القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

هل يصح زواج الصغيرة التي لم تبلغ



لا يصح تزويج الصغيرة التي لم تبلغ لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام : « لا تنكح البكر حتى تستأذن » وهذه بكر فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان ثم تستأذن .

وهو قول : ابن شبرمة، وعثمان البتي، وأبو بكر الأصم واختاره العثيمين فقالوا بأنه لا يزوج الصغير ولا الصغيرة حتى يبلغا لقوله تعالى : (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ). {النساء:6} .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال : لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله : وكيف إذنها ؟ قال : أن تسكت ". متفق عليهولا يتأتى الإذن تصريحاً أوتلميحاً أو استلهاماً من السكوت إلا من راشدة وكبيرة والصغيرة ناقصة أو فاقدة أهلية فأنى لنا أن نستأذنها أو لإذنها أن يكون معتبراً !! .

قال المعلمي اليماني رحمه الله :

( ولا تنكح البكر حتى تستأذن ) إذ معناه حتى يطلب منها الإذن فتأذن والصغيرة إنما يصدق عليها شرعاً أنها أذنت بعد بلوغها فيلزم منه : لا تنكح الصغيرة حتى تبلغ فتُستأذن فتأذن ... ولكنهم حاولوا بذلك إخراجها من الحديث وهو مردود لدخولها في عموم البكر وعدم صحة استئذانها وإذنها في حال الصغر لا يكفي في إخراجها لأن استئذانها وإذنها ممكن بعد أن تبلغ .. انتهى من ( الآثار 24-ص114)

وقال ابن حزم رحمه الله :

قال ابن شبرمة : لا يجوزُ إنكاحُ الأبِ ابنَتَه الصغيرةَ حتى تبلُغَ وتأذَنَ .اه ((المحلى)) (9/38). 

وذكر السرخسي في (المبسوط) تعليلهم في ذلك فقال :

 فلو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، ولأن ثبوت الولاية على الصغيرة لحاجة المولى عليه، حتى إن في ما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات، ولا حاجة بهما إلى النكاح؛ لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة، وشرعا النسل، والصغر ينافيهما، ثم هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمهما ذلك إذ لا ولاية لأحد عليهما بعد البلوغ . اهـ.

وذكر النووى رحمه الله :

 أن أهل العراق قالوا : إذا بلغت الصغيرة فلها الخيار فى فسخ الزواج .اه ((شرح النووي على مسلم)) (9/206).

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله :

وأما من دون تسع سنين

 فهل يعتبر إذنها ؟

 يقولون : من دون تسع سنين ليس لها إذن معتبر لأنها ما تعرف عن النكاح شيئاً ، وقد تأذن وهي تدري ، أو لا تأذن ، لأنها لا تدري ، فليس لها إذن معتبر ، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال ؟

 نقول :

 الأصل عدم الجواز لقول النبي عليه الصلاة والسلام :" لا تنكح البكر حتى تستأذن " . وهذه بكر فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان ثم تستأذن

لكن ذكر بعض العلماء الإجماع على أن له أن يزوجها ، مســتدلين بحديث عائشــة رضي الله عنها ، وقد ذكرنا الفرق .

وقال ابن شبرمة من الفقهاء المعروفين : لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً؛ لأننا إن قلنا بشرط الرضا فرضاها غير معتبر، ولا نقول بالإجبار في البالغة فهذه من باب أولى، وهذا القول هو الصواب، أن الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى .

 لكن لو فرضنا أن الرجل وجد أن هذا الخاطب كفء، وهو كبير السن، ويخشى إن انتقل إلى الآخرة صارت البنت في ولاية إخوتها أن يتلاعبوا بها، وأن يزوِّجوها حسب أهوائهم، لا حسب مصلحتها، فإن رأى المصلحة في أن يزوجها من هو كفء فلا بأس بذلك، ولكن لها الخيار إذا كبرت؛ إن شاءت قالت : لا أرضى بهذا ولا أريده

وإذا كان الأمر كذلك فالسلامة ألا يزوجها، وأن يدعها إلى الله ـ عزّ وجل ـ فربما أنه الآن يرى هذا الرجل كفئاً ثم تتغير حال الرجل، وربما يأتي الله لها عند بلوغها النكاح برجل خير من هذا الرجل؛ لأن الأمور بيد الله ـ سبحانه وتعالى . اهـ.  (الشرح الممتع على زاد المستقنع [ 12 / 54 – 60 ])

وأما استدلال الجمهور بقول الله تعالى (( وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ )) على جواز تزويج الصغيرات .

قال المعلمي اليماني رحمه الله :

 (( أما الآية ففي دلالتها على صحة زواج الصغار نظر وذلك أن قوله ( وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) يصدق على اللائي لم يحضن لعلة مع أنهن بالغات وعلى اللائي لم يحضن لصغرهن فليست خاصة بالصغار . 

فإن قيل : نعم ولكنها تعمهن ،

قلت : العموم هنا مقيد بكونهن أزواجاً ، لأن المعنى : وَاللَّائِي لم يحضن من نسائكم المطلقات فلا تعم الا اللائي لم يحضن وهن أزواج ، فمعنى الآية : أن كل من لم تحض من أزواجكم عدتها ثلاثة أشهر ولا يلزم من هذا أن كل من لم تحض يصح أن تكون زوجة كما تقول : كل طويل من بني تميم شريف فلا يلزم منه أن كل طويل من الناس يمكن أن يجعل من بني تميم فتأمله فإنه دقيق !

ثم لو فرض أن الآية تدل بعمومها على صحة زواج الصغار فللمخالف أن يقول هي مخصصة بقوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تنكح البكر حتى تستأذن ) إذ معناه : حتى يطلب منها الإذن فتأذن ... )). انتهى من ( الآثار 24-ص114)

وقال أيضا رحمه الله :

وعلى كل حال فليس بيد الجمهور دليل على صحة زواج الصغيرة الا الإجماع ولم يثبت إجماع إذا عرفنا الإجماع بما كان يعرفه به الشافعي وأحمد بل غايته أنه قول لم يعرف له مخالف قبل ابن شبرمة والشافعي وأحمد لا يعتبران مثل هذا إجماعاً تردُّ به دلالة السنة فمذهب ابن شبرمة قوي والله أعلم . انتهى من ( الآثار 24- ص 116)

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله في شرحه على البخاري :

الشاهد في هذا الباب قوله تعالى ((واللائي لم يحضن))، يعني : اللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، ولا عدة إلا بعد نكاح، والتي لم تحض على حسب استدلال البخاري رحمه الله تعالى- هي التي لم تبلغ، أي : صغيرة .

ولكن قد يقال : إن البلوغ ليس علامته الحيض فقط، فقد تبلغ بخمس عشرة سنة وتُزوَّج، ولا يأتيها الحيض، فهذه عدتها ثلاثة أشهر، فلهذا استدلال البخاري –رحمه الله تعالى- فيه نظر، لأنه ما يظهر لنا أنها تختص بمن لا تحيض، فإنه يمكن أن تبلغ بتمام خمس عشرة، بالإنبات، أو بالإنزال كما هو معروف....... الحاصل أن الاستدلال بالآية ليس بظاهر .

 أما الاستدلال بحديث عائشة – رضي الله عنها- أن أبا بكر زوجها ولها ست سنين، ودخل عليها النبي –صلى الله عليه وسلم – ولها تسع سنين، فهذا صحيح أن فيه أن تزويج الرجل أولاده الصغار، 

ولكن قد يقال : متى يكون الزوج كالرسول –صلى الله عليه وسلم -، ومتى تكون البنت عائشة.

أما أن يأتي إنسان طمّاع لا همّ له إلا المال، فيأتيه رجل ما فيه خير، ويقول زوجني بنتك، وهي عنده ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، ما بلغت بعد، ويعطيه مائة ألف، فيزوجه إياها ويقول : الدليل على ذلك أن أبا بكر- رضي الله عنه – زوّج عائشة النبيَّ.

نقول : هذا الاستدلال بعيد ما فيه شك، وضعيف، لأنه لو ما أعطاك المائة ألف ولا أعطاك كذا وكذا، ما زوجته، ولا استدللت بحديث عائشة وتزويج أبي بكر للنبي –صلى الله عليه وسلم- إياها فالمسألة عندي أن منعها أحسن،

وإن كان بعض العلماء حكى الإجماع على جواز تزويج الرجل ابنته التي هي دون البلوغ، ولا يعتبر لها إذن، لأنها ما تعرف مصالحها.

وبعضهم قال : هذا خاص بمن دون التسع.

فالذي يظهر لي أنه من الناحية الانضباطية في الوقت الحاضر، أن يُمنع الأبُ من تزويج ابنته مطلقا، حتى تبلغ وتُستأذن، وكم من امرأة زوّجها أبوها بغير رضاها، فلما عرفت وأتعبها زوجها قالت لأهلها : إما أن تفكوني من هذا الرجل، وإلا أحرقت نفسي، وهذا كثير ما يقع، لأنهم لا يراعون مصلحة البنت، وإنما يراعون مصلحة أنفسهم فقط، فمنع هذا عندي في الوقت الحاضر متعين، ولكل وقت حكمه.

ولا مانع من أن نمنع الناس من تزويج النساء اللاتي دون البلوغ مطلقا،

 فها هو عمر – رضي الله عنه – منع من رجوع الرجل إلى امرأته إذا طلّقها ثلاثا في مجلس واحد، مع الرجوع لمن طلّق ثلاثا في مجلس واحد كان جائزا في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر وسنتين من خلافته، والراجح أنها واحدة.

ومنع من بيع أمهات الأولاد – فالمرأة السُّرِّيَّة عند سيدها إذا جامعها وأتت منه بولد صارت أم ولد – في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، كانت تباع أم الولد، لكن لما رأى عمر أن الناس صاروا لا يخافون الله، ويفرِّقون بين المرأة وولدها، منع –رضي الله عنه – من بيع أمهات الأولاد .

وكذلك أيضا : أسقط الحد عن السارق في عام المجاعة العامة.

وأما قول ابن حزم : أن زواج النبي –صلى الله عليه وسلم – من عائشة هو من خصائصه –صلى الله عليه وسلم – فله وجه، ولكن الأصل عدم الخصوصية، ولكن يُرَشِّحُ هذا القول أن الرسول –صلى الله عليه وسلم – خُصَّ بأشياء كثيرة في باب النكاح . انتهى كلامه رحمه الله 

وقال أيضا رحمه الله :

بعضهم حكى الإجماع على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة بدون رضاها، لأنه ليس لها إذن معتبر، وهو أعلم بمصالحها، ولكن نقل الإجماع ليس بصحيح، فإنه قد حكى ابن حزم عن ابن شبرمة أنه لا يصح أن يزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن؛ وهذا عندي هو الأرجح،

 والاستدلال بقصة عائشة فيه نظر، ووجه النظر أن عائشة زُوِّجت بأفضل الخلق –صلى الله عليه وسلم- وأن عائشة ليست كغيرها من النساء، إذ أنها بالتأكيد سوف ترضى وليس عندها معارضة، ولهذا لمّا خُيرت –رضي الله عنها- حين قال لها النبي – صلى لله عليه وسلم -: ( لا عليك أن تستأمري أبويك )؛ فقالت : إني أريد الله ورسوله، ولم ترد الدنيا ولا زينتها.

ثم إن القول بذلك في وقتنا الحاضر يؤدي إلى مفسدة كما أسلفنا سابقا، لأن بعض الناس يبيع بناته بيعا، فيقول للزوج : تعطيني كذا، وتعطي أمها كذا! وتعطي أخاها كذا!، وتعطي عمها كذا! ... إلى آخره. 

وهي إذا كبرت فإذا هي قد زُوجت فماذا تصنع؟!!

وهذا القول الذي اختاره ابن شبرمة ولا سيما في وقتنا هذا، هو القول الراجح عندي، وأنه يُنتظر حتى تبلغ ثم تُستأذن  .

فعائشة –رضي الله عنها – تزوجها الرسول –صلى الله عليه وسلم – وهي بنت ست سنين، يعني قبل أن تبلغ سنّ التمييز، وتوفي عنها بعد تسع سنين، حيث توفي الرسول –صلى الله عليه وسلم – في السنة الحادية عشرة من الهجرة فهذه تسع سنوات.

إذاً توفي عنها ولها ثماني عشرة سنة، ومع ذلك أدركت هذا العلم العظيم الذي ورثته الأمة من بعدها . انتهى من " شرح صحيح البخاري الشريط السابع في كتاب النكاح "


والله اعلم

وللفائدة..



هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات