القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

نبدأ بمسافة القصر 

القصر يجوز في أي سفر ما دام يسمى سفرا طويلا كان أم قصيرا ولا حد له فلا تقدر بمسافة معينة وإنما يرجع في ضبطها إلى العرف فكل ما عده الناس سفرا فهو السفر المبيح للترخص سواء سافر بالطائرة أو بالسيارة أو بالباخرة وذلك لإطلاق النصوص وعدم ورود تقدير عن الشارع في المسألة . 

ولا حرج عند اختلاف العرف فيه أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد 84 كيلومتر لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين فلا بأس به إن شاء الله تعالى أما مادام الأمر منضبطا فالرجوع إلى العرف هو الصواب.

كما أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة وتركها وراء ظهره وهو مذهب الجمهور من العلماء كما في نيل الأوطار. 

كما أن كل مسافر له الترخص برخص السفر لأن النصوص جاءت عامة من غير تفريق بين السفر المباح وبين سفر المعصية.


والدليل :

قال الله تعالى: 

وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا.[النساء: 101].

أن الآية مطلقة في قصر الصلاة في كل ضرب في الأرض وليس فيها تقييد بالمسافة أو بالزمن.


عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر, يعني: الصلاة).  (صحح إسناده ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/660)، والألباني في ((إرواء الغليل)) (3/18).) ، 


- وعنه أيضا: (لو خرجت ميلا قصرت الصلاة). قال ابن حزم: إسناده كالشمس. وصحح إسناده ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/660)،


قال ابن القيم رحمه الله:

 (ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم).اه 

((زاد المعاد)) (1/463).


قال ابن قدامة رحمه الله:

 (لا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا. ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه؛ لوجهين:

 أحدهما، أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها، ولظاهر القرآن؛ لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض؛ لقوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة **النساء: 101**، وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، فبقي ظاهر الآية متناولا كل ضرب في الأرض... 

والثاني: أن التقدير بابه التوقيف؛ فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه).اه

 ((المغني)) (2/190). 


وقال ابن تيمية رحمه الله:

 (يجوز قصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، سواء قل أو كثر، ولا يتقدر عده، وهو مذهب الظاهرية، ونصره صاحب "المغني" فيه)

 ((الاختيارات الفقهية)) (ص: 434).


قال العلامة الألبانيُّ رحمه الله: 

(وقد اختلف العلماءُ في المسافة التي تُقصر فيها الصلاة اختلافًا كثيرًا جدًّا، على نحو عشرين قولًا، وما ذكرناه عن ابن تيمية وابن القيِّم أقربُها إلى الصواب، وأليقُ بيُسر الإسلام؛ فإنَّ تكليف الناس بالقَصر في سفر محدود بيومٍ أو بثلاثة أيَّام وغيرها من التحديدات، يستلزم تكليفَهم بمعرفة مسافات الطُّرق التي قد يَطرقونها، وهذا ممَّا لا يستطيع أكثرُ الناس، لا سيَّما إذا كانت ممَّا لم تُطرَق من قبلُ).

 ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (1/311).


قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:

 (أقوى الأقوال- فيما يظهر لي- حجة، هو قول من قال: إن كل ما يسمى سفرا ولو قصيرا تقصر فيه الصلاة; لإطلاق السفر في النصوص).

 ((أضواء البيان)) (1/273).


قال العلامة العثيمين رحمه الله: 

( الصحيح:

 أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد كما قال صاحب المغني: «يحتاج إلى توقيف، وليس لما صار إليه المحددون حجة، وأقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف).

 ((الشرح الممتع)) (4/351).


 مدة القصر

يجوزُ للمسافر أن يقصُرَ الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين أو يتمها إن شاء وإن طالت مدة إقامته ما لم ينو الإقامة الدائمة فيه وما لم ينو اتخاذ ذلك البلد وطناً ولا يعلم متى يرجع منْ سفره فإنَّ حُكمه القَصْرُ ولو أقام مُدَّةً طويلةً. 

لأنَّ الإقامةَ لا تخرج عن حكمِ السفر سواءٌ طالَتْ أم قَصُرَتْ إذا لم يَسْتوطِنِ المكانَ فليس للسفر مدة محددة  إذا لم يجمع على إقامة واستقرار في بلد ما غير وطنه الأصلي الذي كان يسكنه.


والدليل:

قال تعالى:

فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. [البقرة: 184]

- قال تعالى:

وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. [النساء: 101].

فالله سبحانه وتعالى لم يفرق بين سفر طويل وسفر قصير وهذا الفرق لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل الأحكام التي علقها الله بالسفر علقها به مطلقا. ينظر((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/18).


- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا). (أخرجه البخاري ).


- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله)(أخرجه البخاري )


- عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر).(  أخرجه مسلم ).

ففى هذه الأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر.

  كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام هو وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. وإذا كان التحديد لا أصل له فما دام المسافر مسافرا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورا. 

 كما لأنه لما علق الشارع القصر بمسمى السفر، فهي تتعلق بكل سفر سواء كان ذلك السفر طويلا أو قصيرا، كما علق الطهارة بمسمى الماء في قوله: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا. [النساء: 43]، ولم يفرق بين ماء وماء .

ينظر((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/18). ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/36).


قال الترمذي رحمه الله:

 (أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون).اه((سنن الترمذي)) (2/434).


قال ابن عبد البر رحمه الله: 

لا أعلم خلافا فيمن سافر سفرا يقصر فيه الصلاة، لا يلزمه أن يتم في سفره إلا أن ينوي الإقامة في مكان من سفره ويجمع نيته على ذلك).اه ((الاستذكار)) (2/242).


قال ابن تيمية رحمه الله:

 (من تبينت له السنة وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضا بزمن محدود؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر؛ فإنه يقصر. كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة. وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر. كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد فتح مكة قريبا من عشرين يوما يقصرون الصلاة وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له، فما دام المسافر مسافرا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورا).اه ((مجموع الفتاوى)) (24/18)


قال ابن القيم رحمه الله:

 (إنه صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع). ((زاد المعاد)) (3/491).


وقال أيضا رحمه الله 

في "زاد المعاد" 

في كلام على فقه غزوة تبوك:

 "والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم أخرج، وغداً أخرج، فإنه يقصر أبداً إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوماً ولا يقصر بعدها". وقال قبل ذلك: "وقد قال أصحاب أحمد إنه لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض، قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، ولكنهم شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة، فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، وهي ما دون الأربعة أيام، فيقال: من أين لكم بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئاً، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفاً واحداً لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتدى الصحابة به بعده، ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئاً من ذلك".انتهى كلامه رحمه الله .


قال الشيخ العثيمين رحمه الله:

 (إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهر الكتاب والسنة وجدنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول الصحيح، وهو أن المسافر مسافر، سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو دونها؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على ثبوت رخص السفر للمسافر بدون تحديد، ولم يحدد الله في كتابه، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم المدة التي ينقطع بها حكم السفر ... 

القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، من أن المسافر مسافر ما لم ينو واحدا من أمرين:

 1-  الإقامة المطلقة

 2- أو الاستيطان

 والفرق: أن المستوطن نوى أن يتخذ هذا البلد وطناً، والإِقامة المطلقة أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركة فيه كبيرة، أو طلب العلم فيه قوي فينوي الإِقامة مطلقاً بدون أن يقيدها بزمن أو بعمل، لكن نيته أنه مقيم لأن البلد أعجبه إما بكثرة العلم وإما بقوة التجارة أو لأنه إنسان موظف تابع للحكومة وضعته كالسفراء مثلاً، فالأصل في هذا عدم السفر؛ لأنه نوى الإِقامة فنقول: ينقطع حكم السفر في حقه.

أما من قيد الإِقامة بعمل ينتهي أو بزمن ينتهي فهذا مسافر، ولا تتخلف أحكام السفر عنه). ((الشرح الممتع)) (4/375).


وسئل أيضا رحمه الله:

هل لصلاة القصر فترة محددة من الأيام وذلك لأنني قد بقيت مدة تزيد عن الشهر وتقل عن الشهرين؟ أو على حسب كلامه: أقصر الصلاة لكوني عسكري في الحرب، فهل علي أن أستمر في قصر الصلاة أو أن أتمها؟ وهل يجوز لي أن أجمع بين الصلوات في بعض الأحيان؟

الجواب:

السفر الذي تقصر فيه الصلاة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد مدته، وإنما أطلق السفر في القرآن والسنة ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين. فهذا دليل على أنه ليس محدداً بمسافة معينة ولا بزمن معين، وإنما يعتبر اسم السفر، فمتى صدق على الرجل الذي خرج من بلده أنه مسافر فهو مسافر، قد يكون الخروج سفراً إذا طالت مدة زمنه وإن قربت مسافته، وقد يكون سفراً إذا بعدت مسافته ولو قل زمنه، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم لعدم وجود الدليل على التحديد.

وكذلك بالنسبة لزمن الإقامة الذي ينقطع فيه حكم السفر، فإنه لا حد له، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديده بأربعة أيام ولا بخمسة ولا بعشرة، بل أقام النبي صلى الله عليه وسلم إقامات مختلفة كان يقصر فيها الصلاة، فأقام في حجة الوداع في مكة المكرمة عشرة أيام منها أربعة قبل الخروج إلى منى، وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً، وأقام في تبوك عشرين يوماً، وفي هذه الإقامات كلها كان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام، ولم يقل للناس من نوى عدداً معيناً من الأيام فليقصر.

 وقد قدم لحجته صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان يقصر الصلاة، ولم يقل للناس الحجاج من قدم منكم قبل اليوم الرابع فعليه أن يتم الصلاة، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع وبعده، فلما لم يقل ذلك علم أنه لا تحديد له، وأن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع إنما وقع اتفاقاً لا قصداً، وما وقع اتفاقاً لا قصداً فإنه لا يتعلق به حكم

على هذا نقول للأخ:

 ما دمت في الجبهة مسافراً فإنه يجوز لك أن تقصر الصلاة، وهو المشروع في حقك، وأما الجمع بين الصلاتين المجموعتين كالجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فهذا جائز ولا حرج فيه، ولكن الأفضل تركه إلا إذا كان في تركه شيء من المشقة، أو كان في فعله -أي في الجمع- شيء من المصلحة، فلتجمع أيضاً، ولا حرج عليك في ذلك. اه

(اسم السلسلة:فتاوى نور على الدرب>الشريط رقم [36])


وسئل أيضا رحمه الله:

حصلت لي جلسة مع مدير المعهد العلمي في منطقة من المناطق، فجرى الحوار بيننا في قصر الصلاة، فقال: إن الشيخ - يعنيك أنتَ - أفتى لطلبة الجامعة بأن يقصروا الصلاة إذا فاتتهم الصلاة. وقال المدير: وهذا لا يجوز! فلا ندري كيف أفتى الشيخ بذلك ؟! وابن هذا المدير يدرس عندكم في الجامعة، فنَبَّهَ ابنَه بأنه لا يقصر الصلاة بل يتمها، فنحن يا فضيلة الشيخ لا ندري أنقصر الصلاة أم لا ؟

الجواب:

هذا -سلمك الله - أفتينا به بعد دراسة، وبعد النظر في الأدلة، وبعد النظر في كلام أهل العلم وجدنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب: قول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ؛ أن الرجل ما دام غائباً عن بلده ولم يتخذ البلد الثاني وطناً فهو مسافر، كل مَن بقي لحاجة ومتى انتهت رَجَعَ فهو مسافر سواء عَيَّن المدة أم لم يعيِّن؛ لأن أي تقدير قَدَّرَه كأن قَدَّر ثلاثة أيام مثلاً، قلنا: ما دليلك ؟! وإن قَدَّر شهراً أو سنة قلنا: ما هو دليلك ؟! ليس هناك دليل.

فالقول مثلاً بأن المسافر إذا نوى الإقامة في هذا المكان هذه المدة انقطع عنه السفر لا يوجد له دليل، ومن وجد دليلاً فليتفضل به، ونحن إن شاء الله آخذون على أنفسنا بأننا إذا تبين لنا الدليل أن نأخذ به، وقولنا ليس بمعصوم، نحن نخطئ كما يخطئ غيرنا؛ لكن علينا أن نتقي الله ما استطعنا و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾.[البقرة: 286]. إذا كان هذا الذي بلغ إليه جهد الإنسان فهو معذور عند الله «إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر» لكن أي مسألة مثلاً تترجح عند العالم فهو غير معذور في العدول عما ترجح عنده؛ لأنه سيُسأل يوم القيامة.

وأي مسألة يقولها الإنسان وفيها دليل خلاف قوله وهو لا يعلم به فهو معذور، وأي مسألة يقولها الإنسان وهو مجتهد فإنه يجب عليه إذا تبين له الحق أن يرجع إليه عن اجتهاده.

فنحن إذا أتانا إنسان بدليل على أن الإنسان إذا بقي المدة المعينة انقطع عنه حكم السفر وصار حكمه حكم المقيم، فعلينا القبول.

ومن وجد دليلاً خلاف قولنا فليضرب بقولنا عرض الحائط.

وأما المسافة فما وجدنا فيها شيئاً معيناً أيضاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ما عَيَّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته المسافة.

ولم يكن في ذلك الوقت المسَّاحون الذين يقولون: هذا كيلو، وهذا أكثر، وهذا أقل، والعلماء الذين قدروا المسافة بأذرع أو أكيال أو أميال ليس عندهم دليل، ثم هم قدَّروها - رحمهم الله - بالذراع، والشبر، والإصبع، وشعرة البرذون -الحصان- معناه: أنَّني أنا إذا صرتُ هنا والصاحب الذي بيني وبينه ذراع هناك، نقول: هذا مسافر، وأنا غير مسافر! مَن يقول هذا ؟!. 

فأقرب الأقوال: أنه يُرْجَع فيه إلى ما سماه الناس سفراً، وشدوا الرحال له، هذا هو السفر، وما ليس كذلك فليس بسفر. هذا والله أعلم. وصلَّى الله وسلم وبارَك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 (لقاءات الباب المفتوح، لقاء رقم(1))


وسئل أيضا رحمه الله:

 سمعنا قولاً بأنه يجوز قصر الصلاة لمن كان مسافراً في بلد غير بلده مهما طالت المدة ما لم ينو الاستيطان بها؟ فنرجو توضيح هذه المسألة وجزاكم الله خيراً؟

الجواب:

هذه المسألة إذا سافر الإنسان إلى بلد غير بلده ونوى الإقامة لغرض من الأغراض فلا يخلو: إما أن ينوي مدة معينة أو لا ينوي،

فإن لم ينو مدة معينة

 فإن له أن يقصر ويترخص برخص السفر مهما طالت المدة مادام ينتظر هذا الشيء الذي جاء من أجله. 

وأما إذا عينه بمدة 

فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فجمهور العلماء يحددون ذلك بمدة: إما بأربعة أيام أو بخمسة عشر يوماً أو نحوها، وقد ذكر النووي رحمه الله في شرح المهذب: أن فيها للعلماء عشرة أقوال أو أكثر وسردها، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يجعل لذلك حداً، وقال: إنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل على أن الإنسان إذا نوى مدة معينة انقطع بها حكم سفره، بل الإنسان المسافر مادام ينتظر حاجة متى انتهت رجع إلى بلده، سواء عين المدة التي يقيمها أم لم يعين؛ لأن عمومات الكتاب والسنة تدل على ذلك، فإن قوله تعالى:﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، عام لم يخصص الله فيه ضرباً دون ضرب، وكذلك إقامات النبي عليه الصلاة والسلام مدداً مختلفة دون أن يقول للناس: من أقام هذه المدة فلا يقصر، يدل على أنه ليس هناك تقدير، ومعلوم أن التقدير بمدة معينة يحتاج إلى توقيف وليس في المسألة نص يدل على التحديد بمدة معينة، فهذا وجه اختياره رحمه الله، وقد بسط فيها القول في عدة مواضع من الفتاوي التي جمعها محمد بن قاسم فمن أراد أن يطلع عليها فليطلع. نعم.اه

(اسم السلسلة:فتاوى نور على الدرب>الشريط رقم [128])


جمع المسافر الصلاة وقصرها أثناء الدراسة

قال الشيخ العثيمين رحمه الله:

وأما المقيم إقامة مقيدة بزمن أو عمل بزمن: كشهر أو شهرين، أو يوم أو يومين، أو عمل: كعلاج، وتَعَلُّم غير مقيَّد بسنوات، فهذا حكمه حكم المسافر، بل هو مسافر حقيقة؛ لأن هذا الشخص متى انتهى وقتُه المقيَّدُ بزمنٍ أو عملُه الذي قيَّد به سفرَه فإنه يرجع إلى بلده.

وبناء على ذلك يكون الذين يدرسون في خارج بلدهم مسافرين؛ لأنهم لا ينوون الإقامة المطلقة إطلاقاً، لو أنه أعطي شهادته اليوم لسافر؛ لكنه مربوط بهذا العمل المؤقت المحدد.

ولذلك تجد بعض البلاد تكون مدة الدراسة فيها أربع سنوات، وبعضها خمس سنوات، وبعضها ست سنوات، فمن فعل هذا يكون حكمه حكم المسافر، فالمسح على الخفين ثلاثة أيام، والصلاة الرباعية ركعتان، وصيام رمضان لا يلزمه؛ لكننا نقول: لا ينبغي أن يؤخر الصيام إلى رمضان الثاني؛ لأنه إذا أخر صيام رمضان في هذا العام مثلاً وجاء العام الثاني وأخره إلى العام الثالث تراكمت عليه الأيام، وربما يعجز، وربما يترك، فلذلك نرى أن الصيام وإن جاز له أن يفطر لأنه مسافر؛ لكن لا يؤخره إلى السنة الثانية؛ لئلا تتراكم عليه فيعجز.

أما بالنسبة للرواتب 

فأنتم وغيركم سواء، فالمشهور عند أكثر الناس أن المسافر لا يتنفل، وهذا غلط، بل إن المسافر يتنفل كما يتنفل المقيم بكل شيء؛ كصلاة الليل، وصلاة الضحى، وصلاة الوتر، إلا ثلاث نوافل وهي: راتبة الظهر. وراتبة المغرب. وراتبة العشاء. فالسنة ألا يصليها، وأما بقية النوافل فهي على ما كانت عليه.

فلذلك وُجِدَت عبارة غير صحيحة يقال: مِن السُّنَّة في السفر تَرْكُ السُّنَّة! من أين جاء بهذا الكلام ؟! مِن السُّنَّة تَرْكُ السُّنَّة ؟! بل الصحيح: مِن السُّنَّة تَرْكُ الرواتب الثلاث التي ذكرناها فقط، وهي: رواتب الظهر، والمغرب، والعشاء، والباقي باقٍ على ما هو عليه. اه

 (لقاءات الباب المفتوح، لقاء رقم(70))


إذن

فمن نوى إقامة لغرض معين مقيدة بزمن متى انتهى غرضه عاد إلى وطنه. فالقول الراجح فى هذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختيار ابن القيم والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، والشيخ عبد الرحمن السعدي ، والشيخ محمد رشيد رضا ، والشيخ العثيمين ، وهو أنه مسافر ما لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة ، واستدلوا على ذلك بما يلي :

1- إطلاق الأدلة كقوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض }. وهذا عام يشمل جميع الضاربين من أطال من هم ومن قصر .

2- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة
 [ حم 13726 ، د 1235 ، حب 4 / 184 ، هق 3 / 152 ، قال أبو داود غير معمر لا يسنده ، ورده النووي في الخلاصة كما نقله الزيلعي في نصب الراية 2 / 186:" هو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ، لا يقدح فيه تفرد معمر فإنه ثقة حافظ فزيادته مقبولة " وقال الحافظ في التلخيص 2 / 45 :" ... ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث معمر ، وصححه ابن حزم والنووي ..... " ، والحديث صححه الإمام الألباني ]

قال شيخ الإسلام في الفتاوى [ 24 / 136 ] :" ومعلوم بالعادة أن مما يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا اربعة ، حتى إنه كان يقول : اليوم أسافر ، غدا أسافر ".

3- أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة. [ خ 1080 ، 4298 ]

4- عن أبي جمرة نصر بن عمران قال : قلت لابن عباس : إنا نطيل المقام بخراسان فكيف ترى ؟ قال :" صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين ". رواه ابن أبي شيبة .

5- أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول. [ هق 3 / 152 ، وأخرجه عبد الرزاق 2 / 533 ، والأثر صححه ابن الملقن ، وقال ابن حجر في الدراية 1 / 212 :" إسناده صحيح " ، وقال النووي معلقا على سند البيهقي : وهذا سند على شرط الشيخين ، انظر التلخيص الحبير 2 / 47 ، نصب الراية 2 / 185 ]

6- وروى البيهقي [ 3 / 152 ] أن أنسا أقام بالشام يقصر سنتين .

7- وروى البيهقي كذلك عن أنس: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة .


الجمع فى السفر

المراد بجمع الصلوات: هو أن يجمع المصلي بين فريضتين في وقت إحداهما إما جمع تقديم وإما جمع تأخير وهذا جائز .

والصلوات التي يجوز فيها الجمع هي: الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء.


فعن معاذ رضي الله عنه، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعارواه البخاري .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

"من شرع الله له القصر وهو المسافر جاز له الجمع ولكن ليس بينهما تلازم ، فله أن يقصر ولا يجمع. وترك الجمع أفضل إذا كان المسافر نازلا غير ظاعن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في منى في حجة الوداع ، فإنه قصر ولم يجمع وقد جمع بين القصر والجمع في غزوة تبوك ، فدل على التوسعة في ذلك . وكان صلى الله عليه وسلم يقصر ويجمع إذا كان على ظهر سير غير مستقر في مكان ". انتهى .

("مجموع فتاوى ابن باز" (12/289))


وسئل ابن تيمية رحمه الله :

هل الجمع بين الصلاتين في السفر أفضل أم القصر؟

فأجاب :

"بل فعل كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع ، فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها . وإنما كان الجمع منه مرات قليلة". انتهى . "مجموع الفتاوى" (24/19) .

وقال أيضا رحمه الله :

"وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر ؛ بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضر". انتهى . "مجموع الفتاوى" (24/64) .


دخولُ وقت الصَّلاة وهو في السفر

لا يشترط لقصر الصلاة في السفر أن يكون قد دخل عليه الوقت وهو في سفر، فمن سافر بعد دخول الوقت فله قصر الصلاة لأن الاعتبار في صفة الصلاة بحال الأداء لا بحال الوجوب وهذا في حال الأداء مسافر فوجب أن يقصر.

قال ابن قدامة رحمه الله:

 (إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، فقال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما، قصرها؛ قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها). ((المغني)) (2/209).


وإليك بعض أحكام السفر

- قصر الصلاة في السفر سنة مؤكدة، فإن أتم المسافر صحت صلاته.

- أن المسافر إذا صلى خلف مقيم يتم، ولا يجوز له القصر.

- أن الجمع بين الصلوات في السفر، تجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. أما الفجر فتصلى في وقتها لا تجمع مع التي قبلها ولا مع التي بعدها.

وجمع الصلاة مع التي قبلها يسمى بجمع التقديم، مثل ما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة في حجة الوداع، فصلى العصر مع الظهر.

وجمع الصلاة مع التي بعدها يسمى جمع تأخير، مثل ما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليلة مزدلفة فجمع المغرب مع العشاء.

- أن صلاة المغرب كما هي لا تقصر إلى ركعتين. وصلاة الفجر كما هي ركعتين، إنما تقصر الرباعية إلى ركعتين، وهي صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة العشاء.

- أن الجمع بين الصلوات رخصة السفر، سواء تتابع به السير في السفر، أم لا، والأفضل أن يصلي الصلاة في وقتها إلا إذا تتابع به السير.

- وفي الجمع يؤذن للأولى ويقيم لكل صلاة. كما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

- لا جمعة على المسافر، فيصليها ظهراً. كما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حجته، فإن يوم الوقفة كان يوم جمعة، فلم يصلها إنما صلى الظهر وجمع معها العصر.

- إذا صلى المسافر الجمعة لا يجوز أن يجمع معها العصر؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

 - ثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتي الفجر والوتر وصلاة الليل والضحى في السفر، وهي من صلوات التطوع.

- السفر مشقة وعذاب، فإذا قضى المسلم حاجته فليعجل الرجوع إلى أهله وبلده.

- يكره للمسلم أن يسافر وحيدًا، أخرج مالك في الموطأ كتاب الاستئذان باب ما جاء في الوحدة في السفر، وأبوداود تحت رقم: (2607)، والترمذي تحت رقم: (1674) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ». وهو حديث حسن.

انتهى من مختصر أحكام السفر / الشيخ الدكتور محمد بن عمر بازمول -حفظه الله 


والله اعلم


وللفائدة..

هل يجوز الجمع فى البيت بسبب المطر؟


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات