القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

 هذا القول باطلٌ وهو من كلام أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سار في ركابهما والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة : أنَّ الله سبحانه في السماء مستو على عرشه بذاته فوق جميع خلقه وهو ليس داخل العالم بل منفصل وبائن عنه وعلمه في كلِّ مكان .

فهو سبحانه وتعالى لا يحويه شيء من هذه المخلوقات ولا يحتاج إلى شيء منها بل هو خالقها والقيوم عليها وأن النصوص التي تصف الله تعالى بأنه ( في السماء ) تعني أنه سبحانه عالٍ على خلقه ولا تعني أنه عز وجل تحويه السماء وتحيط به وذلك لأن السماء هنا بمعنى العلو وليست السماء المخلوقة أو يقال بأن حرف الجر ( في ) هنا بمعنى : على  أي : على السماء .

 ودل على ذلك

 الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع سلف الأمة. 

قال عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ .[الأعـرَاف: 54].

 * ومن أدلة الكتاب ما يصرح بالصعود والعروج إليه، والصعود لا يكون إلا لعلو، قال تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب }.(فاطر: 10) . وقال تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه }.(المعارج:4) والعروج الصعود .

قال البغوى فى تفسيره : ( إليه ) أي : إلى الله ( يصعد الكلم الطيب ) وهو قوله لا إله إلا الله ، وقيل : هو قول الرجل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .انتهى

ومنها ما يصرح بالرفع إليه، قال تعالى : { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي }.(آل عمران: 55 ). وقال تعالى : { بل رفعه الله إليه }.(النساء: 157-158)، وقال - صلى الله عليه وسلم - عن شهر شعبان وقد سئل عن سبب صومه : ( شَهْرٌ ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ). رواه النسائي .

ومن أدلة الكتاب أيضا التصريح بالفوقية : كما في قوله تعالى عن الملائكة : { يخافون ربهم من فوقهم }.(النحل:50)، وكما في قوله : { وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير }.(الأنعام:18).

ومنها التصريح بنزول الملائكة والكتب منه إلى عباده، والنزول لا يكون إلا من علو، قال تعالى : { قل نزله روح القدس }.(النحل: 102) .وقال تعالى : { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }.(الزمر:1) .

ومنها التصريح بأنه في السماء، كما قال تعالى : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير }.(الملك:16-17) . ومعنى { في السماء } أي : على السماء لاستحالة أن تكون السماء ظرفا للخالق ومكانا له .

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله : " وأما قوله تعالى : ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ). الملك/16 فمعناه مَن على السماء يعني على العرش ، وقد يكون في بمعنى على ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ). التوبة/2 أي : على الأرض . وكذلك قوله : ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ). طه/71 " . انتهى. (" التمهيد " (7/130)) .

وقال الإمام اللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" : " فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه . وروى ذلك من الصحابة : عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأم سلمة ومن التابعين : ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل " .انتهى

وقال تعالى : (وهو معكم أينما كنتم ). (الحديد :4 ) . وليس معنى كونه معنا أنه مختلط بالخلق بل هو مع عباده بعلمه ، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم  وأما قوله سبحانه : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ، فقد قال أكثر المفسرين أن المراد هو قربه سبحانه بملائكته الموكّلين بحفظ أعمال العباد . ومن قال المراد بقربه تعالى فسّره بقربه بعلمه ، كما قيل في المعيّة.

قال الامام الطبرى فى تفسيره : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) يقول : وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع. انتهى

وأما الأحاديث النبوية 

قال صلى الله عليه وسلم : يَنْزِل رَبُّنا تَبَارَك وتَعالى كُلّ لَيْلَة إلى السَّمَاء الدُّنيا حِين يَبْقَى ثُلُث الليل الآخِر . رواه البخاري ومسلم .

قال ابن عبد البر : وفي هذا الْحَدِيث دَلِيل على أنَّ الله عَزَّ وَجَلّ في السَّمَاء على العَرْش مِن فَوْق سَبْع سَمَاوَات ، وعِلْمه في كل مكان ، كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَة أهْل السُّـنَّة أهْل الفِقْه والأثَر . وحُجَّتُهم ظَوَاهِر القُرْآن في قَولِه : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) . اهـ (كتاب الاستذكار)

وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : ( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ). رواه البخاري (4351) ومسلم (1064) 

ويقول أيضا : ( ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ). رواه الترمذي (رقم/1924) وقال: حسن صحيح. 

ويقول أيضا : ( لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي ). رواه البخاري (رقم/3194) ومسلم (2751) 

*  وجاء في صحيح البخاري : أن زينب – رضي الله عنها - كانت تفخر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم – فتقول: " زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات ". ومثل هذا القول من زينب لا يقال بالرأي، بل هو مما تلقته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما فهمته من نصوص القرآن .

ومن الأحاديث التي تثبت صفة العلو لله ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (   والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها )

هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة يثبتون علوّ الله على خلقه ومعيّته لعباده وينزهونه تعالى عن الحلول في المخلوقات وأما المعطلة كالجهمية ومن تبعهم فإنهم ينفون علوّه بذاته فوق المخلوقات واستواءه على عرشه ويقولون أنه حالٌ في كل مكان .

وأما إجماع سلف الأمة

1- قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله (150هـ) : "من قال : لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر، قال الله تعالى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى. [طه:5]  فإن قال : أقول : بهذه الآية، ولكن لا أدري أين العرش؟. في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.

 ونذكره من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل من الربوبية والألوهية في شيء .

وروى في الحديث أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال : وجب علي عتق رقبة مؤمنة أفيجزئ أن أعتق هذه؟ فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((أمؤمنة أنت؟)) قالت : نعم. فقال : ((أين الله)) فأشارت إلى السماء فقال : ((أعتقها فإنها مؤمنة)). انتهى .((الفقه الأبسط بشرح أبي الليث السمرقندي)) (ص 16-20)، المطبوع خطأ باسم "الفقه الأكبر" والمنسوب خطأ إلى الماتريدي.

ولفظ الفقه الأبسط بتحقيق الكوثري : "من قال : لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض؟. فقد كفر؟ وكذا من قال : "إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض؟. والله يدعى من أعلى لا من أسفل... وعليه ما روى في الحديث...". ونص أبي حنيفة هذا ذكره غير الحنفية أيضاً بهذا اللفظ وكذا بألفاظ متقاربة فقد رواه شيخ الإسلام : أبو إسماعيل الهروي: (481هـ) وذكره غيره

وفي بعض تلك الألفاظ : "من أنكر الله في السماء فقد كفر"وفي بعضها : "إذا أنكر أنه في السماء أم في الأرض فقد كفر".

وفي لفظ : "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله يقول الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى. [طه:5] ، وعرشه فوق سبع سموات...". انتهى. (ص 49-52)، و ((إشارات المرام)) (ص 197-198).

قلت : "أي أبو مطيع الحكم بن عبدالله البلخي" (199هـ).

فإن قلت : إنه على العرش استوى، ولكنه يقول : "لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال  -  أي الإمام أبي حنيفة  -  هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين...."انظر: ((إثبات صفة العلو للموفق الدين المقدسي)) (ص 116-117)، و ((العلو)) للذهبي (ص 101-102) و ((الحموية)) (ص 51-52)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/47-49)

2- قال الإمام مالك رحمه الله : اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ . (رواه أبو دواد في مسائل الإمام أحمد ص- 263 وصححه الشيخ الالبانى فى مختصر العلو) .فهذا الأثر صريح في إثباته للعلو وتفريقه بين الذات والعلم فخص الذات بالسماء وأما العلم فهو شاملاً كل مكان لا يخفى عليه خافيه .

2- قال الإمام الشافعي رحمه الله ‏:‏ القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما إقرار بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء، وذكر سائر الاعتقاد‏ . ‏انتهى (كتاب : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول)

3- قال الإمام الأوزاعي ت 157 هـ  : " كنا والتابعون متوافرون نقول : ان الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ". انظر: مختصر العلو للذهبي 137 والأسماء والصفات للبيهقي ، وفتح الباري 13/417

4- قال الإمام قتيبة بن سعيد (150-240) هـ  : "هذا قول الائمة في الإسلام والسنة والجماعة : نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه ، كما قال جل جلاله : الرحمن على العرش استوى".

قال الذهبي : فهذا قتيبة في امامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة ،وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد ، والكبار وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه . انظر: مختصر العلو 187 ، درء تعارض العقل والنقل 6/260 ، بيان تلبيس الجهمية 2/37

5- قال الامام المحدث زكريا الساجي ت 307 هـ  : " القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء ". انتهى

قال الذهبي : وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها وعنه اخذ أبو الحسن الاشعري علم الحديث ومقالات أهل السنة. انظر : مختصر العلو 223 ، اجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم 245

6-  قال الإمام أبو نصر السجزي ت 444 هـ  في كتابه الإبانة : " فأئمتنا كسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقــــــــــــون على أن الله سبحانه بذاتــــــه فوق العرش وان علمه بكل مكان وانه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء ". انتهى . انظر : درء التعارض 6/250 ونقل الذهبي كلامه هذا في السير 17/ 656

وقال الذهبي عنه : الإمام العلم الحافظ المجود شيخ السنة أبو نصر .. شيخ الحرم ومصنف الإبانة الكبرى .

7- قال الحافظ أبو نعيم صاحب الحلية (336-430) هـ  في كتاب الاعتقاد له : " طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ومما اعتقدوه : أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة ، لا يزول ولا يحول …. 

وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا : كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة… وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم ، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه ". انتهى.

قال الذهبي : " فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد ، وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع … ذكره ابن عساكر الحافظ في أصحاب أبى الحسن الاشعري". انظر : درء التعارض 6/261 ، الفتاوى 5/ 190 ، بيان تلبيس الجهمية 2/ 40 مختصر العلو 261

8-  قال الإمام ابن خزيمة صاحب الصحيح ت 311 هـ  : من لم يقل بأن الله فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم القي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة . انظر : درء التعارض 6/ 264

قال عنه الذهبي في السير: 14/ 365" الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة ".

9- قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتابه "الاستذكار الجامع لمذاهب الأمصار" تعليقا على حديث الجارية (أين الله) : " فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث ورواته المتفقهون فيه، وسائر نقلته، كلهم يقول ما قال الله تعالى في كتابه : { الرحمن على العرش استوى }. (طه:5)، وأن الله - عز وجل - في السماء وعلمه في كل مكان ". انتهى

10- قال عثمان الدارمي في كتاب النقض على بشر المريسي : قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته .انتهى

وقال أيضا : إن الله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش، ولا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء. انتهى . وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".

11- وقال الإمام القرطبي في تفسيره : وقَد كَان السَّلَف الأول رضي الله عنهم لا يَقُولُون بِنَفْي الْجِهَة ولا يَنْطِقُون بذلك ، بل نَطَقُوا هُم والكَافَّة بِإثْبَاتِها لله تَعالى ، كَمَا نَطَق كِتَابه ، وأخْبَرَتْ رُسُله ، ولم يُنْكِر أحَد مِن السَّلَف الصَّالِح أنه اسْتَوى على عَرْشِه حَقِيقَة ، وخَصّ العَرْش بِذلك لأنه أعْظَم مَخْلُوقَاته ، وإنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الاسْتِوَاء ، فإنه لا تُعْلَم حَقِيقته . قال مالك رحمه الله : الاسْتِواء مَعْلُوم - يَعْنِي في اللغَة – ، والكَيْف مَجْهُول ، والسُّؤَال عن هذا بِدْعَة . انتهى

وأما دعوى أن السماء قبلة للدعاء كالكعبة قبلة للصلاة 

فهو باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه :

 منها : أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة.

 ومنها : أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ، ولذلك تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها، ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلاً عن أنه باطل، فإن العباد مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو.

 ومنها : أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلاً للسماء, مستدبراً للأرض، بل يكون مستقبلاً لبعض الجهات. إلى غيرها من الأوجه. انتهى انظر: ((نقض التأسيس)) – مطبوع – (2/452-464).

والقول بأن الله تعالى بذاته معنا في كل مكان كفر صريح وهذه عقيدة الْجَهْمِيَّة والقَدَرِيَّة والْمُعْتَزِلَة .

 قال الإمام ابن ‏خزيمة رحمه الله : 

من لم يقل بأن الله فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم القي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة . انظر : درء التعارض 6/ 264

 وقال الباقلاني رحمه الله : 

ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، ‏والحشوش، والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق ‏منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يُرغب إليه إلى نحو ‏الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة ‏قائله .انتهى. (كتاب / لإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة) 

قال علي بن الحسن بن شقيق : سألت عبدالله بن المبارك : كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا عز وجل؟ قال : على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية : إنه ها هنا في الأرض. انتهى . (السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل جـ 1 صـ 111 رقم: 22).

قال القرطبي رحمه الله فى تفسيره :

 وقالت الجهمية والقدرية والمعتَزِلة : هو بِكُلّ مَكان ، تَمَسُّكًا بِهَذِه الآيَة ومَا كان مِثْلها ؛ قالوا : لَمَّا قَال : (وَهُوَ مَعَهُمْ ) ثَبَت أنه بِكُلّ مَكان ، لأنه قد أَثْبَت كَوْنه معهم - تعالى الله عن قَولهم - فإنَّ هذه صِفَة الأجْسَام ، والله تعالى مُتَعَال عن ذلك . ألا تَرَى مُنَاظَرة بِشْر في قَول الله عَزَّ وَجَلّ : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) حين قال : هو بِذَاتِه في كُلّ مَكان ، فقال له خَصْمُه : هو في قُلُنْسُوتِك ، وفي حَشْوك ، وفي جَوْف حِمَارِك ؟ - تعالى الله عما يقولون - حَكى ذلك وكيع رضي الله عنه " . انتهى

قال ابن تيمية رحمه الله :

" السلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا " إنه فوق العرش ، وإنه في السماء فوق كل شيء " لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء سبحانه وتعالى عن ذلك ، بل هو فوق كل شيء ، وهو مستغن عن كل شيء ، وكل شيء مفتقر إليه، وهو عالٍ على كل شيء ، وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته ، وكل مخلوق مفتقر إليه ، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق .

وما في الكتاب والسنة من قوله : ( أأمنتم من في السماء ) ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن " السماء " هي نفس المخلوق العالي ، العرش فما دونه ، فيقولون : قوله ( في السماء ) بمعنى " على السماء " ، كما قال : ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي : على جذوع النخل ، وكما قال: ( فسيروا في الأرض ) أي : على الأرض . ولا حاجة إلى هذا ، بل " السماء " اسم جنس للعالي ، لا يخص شيئا ، فقوله : ( في السماء ) أي : في العلو دون السفل .

وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو ، وهو ما فوق العرش ، وليس هناك غيره العلي الأعلى سبحانه وتعالى ". انتهى. (" مجموع الفتاوى " (16/100-101) )

 وقال ابن القيم رحمه الله :

فحصروه في الآبار والسجون والأنجاس والأخباث ، وعَوَّضُوه بهذه الأمكنة عن عَرشه المجيد . فليتأمل العاقل لعب الشيطان بعقول هذا الخلق ، وضحكه عليهم ، واستهزائه بهم . اهـ . (كتاب : هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

فالذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك، وأنه سبحانه فوق العرش في العلو قد استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته، كما قال تعالى : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. [غافر:12] قال سبحانه : وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. [البقرة:255] قال سبحانه : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. [المعارج:4] قال سبحانه : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. [فاطر:10] إلى آيات كثيرة تدل على علوه سبحانه، وأنه فوق العرش، فوق جميع الخلق، وهذا قول أهل السنة والجماعة، وهو الذي جاءت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- جميعًا، وهو الذي دل عليه القرآن العظيم، ودلت عليه سنة الرسول ﷺالمتواترة، وأجمع عليه المسلمون، الصحابة ومن بعدهم، ومن زعم أن الله في كل مكان فقد كفر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله، ومكذب لجماعة المسلمين .

فالواجب على كل من يعتقد هذا الاعتقاد أن يتوب إلى الله، وأن يقلع عن ذنبه العظيم، وأن يؤمن بأن الله سبحانه في العلو فوق العرش فوق جميع الخلق -جل وعلا .انتهى (فتاوى نور على الدرب)

وقال أيضا رحمه الله :

قال عزَّ وجلَّ : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾. [الأعـرَاف: 54]، وكرر ذلك سبحانه في ستِّ آياتٍ أخرى من كتابه العظيم.

ومعنى الاستواء عند أهل السنة : هو العلو والارتفاع فوق العرش على الوجه الذي يليق بجلال الله سبحانه، لا يعلم كيفيته سواه، كما قال مالك - رحمه الله - لما سُئل عن ذلك : «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، ومراده - رحمه الله - السؤال عن كيفيته .

وهذا المعنى جاء عن شيخه : ربيعة بن أبي عبدالرحمن، وهو مروي عن أم سلمة رضي الله عنها، وهو قول جميع أهل السنة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة الإسلام. وقد أخبر الله سبحانه في آيات أخر أنه في السماء، وأنه في العلو قال سبحانه : ﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾. [غـَـافر: 12] وقال عز وجل : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾. [فَـاطِـر: 10] وقال سبحانه : ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾. [البَقـَـرَة: 255]، وقال عز وجل : ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾. [المـُـلك: 16، 17]ففي آيات كثيرة من كتاب الله الكريم صرّح سبحانه أنه في السماء، وأنه في العلو، وذلك موافق لما دلّت عليه آيات الاستواء .

 وبذلك يُعلم أن قول أهل البدع بأن الله سبحانه موجود في كل مكان من أبطل الباطل، وهو مذهب الحلولية المبتدعة الضالة؛ بل هو كفر وضلال وتكذيب لله سبحانه، وتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه من كون ربه في السماء - مثل قوله صلى الله عليه وسلم : «أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ؟!». وكما جاء في أحاديث الإسراء والمعراج وغيرها . انتهى . («مجلة الدعوة»: عدد (1288))

وقال أيضا رحمه الله :

وأما قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ. [الحديد:4] فهذا معناه : بعلمه واطِّلاعه، ليس بذاته، وهو معنا، يعلم أحوالنا، ويطلع على كل شيءٍ، ويعلم ما في قلوبنا، ويعلم ما في جميع أجزاء الدنيا، ولكنه فوق العرش .

ومَن قال : "إنه موجودٌ في كل مكانٍ" فهذا كفرٌ وضلالٌ، يقوله الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل البدع، وهذا من أقبح الكفر والضَّلال، فلا يُقال : إنَّ الله في كل مكانٍ، تعالى الله علوًّا كبيرًا، بل هو كما أخبر عن نفسه : فوق العرش، وعلمه في كل مكانٍ .انتهى (فتاوى الدروس)

وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله :

ما رأي فضيلتكم في قول بعض الناس إذا سُئل : "أين الله"؟ قال : "الله في كل مكان"، أو"موجود"، فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها؟ 

الإجابة :

 هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها فإذا سئل أين الله؟ فليقل : "في السماء"، كما أجابت بذلك المرأة التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم : "أين الله؟" قالت : في السماء. وأما من قال : "موجود" فقط، فهذا حيدة عن الجواب ومراوغة منه.

 وأما من قال : "إن الله في كل مكان"، وأراد بذاته فهذا كفر لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص، بل الأدلة السمعية، والعقلية، والفطرية من أن الله تعالى عليٌّ على كل شيء وأنه فوق السماوات مستو على عرشه . انتهى. ( مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلد الأول - باب السماء والصفات).

وقال أيضا رحمه الله :

فإن المتأمل في هذه المسألة مسألة علو الله تعالى بذاته على خلقه بعد ردها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يتبين له أن الكتاب والسنة قد دل دلالة صريحة بجميع وجوه الدلالة على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، بعبارات مختلفه منها‏ :‏

1- ‏.‏ التصريح بأن الله تعالى في السماء كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ ‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض‏ : ‏‏(‏ربنا الله الذي في السماء‏)‏، إلى آخر الحديث، رواه أبو داود، وقوله صلى الله عليه وسلم‏ :‏ ‏(‏والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها‏)‏‏.‏ رواه مسلم‏.‏

2‏.‏ التصريح بفوقيته تعالى ، كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ‏}‏ ‏.‏ وقوله ‏-‏ ‏{‏يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ‏}‏ ‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي‏)‏‏.‏ رواه البخاري‏.‏

3- ‏.‏ التصريح بصعود الأشياء إليه، ونزولها منه، والصعود لا يكون إلا إلى أعلى، والنزول لا يكون إلا من أعلى، كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏ ‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ‏}‏ ‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ‏}‏ ‏.‏ وقوله تعالى في القرآن الكريم ‏:‏ ‏{‏لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ‏}‏ ‏.‏ والقرآن كلام الله تعالى، كما قال سبحانه ‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ‏}‏ ‏.‏ وإذا كان القرآن الكريم كلامه وهو تنزيل منه دل ذلك على علوه بذاته تعالى وقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني‏)‏ ‏.‏ إلى آخر الحديث، وهو صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما‏.‏ وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ما يقول إذا أوى إلى فراشه، ومنه ‏: ‏‏(‏آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت‏)‏‏.‏ وهو في صحيح البخاري وغيره‏.‏

4- ‏.‏ التصريح بوصفه تعالى بالعلو، كما في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى‏}‏ ‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏.‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏سبحان ربي الأعلى‏)‏‏.‏

5- ‏.‏ إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء حين يشهد الله تعالى في موقف عرفة ذلك الموقف العظيم، الذي أشهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أكبر جمع من أمته، حين قال لهم ‏:‏ ‏(‏ألا هل بلغت‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم فقال ‏:‏ اللهم اشهد‏)‏‏.‏ يرفع أصبعه إلى السماء ويرفعها إلى الناس‏.‏ وذلك ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر، وهو ظاهر في أن الله تعالى في السماء وإلا لكان رفعه إياها عبثاً‏.‏

6- ‏.‏ سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية حين قال لها‏ :‏ ‏(‏أين الله‏؟‏ قالت ‏:‏ في السماء، قال‏:‏ أعتقها فإنها مؤمنة‏)‏‏.‏ رواه مسلم من حديث طويل عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وهو صريح في إثبات العلو الذاتي لله تعالى، لأن ‏"‏أين‏"‏، إنما يستفهم بها عن المكان، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة حين سألها أين الله‏؟‏ فأقرها على أنه تعالى في السماء، وبين أن هذا مقتضى الإيمان حين قال‏ :‏ ‏(‏أعتقها فإنها مؤمنة‏)‏‏.‏ فلا يؤمن العبد حتى يقر ويعتقد أن الله تعالى في السماء، فهذه أنواع من الأدلة السمعية الخبرية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تدل على علو الله تعالى بذاته فوق خلقه.

 أما أفراد الأدلة فكثيرة لا يمكن حصرها في هذا الموضع، وقد أجمع السلف الصالح رضوان الله عليهم على القول بمقتضى هذه النصوص وأثبتوا لله تعالى العلو الذاتي، وهو أنه سبحانه عال بذاته فوق خلقه، كما أنهم مجمعون على إثبات العلو المعنوي له وهو علو الصفات ، قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏ ‏.‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏ وقال ‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله‏.‏

وكما أن علو الله تعالى الذاتي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، فقد دل عليه العقل والفطرة‏.‏

أما دلالة العقل‏ :

 فيقال ‏:‏ لا ريب أن العلو صفة كمال، وأن ضده صفة نقص، والله تعالى قد ثبت له صفات الكمال فوجب ثبوت العلو له تعالى، ولا يلزم على إثباته له شيء من النقص، فإنا نقول ‏:‏ إن علوه تعالى ليس متضمناً لكون شيء من مخلوقاته محيطاً به، ومن ظن أن إثبات العلو له يستلزم ذلك فقد وهم في ظنه، وضل في عقله‏.‏

وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى بذاته ‏:

فإن كل داع لله تعالى دعاء عبادة ، أو دعاء مسألة لا يتجه قلبه حين دعائه إلا إلى السماء، ولذلك تجده يرفع يديه إلى السماء بمقتضى فطرته ، كما قال ذلك الهمداني لأبي المعالي الجويني ‏:‏ ‏"‏ ما قال عارف قط ‏:‏ يارب إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو‏"‏‏.‏ فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول ‏"‏حيرني الهمداني، حيرني الهمداني‏"‏‏.‏ هكذا نقل عنه، سواء صحت عنه أم لم تصح، فإن كل أحد يدرك ذلك، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء، يارب، يارب إلى آخر الحديث‏.‏ ثم إنك تجد الرجل يصلي وقلبه نحو السماء لا سيما حين يسجد‏.‏ ويقول ‏(‏سبحان ربي الأعلى‏)‏ لأنه يعلم أن معبوده في السماء سبحانه وتعالى‏.‏

وأما قولهم ‏ :

‏"‏ إن الله تعالى عن الجهات الست خال‏"

‏، فهذا القول على عمومه باطل لأنه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له أعلم خلقه به، وأشدهم تعظيماً له، وهو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أنه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلو، بل إن ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم، لأن الجهات الست هي الفوق، والتحت، واليمين، والشمال، والخلف، والأمام، وما من شيء موجود إلا تتعلق به نسبة إحدى هذه الجهات، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول، وإن نفيت هذه الجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوماً، والذهن وإن كان قد يفرض موجوداً خالياً من تعلق هذه النسب به لكن هذا شيء يفرضه الذهن، ولا يوجد في الخارج، ونحن نؤمن ونرى لزاماً على كل مؤمن بالله أن يؤمن بعلوه تعالى فوق خلقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، كما قررناه من قبل‏.‏ ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه سبحانه غني عن خلقه فلا يحتاج لشيء من مخلوقاته‏.‏ ونحن نرى أيضاً أنه لا يجوز لمؤمن أن يخرج عما يدل عليه الكتاب والسنة، لقول أحد من الناس كائناً من كان، كما أسلفنا الأدلة على ذلك في أول جوابنا هذا‏.‏

وأما قولهم‏ :

‏ ‏"‏ إن الله تعالى في قلب المؤمن‏"‏‏.‏

 فهذا لا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا كلام أحد من السلف الصالح فيما نعلم، وهو أيضاً على إطلاقة باطل فإنه إن أريد به أن الله تعالى حال في قلب العبد فهو باطل قطعاً، فإن الله تعالى أعظم وأجل من ذلك، ومن العجائب والعجائب جمة أن ينفر شخص مما دل عليه الكتاب والسنة من كون الله تعالى في السماء، ثم يطمئن بما لم يدل عليه الكتاب والسنة من زعمه أن الله تعالى في قلب المؤمن، إذ ليس في الكتاب والسنة حرف واحد يدل على ذلك‏.‏

وإن أريد بكون الله تعالى في قلب العبد المؤمن أنه دائماً يذكر ربه في قلبه، فهذا حق، ولكن يجب أن يعبر عنه بعبارة تدل على حقيقته وينتفي عنها المدلول الباطل، فيقال ‏:‏ مثلاً ‏:‏ إن ذكر الله تعالى دائماً في قلب العبد المؤمن‏.‏

ولكن الذي يظهر من كلام من يتكلم بها أنه يريد أن يستبدلها عن كون الله تعالى في السماء، وهي بهذا المعنى باطلة كما سبق‏.‏

فليحذر المؤمن من إنكار ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، وأجمع عليه السلف إلى عبارات مجملة غامضة تحتمل من المعاني الحق والباطل، وليلتزم سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، حتى يدخل في قول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏.‏جعلنا الله وإياكم منهم، ووهب لنا جميعاً منه رحمة، إنه هو الوهاب ‏. ‏انتهى. (كتاب : مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين) 

 وسئل‏ أيضا رحمه الله :

‏ عن صحة حديث ‏(‏لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لوقع على الله ‏(‏‏؟‏ وما معناه‏؟‏

فأجاب بقوله‏ :

هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، والذين قالوا ‏:‏ إنه صحيح يقولون ‏:‏ إن معنى الحديث لو أدليتم بحبل لوقع على الله عز وجل لأن الله تعالى محيط بكل شيء، فكل شيء هو في قبضة الله سبحانه وتعالى وكل شيء فإنه لا يغيب عن الله تعالى، حتى إن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن عز وجل كخردلة في يد أحدنا يقول الله تعالى في القرآن الكريم ‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏.‏ 

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون دالاً على أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، أو على أن الله تعالى في أسفل الأرض السابعة فإن هذا ممتنع شرعاً، وعقلاً، وفطرة، لأن علو الله سبحانه وتعالى قد دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع، والعقل، والفطرة‏ .‏انتهى (كتاب : مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين) 

وسئلت اللجنة الدائمة

حكم من يقول : إن الله في كل مكان وكيف يرد عليه؟

الجواب :

أولا : عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله -سبحانه وتعالى- مستو على عرشه بذاته وهو ليس داخل العالم، بل منفصل وبائن عنه وهو مطلع على كل شيء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .

 قال تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.[الأعراف: 54] الآية، وقال تعالى : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.[طه: 5] وقال الله تعالى : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.[الفرقان: 59] وقال تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.[الرعد: 2] الآية، وقال تعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.[الحديد: 4].

 ومما يدل على علوه على خلقه نزول القرآن من عنده والنزول لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، قال تعالى : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.[المائدة: 48]، وقال تعالى : ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.[غافر: 1-2] وقال تعالى : ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.[فصلت: 1-2] إلى غير ذلك في الآيات الدالة على علو الله سبحانه وتعالى .

 وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي قال : «كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فعظم ذلك علي، قلت يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال ائتني بها فأتيته بها، فقال لها أين الله؟ قالت في السماء، قال من أنا؟ قالت أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة». أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم وفي الصحيحين حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء»

ثانيا : من اعتقد أن الله في كل مكان فهو من الحلولية، ويرد عليه بما تقدم من الأدلة على أن الله في جهة العلو، وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه فإن انقاد لما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وإلا فهو كافر مرتد عن الإسلام .

وأما قوله تعالى : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.[الحديد: 4]. فمعناه عند أهل السنة والجماعة أنه معهم بعلمه واطلاعه على أحوالهم.

 وأما قوله تعالى : ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.[الأنعام: 3]. فمعناه أنه سبحانه هو معبود أهل السموات ومعبود أهل الأرض.

 وأما قوله تعالى : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.[الزخرف: 84] فمعناه : أنه سبحانه إله أهل السموات وإله أهل الأرض لا يعبد بحق سواه.

 وهذا هو الجمع بين الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب عند أهل الحق وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم . (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء(3/216-218))

وأختم بتوضيح الشيخ الألبانى رحمه الله الممتع 

لمعنى قوله تعالى : (( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ُ))؟

 الجواب :

1-  بناءً على أنها في ظرفية ، نقول إذا أبقينا في ظرفية نفسر السماء بمعنى العلو المطلق وليس بالسماء المسبوقة التي هي سبع سماوات ، حينئذ يطيح الإشكال من أصله لأن الإشكال على أساس في السماء أي هذه السماء التي هي خلق من خلق الله كالأرض ، فكما أنه ليس في الأرض فهو ليس في السماء.

 فلما يزول الإشكال ينفون ويقولون لا الله ليس في السماء ،أولا أدباً مع الكلام الإلهي لا يجوز أن يقال هذا الكلام لكن الواجب هو فهم الآية القرآنية فهماً صحيحاً ، فأول تفسير لها على أساس إبقاء " في " على بابها بهذه الحالة نفسر السماء باللغة العربية أيضاً معناه العلو المطلق ، إذن إذا قلنا إن الله عزوجل في العلو المطلق معناه ليس بمخلوق ، طاح الإشكال ولا يستوي حينئذ القول بأن الله في السماء كالقول المنفي بأن الله في الأرض ، أولاً لأنه ليس عندنا في الكتاب ولا في السنة بأن الله في الأرض هذا أولا لا يستوي أن نقول الله في السماء بأن نقول الله في الأرض لأن هذا ليس منقولا ، ثانياً المعنى الذي فسرناه آنفا لا محظور منه كما يترتب المحظور على قولنا الله في الأرض ، هذا إذا فسرنا في وجعلناها على بابها يكون فسرنا السماء بمعنى العلو المطلق، حينئذ تلتقي الآيات الأخرى التي تثبت العلو لله عز وجل مع هذه الآية .

2 -  وإما أن نقول هنا في بمعنى على وكما يقولون أيضا كما تعلمنا من أهل العلم أن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض خاصة في مثل هذا المكان فيقال الله في السماء بمعنى على ، فهنا في بمحل على ، وهذا له شواهد كثيرة في الكتاب والسنة ، فآية ((وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ))، (( سِيرُوا فِي الأَرْضِ )) ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ). فمن في الأرض لا يعني جوف الأرض وإنما على الأرض ، يرحمكم من في السماء لا يعني من هو في جوف السّماء المخلوقة وإنما على السّماء.

 ولهذا السبب تجد المعطلة في العصر الحاضر وعلى رأسهم هذا السّخّاف بحق من سماه سخافا ينكر صحة هذا الحديث لأنه بالنسبة إليه قاصمة ظهره لأن ارحموا من في الأرض لا يقدر أن يفسرها في بمعنى الديدان والحشرات التي في الأرض وإنما هذه الأنعام التي ذلّلها الله لنا وخلقها من أجلنا فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، فكما أن : ( من في ) هنا تعني على كذلك ( يرحمكم من في السماء ) تعني على ، لذلك صبّ جهده لتضعيف هذا الحديث علماً بأنه صححه حتى الذين هم سبقوه إلى مثل هذا التعطيل ، لأنه حديثياً ما وجدوا سبيلاً إلى تضعيفه ... حتى الغماريين الذي هو ذنب لهم هم يصححون هذا الحديث .

السائل :

 شيخنا الكوثري ينكر صحة نسبة هذا الحديث يقول النسحخ الصحيحة لمسلم لا يوجد فيها هذا الحديث .

الشيخ :

 ذهب ... إلى غير حديثي أنت ذهب بالك إلى حديث الجارية ! أنا ما طرقت حديث الجارية المهم هذا الحديث صححه جمع وهذا أنكر صحته لأنه أقوى في الدلالة من حديث الجارية.

الآن الأستاذ له فضل ذكرني بحديث الجارية ، هذا أصرح في الدلالة على المعنى الصحيح للآية لأن حديث الجارية قال لها ( أين الله ) قالت في السماء ، فهي أجابت بالجواب القرآني ، لكن هي عربية هي تفهم ما معنى في ليس معناها الديدان في جحورها و و إلى آخره ، لا ، المهم هذا الحديث : ( ارحموا من في الأرض أي من على الأرض يرحمكم من في السماء ) أي من على السماء إلى هنا انتهى ما أردت أن أقوله تعليقا على ما قد تسمعنا من تأويل من ذلك الدكتور على هذه الآية.

 لكن الذي أريد أن أقوله أن هذا الدكتور وأمثاله خطأهم يأتي من التفسير الأول ل " في " أي على بابها ثم غفلتهم عن المعنى الأصلي لكلمة السماء وهو العلو ، فلمّا يقعون في هذه الغفلة ينظرون فيقولون نحن لا نستطيع أن نقول إن الله في جوف السماء أي السماء المخلوقة تحيط به، نحن معهم في هذا لكن هم يضلون عن الحق بفهمهم الباطل وإعراضهم عنه ثم لا يجدون لهم مأوىً في معرفة الرأي أو الفهم الصحيح ، لماذا ؟ لأنهم يفهمون أيضاً أننا حينما نفسر على السماء فالمشكلة قائمة بالنسبة إليهم وإلى أذهانهم لأنهم يتوهمون أن فوق السماء هو العرش وفوق العرش إذا قلنا الله على العرش استوى كما قال الله وفسرناها بمعنى على كما هو التفسير السلفي إذن أيضاً حشتره في مكان وهنا يبدأ ضلالهم. فالذي أريد التذكير به الآن هو ألا نتورط بفهم خطأ فتصور بأن آية (( أأمنتم من في السماء )) تعني أن الله بذاته في جوف السماء ، لا ، وإنما الله بذاته فوق العلو المطلق والعلو المطلق فوق العرش ، فوق العرش لا مكان ، من هنا هم ضلوا فيتوهمون أن فوق العرش مكان فإذن جعلناه في مكان ولا فرق حينذاك بين مكان فوق العرش بين مكان فوق السموات السبع بين مكان فوق السماء الدنيا أو في السماء الدنيا أو على الأرض أو في الأرض فكله لا يليق بالله عز وجل نقول كله لا يليق إلا فوقية العرش لأن فوق العرش لا مكان .

 ونحن نعلم كما هم يعلمون ولكنهم يغفلون أو يتغافلون : ( كان الله ولا شيء معه ) ، فحينما كان الله ولا شيء معه نحن وإيّاهم متفقون أو هم معنا متفقون أن الله حينما كان ولم يخلق شيئاً لم يكن في مكان ، وإذ سمّى أحدٌ ذلك الجو - أسميه مكان أنا لأن يكون إعادة ألفاظا - إذ سمّى أحدٌ ذلك الجو الذي كان الله فيه مكاناً فهذا اصطلاح لأن المكان مشتق من الكون (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )) فالله كان ولا شيء معه ثم خلق الخلق ، بوجود الخلق وبخلق الخلق وجد المكان لكن الله ما وجد في هذا المكان لأن الله كان قبل المكان وكان قبل الزمان ، فإذن إذا قلنا الرحمن على العرش استوى وأوردنا كل الآيات والأحاديث التي تثبت صفة العلو فذلك لا يعني أننا نجعل لله مكانا ولا يعني أننا جعلناه مظروفاً لشيء مخلوق بالتالي لا يعني ما ينسبه إلينا هذا السّخّاف وأمثاله بأننا جسّمناه ، سبحان الله هل جسّمتموه أنتم حينما قلتم معنا أنه كان الله ولا شيء معه هل كان جسماً ؟ (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )) فمن هذه الحيثية الآن كما كان من حيثية أنه لا جسم وأنه ليس كمثله شيء ، هو الآن أي بعد خلق الكون كما كان قبل خلق الكون .

 كل ما في الأمر أننا نحن نختلف عن هؤلاء الضالين لأننا نثبت وجود رب العالمين فوق المخلوقات فوق العرش استوى ، أما هم فيكفي ما قال ذلك الأمير العاقل حينما سمع المشايخ المعادين لدعوة الحق دعوة السّلف دعوة ابن تيمية رحمه الله التي أحياها بجهاده ، ابن تيمية هذه خلاصة آراءه أما أولئك فقالوا لا الله منزّه عن المكان الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف لا داخل العالم ولا خارجه ، قال ذلك الأمير هؤلاء قوم أضاعوا ربهم ، فعلاً أنا أقول لو قيل لأفصح من نطق بالضاد صف لنا المعدوم لا يستطيع أن يصفه إلا بما يصف هؤلاء المهابيل ربهم ...، أمام هذه الحقائق أي لا يستطيع أن يقول كما تقول المعتزلة وكما تقول الأشاعرة وكما تقول الماتريدية أن الله في كل مكان ، هذا أسخف ما يمكن أن يقال بالنسبة لرب العالمين المنزّه .

هذا السّخّاف وبعض شيوخه وجد أن هذا الكلام غير مقبول فماذا يقول ؟ يقول هو موجود في غير مكان ؟ تدليس خبيث ، هو موجود بغير مكان ، لكن سله أين هو؟ لا جواب ولذلك يضعّفون حديث الجارية لأنه فيه سؤال أين الله ؟ الجواب في السماء ، فهم يقولون إن الله عز وجل موجود لكن بغير مكان ، حقيقة هذا الجواب هو المصير إلى ما ذكرناه من أقوال أولئك المهابيل لا فوق لا تحت لا يمين لا يسار إلى آخر الكليشة ،.

ولذلك هذا السّخّاف إذا ابتليتم به أو ببعض أذنابه فاعرفوا كيف تأكلون الكتف ، فلمّا يقول لكم موجود ليس في مكان ، طيب أين هو ؟ يقول لك هذا السؤال لا يصح ، لماذا لا يصح وقد صح في الحديث الصحيح ؟ يقول هذا حديث ضعيف ، من الذي ضعّفه ؟ دجّال آخر الزمان وهو السّخّاف ، لكن هو حقيقة هو مسبوق بالكوثري ، وأنا رددت على الكوثري في مقدمة شرح الطحاوية لأن هذا المعروف بأبي غدّة والذي ينتسب إلى الكوثري من شدة عماه به وتقليده إيّاه ينتمي إلى مذهبه فيقول الكوثري فكان أخذ عليّ بعض المآخذ الشكلية أنه أنا أقول صحيح أخرجه البخاري ومسلم صحيح أخرجه البخاري هذا معناه أن الحديث لا يكون صحيحاً حتى يصححه الألباني .

إذن معنى هذا أن هناك أحاديث كثيرة يضعّفها الألباني مما رواه البخاري ومسلم ، فأنا صفعته تلك الصفعة أنظر شيخك الكوثري يصرّح الحديث الفلاني والحديث الفلاني والحديث الفلاني بالرغم من رواية الشيخين أو أحدهما هو حديث ضعيف
... فالشاهد الكوثري يضعّف هذا الحديث حديث الجارية والغماري هذا المسمى بعبد الله أيضا يضعّف هذا الحديث .

، ومن أسوأ ما قرأت أخيراً في تفسير البحر المحيط لأبي حيان أنه فسر الآية السابقة (( أأمنتم من في السماء )) أأمنتم أيها المشركون من في السماء بزعمكم ، يعني الإنسان يحتار كيف أنه علماء كبار يقعون في مثل هذا التأويل بل التعطيل . انتهى (متفرقات للألباني-(019))

ومن أراد الاستزادة فى هذا الباب ومعرفة رد شيخ الاسلام على شبهات الاشاعرة والمعتزلة فى نفى العلو فليضغط هنا . وهنا .


والله اعلم


وللفائدة..



هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات