القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

حكم قراءة القرآن من غير وضوء


يجوز لمن كان غير متوضىء أن يقرأ القرآن ويمسَّ المصحف على الصحيح وإن كان الأفضل له أن يتوضأ لأنه لا يوجد دليل صحيح صريح في منع المُحدِث من قراءة القرآن ولا من مسّ المصحف فيبقي الأمر على البراءة الاصلية وهي الإباحة.

وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود وابن حزم والشوكانى والألبانى.

والدليل :

1- قال النبي ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجَسُ". صحيح مسلم

فهذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حياً وميتاً .


عن ‏ ‏عبد الله بن عباس:

 ‏ أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا ‏‏نأتيك بوضوء. فقال: ‏إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. (صحيح النسائي رقم: 132)

فقوله : (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)يفيد قصر الواجب على الوضوء عند القيام إلى الصلاة ، فدل على أن ما سوى الصلاة لا يجب له الوضوء ؛ لأن إنما أداة تفيد القصر.

- كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. (صحيح مسلم)


- عن أبي مريم الحنفي : أن عمر قرأ بعد الحدث فقال له أبو مريم الحنفي : إنك خرجت من الخلاء ، فقال له : أمسيلمة أفتاك بهذا؟!. (مصنف بن أبي شيبة وصحح اسناده ابن حجر فى الإصابة رقم: 1/117 ) 

فمادام النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه فقد يذكر الله وهو على غير طهارة  ومادام يجوز قراءة القرآن بلا وضوء فيجوز أيضا مسه بلا وضوء  والتفريق بينهما تفريق لا دليل عليه .


أما إستدلال المانعين
 
بعموم قوله تعالى : (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).

 فليس بصواب - والله أعلم - ذلك أن الآية مرتبطة بما قبلها فإن الله تبارك وتعالى قال في سياق الآيات : (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ). فالذي في الكتاب المكنون هو ما في اللوح المحفوظ ، وقد تكرر وصف القرآن بذلك .قال الله جل جلاله : (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ  فِي لَوْح مَحْفُوظ). هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى فإن المقصود بـ (الْمُطَهَّرُونَ) هم الملائكة كما قال جماهير السّلف مِن المفسّرينَ والمحدّثين والفُقهاء-. وأما البشر فإنهم لا يُطلق عليهم ( مطهّرون ) لأنهم يتطهرون ولذا قال الله عز وجل في شأن البشر (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). وقال في أهل قباء : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) وقال في شأن النساء:(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فالناس يتطهّرون ولا يُوصفون بأنهم (مُطهّرون ).

قال ابن عباس :

 (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).

 قال : الكتاب الذي في السماء . وقال مرة : يعني الملائكة . وكذا ورد عن ابن مسعود حيث قال : هو الذكر الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة.

قال قتادة :

 (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).

 قال : لا يمسه عند الله إلا المطهرون ، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس ، والمنافق الرجس ، وقال : وهي في قراءة ابن مسعود ( ما يمسه إلا المطهرون ) وقال أبو العالية ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) قال : ليس أنتم . أنتم أصحاب الذنوب .

قال الإمام مالك :

 أحسن ما سمعت في هذه الآية : ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) إنما هي بمنـزلة هذه الآية التي في عبس وتولى ؛ قول الله تبارك وتعالى : (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُف مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة * بِأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة) .

وذكر الطبري :

 أن هذا قول : ابن عباس، وسعيد بن جبير وأبي نهيك، وعكرمة، ومجاهد وغيرهم.

قال بن رشد

 في بداية المجتهد(ص4 :

فمن فهم من (المطهرون) بني آدم وفهم من الخبر النهي قال : لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر.

ومن فهم أنه خبر فقط وفهم من اللفظ (المطهرون) الملائكة قال: إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف.

وإذا لم يكن هناك دليل لا من كتاب ولا سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الاصلية وهي الإباحة .اه

- فمن يقول من المانعين 

أن المراد بقـــوله تعالى ﴿ لا يَمَـسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴾ أى لايمس القرآن إلا المطهرون ،والآية خبر تضمن نهياً ليس بصواب فالآية على صورة الخبر ، و ليست على صــورة النهى ، والأصل فى الكلام صرفه على ظاهره ، فلا يجوز أن يصرف لفـظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي ، أو إجماع متيقن ، ولم يثبت شيء من ذلك ،و القول بأن ﴿ لا يمسه ﴾ نهي قول فيه ضعف ، و ذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة ، وقوله بعد ذلك : ﴿ تنزيل ﴾ : صفة أيضاً ، فإذا جعلناه نهياً جاء معنى أجنبياً معترضاً بين الصفات ، وذلك لا يحسن في رصف الكلام ، ذكره ابن عطية فى تفسيره .

- ومن يقول من المانعين 

أن لفظ الآية خبر، و الخبر يفيد الطلب لذا القرآن هو المقصود وليس الذكر الذي في السماء لأن الملائكة مطهرون دوماً، ولو كان المقصود الملائكة، فالآية لا تفيد الخبر، فأصبحت مذكورة في معنى الطلب دون مراد و هذا ممنوع في القرآن فالطلب يكون من المسلمين في الأرض ليس من الملائكة والجواب على ذلك أن الأصل في الخبر الإخبار لا الطلب و من يصرفه عن حقيقته فهو المطالب بالدليل .

- وإن قالوا 

إذا كانت الصـــحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون ، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر ، وقالوا يمكن الاستدلال بالآية بقيـاس بنــي آدم على الملائكة أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية من باب التنبيه والإشارة ؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون ، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر ، والحديث مشتق من هذه الآية. فنقول لهم: هذا قياس مع الفارق ؛ لأن هذا قياس عالم الشهادة علي عالم الغيب فالملائكة ليســوا كالبشر فلا يأكلون ،ولا يشربون ،ولا ينامون ، ولا يتزوجون ،والله قد طهرهم من الآفات والذنوب.

وقولهم قوله ﴿ فاطهروا ﴾ فدل على أن المحدث ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمراً بتطهير الطاهر وهذا غير مسلم. 

فنقول الطاهر من المشتركات اللفظية ، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، و الطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة ، ولابد لحمله على معين من قرينة .

إذاً سقط الاستدلال بالآية على منع المُحدث حدثا أصغر أو أكبر من مس المصحف.


يقول ابن القيم 

في تقرير دلالة الآية الكريمة على ذلك :

" فصل :

ثُمَّ قال تعالى : فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: 78]، اختلف المفسِّرون في هذا ، فقيل: هو اللوح المحفوظ .

والصحيح أنَّه الكتاب الذي بأيدي الملائكة ، وهو المذكور في قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) [عبس: 13 - 16].

قال مالك : "أحسن ما سمعت في هذه الآية - يعني قوله: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ - أنها مثل التي في "عَبَسَ": فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ.

ويدلُّ على أنَّه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. فهذا يدلُّ على أنَّه بأيديهم يَمَسُّونَهُ وهذا هو الصحيح في معنى الآية.

ومن المفسِّرين من قال : إنَ المراد به أنَّ المصحف لا يَمَسُّه إلا طاهرٌ.

والأوَّلُ أرْجَحُ لوجوهٍ :

أحدها :

أنَّ الآية سيقت تنزيها للقرآن أنْ تنزِلَ به الشياطين، وأنَّ مَحَلهُ لا يصل إليه فيمسَّهُ إلا المطهَرون، فيستحيل على أَخَابِثِ خلق الله - وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يَمَسُّوه، كما قال تعالى : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء: 210 - 211] .

فنفَى الفعلَ وتأَتِّيه منهم، وقدرتَهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه. فإنَّ الفعلَ قد ينتفي عمَّنْ يَحْسُنُ منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنَفَى عنهم الأمور الثلاثة.

وكذلك قوله -تعالى- في سورة "عبس" : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) [عبس: 13 - 16]، فوصَفَ مَحَلَّهُ بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزَّلَ به. وتقرير هذا المعنى أهمُّ وأجلُّ وأنفعُ من بيان كون المصحف لا يمسُّه إلا طاهرٌ.

الوجه الثاني :

أنَّ السورةَ مكَيَّةٌ، والاعتناء في السُّوَرِ المكَيَّةِ إنَّما هو بأصول الدِّين، من تقرير التوحيد، والمَعَاد، والنُّبوَّة. وأمَّا تقرير الأحكام والشرائع فمظِنَّتُهُ السُّوَرُ المدنيَّةُ.

الثالث :

 أنَّ القرآنَ لم يكن في مُصْحَف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما جُمِعَ في المصحف في خلافة أبي بكر. وهذا وإنْ جازَ أن يكون باعتبار ما يأتي؛ فالظاهر أنَّه إخبارٌ بالواقع حال الإخبار . يوضِّحُهُ :

الوجه الرابع :

 وهو قوله : فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)، و"المَكْنُون": المَصُون المَسْتُور عن الأعين الذي لا تناله إيدي البَشَر، كما قال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) [الصافات: 49]، وهكذا قال السلف.

قال الكلبي :"مَكْنُونٌ من الشياطين".

وقال مقاتل :"مَسْتُور" .

وقال مجاهد :"لا يصيبه ترابٌ ولا غُبَارٌ" .

وقال أبو إسحاق :"مَصُونٌ في السماء" .

يوضِّحُهُ :

الوجه الخامس :

 أنَّ وَصْفَهُ بكونه "مكنونًا" : نظير وَصْفه بكونه "محفوظًا"، فقوله عزَّ وجلَّ : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) كقوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) [البروج: 21 - 22] .

يوضِّحُهُ :

الوجه السادس :

 أنَّ هذا أبلغُ في الردِّ على المكذِّبين، وأبلغُ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسُّهُ مُحْدِثٌ.

الوجه السابع :

 قوله : لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) بالرَّفْع ، فهذا خبرٌ لفظًا ومعنىً، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا.

ومن حَمَلَ الآية على النَّهْي ، احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النَّهْي، والأصل في الخبر والئهْي حَمْلُ كُلٍّ منهما على حقيقته، وليس ههنا مُوجِبٌ يُوجِبُ صَرْف الكلام عن الخبر إلى النَّهْي.

الوجه الثامن :

 أنَّه قال : إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) ولم يقل: إلا المتطهِّرون. ولو أراد به مَنْعَ المُحْدِثِ من مَسِّهِ لَقَال: إلا المتطهِّرون، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) [البقرة: 222]، وفي الحديث : "اللهُمَّ اجعَلْني من التوَّابين، واجعلني من المُتَطَهِّرين" ؛ فـ "المُتَطَهِّر" فاعِلُ التطهير، و"المُطَهَّر" الذي طهَّرَهُ غيرُهُ، فالمتوضِّئُ ، كمتطهِّرٌ، والملائكةُ مطهَّرون.

الوجه التاسع :

 أنَّه لو أُريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الإخبار عن كونه مَكْنُونًا كبيرُ فائدةٍ، إذ مجرَّدُ كَونِ الكلام مكنونًا في كتابٍ ، لا يستلزم ثبوته . فكيف يُمدَح القرآن بكونه مكنونًا في كتابٍ ، وهذا أمرٌ مشتركٌ ؟!

والآيةُ إنَّما سِيقت لبيان مدحه وتشريفه ، وما اختصَّ به من الخصائص التي تدلُّ على أنَّه منزَلٌ من عند الله ، وأنَّه محفوظٌ مَصُونٌ ، لا يصل إليه شيطانٌ بوجهٍ ما، ولا يَمسُّ مَحَلَّهُ إلا المطهَّرون ، وهم السَّفَرَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ.

الوجه العاشر :

 ما رواه سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا أبو الأحْوَص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) قال: "المطهَّرون: الملائكة".

وهذا -عند طائفةٍ من أهل الحديث في حكم المرفوع.

قال الحاكم : " تفسير الصحابة -عندنا- في حكم المرفوع" ، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنَّه عنده أصحُّ من تفسير مَنْ بَعد الصحابة ، والصحابةُ أعلم الأمَّة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم.

وقال حرب في "مسائله" :

 "سمعت إسحاق في قوله: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال : النُّسْخَةُ التي في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون. قال : الملائكة" .اه

("التبيان في أيمان القرآن" (1/ 330))


وقال الإمام ابن حزم رحمه الله :

وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز ، كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض .

برهان ذلك أن قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعال خير مندوب إليها مأجور فاعلها ، فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان .اه

"المحلَّى" (1/ 107)

وقال أيضا رحمه الله :

 وأمَّا مسُّ المصحف

 فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ منها شيء ؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان.

ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (أخرجه البخارى) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم. ثمَّ قال : 

فإِن قالوا :

 إِنِّما بعَث رسول الله ﷺ  إِلى هِرَقل آية واحدة!.

 قيل لهم :

 ولم يمنع رسول الله ﷺ من غيرها وأنتم أهل قياس فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها.

ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى : {لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ}.(سورة الواقعة)؛ بأنَّه خبر وليس أمراً، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله -عزّ وجلّ- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتاباً آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء .اه

("المحلَّى" (1/ 107))


وقال الإمام الألبانى رحمه الله

في تمام المنة  ص 107 :

ومن ( ما يجب له الوضوء )

قلت : ذكر فيه حديث : " لا يمس القرآن إلا طاهر " من طريقين ، ثم قال : " فالحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا ولكن الطاهر لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر ويطلق على المؤمن وعلى من ليس على بدنه نجاسة ولا بد لحمله على معين من قرينة فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف ".

(قلت (الألبانى : 

هذا الكلام اختصره المؤلف من كلام الشوكاني على الحديث في " نيل الأوطار " ( 1 / 180 - 181 ) وهو كلام مستقيم لا غبار عليه إلا قوله في آخره : " فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف ". فإنه من كلام المؤلف ومفهومه أن الحديث نص في منع المحدث حدثا أكبر من مس المصحف وهو على هذا غير منسجم مع سياق كلامه لأنه قال فيه : " ولا بد لحمله على معين من قرينة " فها هو قد حمله على المحدث حدثا أكبر فأين القرينة ؟

فالأقرب - والله أعلم - أن المراد بالطاهر في هذا الحديث هو المؤمن سواء أكان محدثا حدثا أكبر أو أصغر أو حائضا أو على بدنه نجاسة لقوله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن لا ينجس ". وهو متفق على صحته والمراد عدم تمكين المشرك من مسه فهو كحديث : " نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ". متفق عليه أيضا وقد بسط القول في هذه المسالة الشوكاني قي كتابه السابق فراجعه إن شئت زيادة التحقيق.اه

ثم قال رحمه الله ص 116 :

ومن ( ما يحرم على الجنب )

قوله : " . . ولا مانع من مس ما اشتمل على آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته "

(قلت (الألبانى :

 هذا الجواب مبني على القول بحرمة مس المصحف من الجنب والمصنف لم يذكر دليلا عليه ههنا ولكنه أشار في " فصل : ما يجب له الوضوء " أن الدليل هو قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يمس القرآن إلا طاهر " مع أنه صرح هناك بأن لفظة " طاهر " مشترك يحتمل معاني شتى وأنه لا بد من حمله على معنى معين من قرينة ثم حمله هو على غير الجنب بغير قرينة.

وقد رددنا عليه هناك بما فيه كفاية وبينا المراد من الحديث هناك وأنه لا يدل على تحريم مس القرآن على المؤمن مطلقا ، فراجعه. والبراءة الأصلية مع الذين قالوا بجواز مس القران من المسلم الجنب وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنها ، فتأمل .اه

وسئل أيضا رحمه الله :

هل يجوز للحائض قراءة القرآن ولمسه؟

الجواب :

 لا نجد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على منع الحائض والجنب من مس القرآن أو تلاوته، بل لعلنا نجد من القواعد والأصول ما يدل على خلاف ذلك، ألا وهو الجواز؛ ذلك لأن من الأصول التي تبنى عليها فروع كثيرة قولهم:

"الأصل في الأشياء الإباحة"

 فهنا لمس للقرآن، وهنا قراءة من القرآن، فكل من الأمرين الأصل في ذلك الإباحة، فلا ينبغي الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل ملزم من الكتاب أو السنة الصحيحة، ولا يوجد مطلقاً في الكتاب ولا في السنة ما يمنع الجنب من مس القرآن أو تلاوته، وكذلك المرأة الحائض. بل قد نجد في تضاعيف السنة ما يشهد للأصل في ذلك. مثلاً:

 روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه). فهذه الكلية التي أطلقتها السيدة عائشة في حديثها تشمل أحيان الرسول صلى الله عليه وسلم كلها؛ أي سواء كان طاهراً أو غير طاهر، سواء كان على حدث أصغر أو حدث أكبر، والذي يؤكد هذا المعنى العام في هذا الحديث -حديث عائشة- أنها هي أيضاً حدثتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد يُصبح أحياناً جنباً من احتلام ، - وفي رمضان - فيدخل عليه الفجر وهو جنب من احتلام، فيصوم ثم يغتسل.

ووجه الاستـدلال بهذا : 

أننا نعلم من أحاديث أخرى أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ سورة تبارك، وكان لا ينام في كثير من لياليه حتى يقرأ سورة المزمل، كذلك في بعض الأحاديث الحض على قراءة آية الكرسي، ونحو ذلك من الأذكار المعروفة في كتب الأذكار، فلم يأتي ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة التي كان ينام فيها جنباً كان لا يقرأ هذا الذي شرعه - إن صح التعبير- للناس، أن يقرؤوه بين يدي اضطجاعهم من نومهم .اه

(متفرقات الألباني/ شريط رقم: ( 226 ))


ولما كان إطلاق 

اسم النجس على المؤمن المحدث أو الجنب لايصح حقيقة ولامجازاً ولا لغةً لقوله صلى الله عليه و سلم : ‏(( ‏المؤمن لا ينجس‏)) متفق عليه ؛ لأن الطاهر من ليس بنجس ، والمؤمن ليس بنجس دائمًا فلا يصح حمل الطاهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية بل يتعين حمله على من ليس بمشرك كما في قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [ التوبة من الآية 28 ] ، ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، و الحديث و الآية السابقان يدلان على أن المراد بالطاهر الطاهر من الشرك .

ولو أريد بالحديث الطهارة الشرعية لكان الحديث لا يمس القرآن إلا متطهر أو إلا متوضيء فلفظ الطاهر مجمل فقد يكون طاهر من الشرك أو طاهر من الحدث الأكبر أو طاهر من الحدث الأصغر ، ويقوي الاحتمال بأنه الطاهر من الشرك أن كتاب عمرو بن حزم كتب إلى أهل اليمن ولم يكونوا مسلمين في ذلك الوقت ، فكونه لغير المسلمين يكون قرينة أن المراد بالطاهر هو المؤمن ،وللنهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو و المؤمن طاهر دائما لأن المؤمن لا ينجس ، و لو أراد النبي بالطاهر المحدث لبينه صلى الله عليه و سلم لأهل المدينة فهم أحوج لهذا البيان لكثرة حاجتهم إلى ذلك .

كما أن لفظ حديث : ( لا يمس القرآن إلا طاهر )حجة على من يقول المقصود به الطاهرة من الحدث فلو كان المراد أمر المؤمنين ألا يمسوا القرآن إلا وهم متطهرين لقال لا تمسوا القرآن إلا و أنتم متطهرين أو لا يمس المؤمن القرآن إلا وهو متطهر فلما لم يذكر المؤمن دل على أن المقصود عدم مس الكافر ؛ لأنه ليس بطاهر ، وقد ورد النهي عن عدم تمكين الكافر من المصحف فتأيد حمل الحديث عليه .

وقرائن قصد الطاهر من الشرك

 في الحديث كثيرة منها :
 
1- ورود نهي للمؤمنين ألا يذهبوا بالمصحف لأرض العدو

2- أن الصحابي قد بعثه النبي  لغير مسلمين فالغالب عند دخول الإسلام بقاء البعض على الكفر فلا يمكنوا هؤلاء الكفرة من مس المصحف.

3- أن المسلم يكون طاهرا دائما ، ولا يصدق عليه أنه ليس بطاهر عند الإطلاق أما عند تلبسه بجنابة أو حيض أو نفاس يقال ليس بطاهر من كذا ،أي ليس بطاهر مع تقييد عدم الطهارة و ليس ليس بطاهر على سبيل الإطلاق أي عدم الطهارة مقيدة بأنه ليس بطاهر من كذا و أن الحديث لا يمس القرآن إلا طاهر و ليس لا تمسوا القرآن إلا و أنتم متطهرين.

4- لو أراد النبي بالطاهر المحدث لبينه صلى الله عليه و سلم لأهل المدينة فهم أحوج لهذا البيان لكثرة حاجتهم إلى ذلك.

والإنسان طاهر من حيث الأصل فالأصل في الأشياء الطهارة ما لم يأت دليل.

وأما من يقول من المانعين

لم يكن من عادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَبِّرَ عن المؤمن بالطَّاهر؛ لأنَّ وَصْفَهُ بالإِيمان أَبْلَغُ والتَّعبير الكثير مِنْ قوله صلّى الله عليه وسلّم أن يُعَلِّقَ الشَّيء بالإيمان ، وما الذي يَمْنَعُهُ مِنْ أن يقول: لا يَمَسُّ القرآنَ إِلا مُؤْمِنٌ، مع أنَّ هذا واضح بَيِّن ، وقال صاحب موسوعة أحكام الطهارة ردا على من يفسر الطاهر في الحديث بالمؤمن : ( يشكل عليه أن القرآن والسنة كانت تخاطب الصحابة بلفظ الايمان والإسلام ولم يخاطب القران الصحابة بوصف الطاهرين ). والجواب عن ذلك أن القول بأن النبي  ليس من عادته أن يُعَبِّرَ عن المؤمن بالطَّاهر كلام يحتاج لدليل فهو نتيجة بلا مقدمات ،والقول بأنه ما المانع أن يطلق لفظ المؤمن بدل الطاهر يقال لمن يقوله وما المانع من أن يطلق الطاهر بدل المؤمن وليس هذا المنع بأولى من هذا المنع

، ومن يقول : يشكل عليه أن القرآن و السنة كانت تخاطب الصحابة بلفظ الايمان و الإسلام ولم يخاطب القران الصحابة بوصف الطاهرين يجاب عنه بأن الصحابة ماداموا خطبوا بالمفهوم فهو خطاب كالمنطوق فدلالة المفهوم خطاب ودلالة المنطوق خطاب فلا يصح هذا الإشكال والمؤمن لا ينجس فهو طاهر بدليل الخطاب ودليل الخطاب خطاب ، والمشركون نجس فالمسلمون أطهار بدليل الخطاب ، ولولا فهم الصحابة لهذا وهذا ما خاطبهم القران والسنة بذلك ، ومادام خاطبهم القران والسنة بذلك فهم طبعا قد استعملوا هذا وهذا ، ولا يوجد نص على أنهم لم يستعملوا الطاهر بمعنى الطاهر من الشرك.

ومن يقول من المانعين أن الطاهر في الحديث تعني الطاهر من الحدث ؛ لأنه المعنى المفهوم عند الصحابة يقال له يعارض ذلك دلالة حديث المؤمن لا ينجس و كون المشركين نجس .

ومن يقول من المانعين كيف يكون المقصود بقوله : ( لا يمس القرآن إلا طاهر ) المؤمن والخطاب موجه إلى المشركين الذين لا علم لهم بتعبيرات القرآن والسنة الذين ورد فيهما ما يشعر بوصف الكافر بالنجس والمؤمن بالطاهر فلا شك أن النبي كان حريصا كل الحرص على أن تكون كتبه الموجهه للكفار واضحة في دلالتها وليس فيها لبس أو إيهام ، والجواب أن خطاب لا يمس القران إلا طاهر موجه للمؤمنين وهو ألا يمكنوا مشرك من المصحف و ليس موجها للمشركين .

ومن يقول من المانعين المقصود بالطاهر الطاهر من الحدث ؛ لأن الأحكام لم تتعلق بصفة الطاهرة من الشرك وحدها والجواب أن هذا كلام غير مسلم فقوله  ( المؤمن لا ينجس ) ترتب عليها أحكام أن المؤمن لا يصير نجسا حيا وميتا ، واستدل بها البعض على عدم وجوب الوضوء لمن يغسل مسلما ، و قوله تعالى : ﴿ إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا ﴾ ترتب عليها حكم ألا وهو عدم تمكينهم من الاقتراب من المسجد الحرام.

ومن يقول من المانعين أجمع الصحابة - رضوان الله عليهم - على القول بعدم جواز مس المحدث المصحف ، حـيث روي ذلك عمن تقدم ذكرهم من فقهاء الصحابة ومشاهيرهم، و لم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكـان إجماعًا سكوتيًا.

والجواب :

دعوى الإجماع غير متيقن بدليل وجود المخالف من الصحابة والتابعين ومن بعدهـم فكــيف يقال أن هناك إجماعاً سكوتياً ؟!

قال ابن عطية :

ورخص بعض العلماء في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر قلب، منهم ابن عباس و عامر الشعبي.اه

[تفسير بن عطية 5/252] .

قال القرطبي :

اختلف العلماء في مسِّ المصحف على غير وضوء فالجمهور على المَنْع من مسِّه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشَّافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة. فروي عنه أنه يمسّه المحدث، وهذا مروي عن ابن عباس والشعبي وغيرهما.

 [ تفسير القرطبي 17/226] .


الخلاصة

لم يثبت النهي عن مس المصـحف بلا طهارة لا في كتاب ، ولا في سنة ولا فى إجماع وإن كان الأفضل لمن يريد القراءة أن يتوضأ فيبقى الحكم على البراءة الأصلية وهي الإباحة. وغاية حجة المانعين هو حديث عمرو بن حزم الذى اختلف فى صحته ، وهو يدل على أن الطاهر من الشرك لا يمس المصحف كما في قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة من الآية28 ] ، ولحديث النهي عن السفر بالقـرآن إلى أرض العدو ، ولا يدل على أن الطاهر من الحدثين لا يمس المصحف لقوله  : ‏(( ‏المؤمن لا ينجس‏)) ؛ لأن الطاهر من ليس بنجس ،والمؤمن ليس بنجس دائمًا فلا يصح حمل الطاهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية بل يتعين حمله على من ليس بمشرك. وإيجاب الطهارة لمس المصحف حكم تكليفى لابد له من نص صحيح صريح يحسم مادة الخلاف ،وليس فى نصوص الشريعة أمر بالطهارة لمس المصحف بصيغة قاطعة الدلالة على الوجوب فمع الإحتمال يسقط الإستدلال .


والله اعلم 


وللفائدة..

هل يجوز مس المصحف للحائض والجنب؟


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات