عمن تركهما، بل يمكن أن يكون المراد بنفي الأخوة هنا نفي كمالها، لا نفي أصل الإسلام.

● وعلى هذا، فالمقصود أن من أتى بما أوجب الله عليه كان أخًا لنا في الدين أخوة كاملة، وأما من ترك واجبًا مع بقائه على أصل الإيمان، فإنه تنقص أخوته بقدر ما ترك من الواجبات.

● ومما يؤيد حمل النصوص التي تنفي الأخوة أو الإيمان على نفي الكمال،

أن عصاة الموحدين لا يلزم من معاصيهم الخروج من الإسلام ولا الخلود في النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. [النساء: 48].

وقد بيّن الشيخ الألباني رحمه الله هذا المعنى، فقال:

" جوابي من ناحيتين: أن الإخوة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا كانت الإخوة المنفية هنا بسبب ترك ما فرض الله هي الإخوة العامة فكلامهم صحيح، 

لكن هذا ليس عليه دليل يُلْزِمُ المخالفين لهذا الرأي بقولهم؛ 

لاحتمال أن تكون الإخوة المنفية هي الإخوة الخاصة، وهذا لا بد لهم من أن يتبنوه، وهذه من الحجج القوية".

▣ ثم بيّن رحمه الله- أن هذا الإشكال يظهر عند التفريق بين تارك الصلاة وتارك الزكاة، فقال:

" لأنهم يفرقون بين تارك الصلاة وتارك الزكاة، من حيث أن تارك الزكاة ما يقطعون بكفره وردته كما يفعلون بالنسبة لتارك الصلاة، 

وقد ذكر مع ترك الصلاة ترك الزكاة، فما كان جوابهم، هذا الجواب جدلي، لكنه صحيح، وقد قدمنا الجواب العلمي، فما كان جوابهم عن تارك الزكاة هو جوابهم عن تارك الصلاة".

▣ وبيّن رحمه الله- أن الأخوة المنفية يمكن أن تكون أخوة الكمال، كما في النصوص التي تنفي الإيمان أو الدين عن بعض أهل المعاصي، فقال:

" نحن [لا ينبغي] أن نقول: أن المقصود فقط الجملة الأولى، وهي التوبة، وإنما التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، المجموعة هذه، إذا انتفت يساوي نفي الإخوة، 

لكن هذه الإخوة المنفية هذه هي إخوة مطلقة أي : فهم مشركون كما كانوا من قبل أم بقدر ما ينقصون تنقص الإخوة، 

فبيكون المنفي إخوة الكمال كنفي «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»، نفي الكمال وليس نفي الصحة ".

▣ ثم سُئل الشيخ الألباني رحمه الله- عن الأحاديث التي جاء فيها: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، وأن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، فقال:

" طبعاً، كفر دون كفر، حَلَّها ابن عباس رضي الله عنه".

▣ وسُئل أيضًا- عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، وأن «الحظ» نكرة في سياق النفي، فيكون عامًا، فقال الشيخ الألباني رحمه الله:

" ...لكن هذا حينما لا يكون هناك أدلة تضطرنا إلى تقييد هذه الدلالة، وإلا إذا أخذنا لا إيمان ولا يدخل الجنة و.. و.. ونحو ذلك من العبارات هذه، خرجنا بمذهب الخوارج، 

لكن حينما يضم إلى مثل هذا النص لا سيما وهو موقوف، وليس بمرفوع،

إذا ضم إليه الأحاديث التي فيها إثبات الإيمان لمن يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه ينجو من الخلود في النار، 

حينئذ نضطر أن نقول أن هذا الاصطلاح العلمي الفقهي من حيث أن هذا نكرة منفية وهي تفيد الشمول، هذا إذا نظرنا نظرة خاصة بهذا النص، 

أما إذا نظرنا إلى الأدلة الأخرى فحينئذ نقول: لا حظ كمثل قولنا في لا إيمان ولا دين ونحو ذلك، أي : لا حظ كاملاً كما قلنا أيضاً في الإخوة لا إخوة كاملة"... انتهى من «الهدى والنور» (31/140،).

ثانيًا: الإستدلال بحديث «فمن تركها فقد كفر»

✅ قال النبي ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». رواه النسائي.

وجه الاستدلال: قالوا أن الحديث يدل على أن تارك الصلاة كافر، وأن الصلاة هي العلامة الفارقة بين المسلمين وغيرهم.

الرد على هذا الإستدلال

1- الكفر في الحديث لا يلزم أن يكون كفرًا مخرجًا من الملة.

● لفظ الكفر في النصوص الشرعية لا يلزم أن يكون المراد به دائمًا الكفر الأكبر المخرج من الإسلام، بل قد يأتي بمعنى الكفر العملي أو الكفر الأصغر.

ومن ذلك قول النبي ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت».رواه مسلم. وقوله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». متفق عليه.

● ومعلوم أن المراد بالكفر في هذه النصوص ليس الخروج من الإسلام.

✔ وعليه، فلا بد من النظر في بقية الأدلة قبل حمل كل لفظ للكفر على الكفر الأكبر.

2- التفريق بين الكفر الاعتقادي والعملي

من المهم هنا التفريق بين من أنكر وجوب الصلاة، وبين من أقر بوجوبها لكنه تركها كسلًا وتهاونًا.

◄ فالأول يختلف حكمه عن الثاني؛ لأن إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة أمر آخر غير ترك الواجب مع الاعتراف بوجوبه، قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}.[القلم: 35].

قال الشيخ الألباني رحمه الله :

... مسلم يؤمن بالصلاة وبكل ما جاء في الإسلام، فهو خالف الكافر في عقيدته، لكنه شابه الكافر في عمله، فهو لا يصلي، فلذلك لما قال عليه السلام: ( فمن ترك الصلاة فقد كفر ) أي عمل عمل الكفار،

فالكفار أولاً: بنص القرآن، وثانيا: بمشاهدة الواقع، لا يصلون، لأنهم لا يؤمنون بالصلاة، ولا يؤمنون بالإسلام كله،

أما هذا المسلم التارك للصلاة ليس كذاك من حيث العقيدة، ولذلك جاء الاستدلال بالآية السابقة في محله: 

(( أفنجعل المسلمين )) هذا مسلم (( كالمجرمين )) أولئك مجرمون كفار كيف تحكمون ؟! فكيف تحكمون ؟!

 هذا لا يجوز للمسلم أن يسوي بين الكافر كفرا اعتقاديا وعمليا ، وبين ملسم يؤمن ويكفر عمليا ، لا يستويان مثلا ، 

ولذلك فمعنى الحديث واضح جدا ( من ترك الصلاة فقد كفر ) كفرا عمليا، بس أنت احفظ هالكلمة هاي تنجو من البلبلة والقلقلة. انظر:(فتاوى عبر الهاتف والسيارة-(186)).

وقال أيضا رحمه الله :

قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، يقول الله: 

« شفعت الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الرحمين » فيقول : « أخرجوا من لم يعمل خيراً قط ».

فمثل هذا الحديث حينئذٍ يوجب علينا أن نُجْري عملية تصفية على هذه الآثار التي تُرْوَى عن السلف في تكفير تارك الصلاة، 

فما كان منها غير ثابت: استرحنا منها، ولا نُوْجِد تعارضاً بينها وبين الأحاديث الدالة على أن تارك الصلاة تركاً غير مقرون بالجحد إنه لا يكفر، ولا يرتد عن الدين،

 وما كان منها ثابتاً: تأولناه كما نتأول الأحاديث المرفوعة التي تُرْوَى عن النبي - ﷺ -، والتي يتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه ليس مُسْلِماً.

كالحديث المعروف مثلاً في صحيح مسلم وغيره: « من ترك الصلاة فقد كفر »... انظر:«الهدى والنور /350/ 5». و«الهدى والنور /351/ 45».

خلاصة المنشور:

▪️ آية التوبة ذكرت الصلاة والزكاة معًا، ومجرد ترك الواجب لا يلزم منه الكفر الأكبر.

▪️ قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ لا يلزم أن يكون نفيه نفيًا لأصل الإسلام، بل قد يكون المراد نفي كمال الأخوة.

▪️ لا يصح معارضة النصوص الصريحة بمفهوم محتمل.

▪️ حديث «فمن تركها فقد كفر» يجب أن يُفهم في ضوء بقية النصوص الواردة في الباب، ولا يلزم من إطلاق لفظ «الكفر» إرادة الكفر الأكبر.

◄ تابع الجزء الثاني: هل يدل أثر ابن شقيق على إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة؟


والله اعلم

هل تُكفّر آية التوبة وحديث «فمن تركها فقد كفر» تارك الصلاة؟
أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات