✅ مسألة مس المصحف للحائض والجنب من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف بين العلماء،
والراجح عند طائفة من أهل العلم هو الجواز، لعدم ثبوت دليل صحيح صريح يمنع منه.
وفي هذا المنشور نعرض أدلة القول بالجواز مع بيان أقوال العلماء.
هل يجوز مس المصحف للحائض والجنب وقراءته؟
● يجوز للحائض والجنب مسّ المصحف والقراءة فيه، وهو القول الراجح إن شاء الله، لعدم وجود دليل صحيح صريح من الكتاب أو السنة يمنع ذلك.
● لأن الأصل بقاء الحكم على البراءة الأصلية، وهي الإباحة، ما دام لم يرد نص ثابت صريح يدل على التحريم أو المنع.
● ولأن إيجاب الطهارة لمس المصحف حكم شرعي يحتاج إلى دليل صحيح واضح الدلالة،
ولا يوجد في نصوص الشريعة ما يدل دلالة قاطعة على الوجوب، ومع وجود الاحتمال لا يصح الاستدلال.
● ويؤيد ذلك أن القرآن كان يُتلى ويُكتب في زمن النبي ﷺ في الصحف والجلود، ولم يثبت أنه نهى الحائض عن مسّه،
فلو كان مسّه حرامًا لبيّنه النبي ﷺ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، مع بقاء كون القراءة على طهارة أكمل وأفضل.
▣ وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم واختاره الألباني.
أدلة القول بجواز مس المصحف للحائض والجنب.
1- حديث “المؤمن لا يَنْجُسُ”.
✅ قال النبي ﷺ: «إن المؤمن لا يَنْجُسُ». (البخاري ومسلم). وفي رواية: "إن المسلم".
◄ دلّ الحديث على: طهارة بدن المسلم في جميع حالاته، ولا يصير نجسًا بما يصيبه من الجنابة أو الحيض للمرأة.
★ قال الإمام النووي رحمه الله: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيّاً وميتاً فأمَّا الحيّ فطاهر بإجماع المسلمين...اهـ.
★ قال الحافظ ابن حجر فى "فتح الباري": أراد بذلك نفي هذا الوصف وهو النجس عن المسلم حقيقة ومجازاً. انتهى.
★ وقال ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى": وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ، وَالثَّوْبَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَرَقُهُ طَاهِرٌ. انتهى.
2- حديث "ناوليني الخُمرة من المسجد".
✅ قال النبي ﷺ لعائشة رضى الله عنها: «إن حيضتك ليست في يدك». (صحيح مسلم).
◄ دل الحديث على: أن موضع الحيض -وهو الفرج فقط- هو الذي يكون نجسًا، وما سوى ذلك من بدن المرأة طاهر.
★ قال الشيخ الألباني رحمه الله: ..إذن لا مانع للحائض مطلقا أن تقرأ القرآن ولا مانع أن تمس القرآن ولامانع أن تدخل المسجد،
فمن ادعى أن شيئا من هذه الأشياء الثلاثة محرم على المرأة الحائض، فنقول كما قلنا آنفا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ينظر: (رحلة النور-(126)).
3- حديث "ذكر الله على كل حال".
✅ قالت عائشة رضى الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه». (صحيح مسلم).
◄ دل الحديث على: جواز الذكر بدون اشتراط الطهارة في كل حال، فلا نُؤثّم عباد الله بفعل شيء لم يثبت به نص.
أقوال العلماء في جواز مس المصحف.
★ قال الإمام ابن حزم رحمه الله :
قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى- جائز كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض.
برهان ذلك أن قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعال خير مندوب إليها مأجور فاعلها،
فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان. انظر:( المحلى- لابن حزم ٩٤/١).
★ وقال أيضا رحمه الله :
وأما مسُّ المصحف فإنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجِز للجنب مسه: فإنه لا يصحُّ منها شيءٌ،
لأنَّها إما مرسلةٌ وإما صحيفةٌ لا تُسند، وإما عن مجهولٍ وإما عن ضعيفٍ، وقد تقصيناها في غير هذا المكان. انظر: "المحلى" (1/97).
★ قال الشيخ الألباني رحمه الله:
في تعقباته على سيد سابق: ومن ما يحرم على الجنب : قوله:
« ...ولا مانع من مس ما اشتمل على آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها، فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته ».
قلت: هذا الجواب مبني على القول بحرمة مس المصحف من الجنب والمصنف لم يذكر دليلا عليه ههنا،
ولكنه أشار في « فصل : ما يجب له الوضوء» أن الدليل هو قوله - ﷺ: « لا يمس القرآن إلا طاهر ».
مع أنه صرح هناك بأن لفظة « طاهر» مشترك يحتمل معاني شتى، وأنه لا بد من حمله على معنى معين من قرينة ثم حمله هو على غير الجنب بغير قرينة،
وقد رددنا عليه هناك بما فيه كفاية، وبينا المراد من الحديث هناك، وأنه لا يدل على تحريم مس القرآن على المؤمن مطلقا. فراجعه.
والبراءة الأصلية مع الذين قالوا بجواز مس القران من المسلم الجنب، وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنها. فتأمل. انظر:[تمام المنة ص (١١٦)].
★ وقال أيضا رحمه الله :
...فلا يجوز أن نمنع النساء من قراءة القرآن بحجة أنها غير طاهرة، لو أن الله منعها كما منعها من الصلاة لوقفنا عند هذا وانتهينا،
لكننا نجد الشارع الحكيم قد أوحى إلى الرسول الكريم بالتفريق بين الصلاة وبين أجزاء الصلاة، لأن بعض الناس يقولون:
يا أخي القراءة ركن من أركان الصلاة، فلماذا لا يجب الطهارة لهذه القراءة وهي جزء من أجزاء الصلاة؟
فنقول: ليست القراءة فقط هي جزء من أجزاء الصلاة، أول ما يستفتح الصلاة به هو قولنا: الله أكبر، فلنقل:
إنه لا يجوز للمسلم أن يقول الله أكبر إلا على طهارة؛ لأنها ركن من أركان الصلاة ... التسبيح والتحميد والتكبير إلخ،
لا يوجد مانع من ذلك أبداً، مع الاحتفاظ بما ذكرناه من الأفضل أن يذكر الله على طهارة.
كذلك يقال تماماً بالنسبة لمس القرآن، أيضاً مس القرآن يشرع، فقد جاءت آثار عن بعض الصحابة أنهم كانوا يمتنعون - يمتنعون فكراً - عن مس القرآن إلا على وضوء،
وهذا فيه بيان لما هو الأفضل لمن يريد أن يمس القرآن أو أن يقرأ من القرآن،
أما الإيجاب والقول بأنه يحرم على المرأة غير الطاهرة أن تمس القرآن فهذا لا دليل عليه أبداً. انظر: (الهدى والنور / ١/ ٤٥: ٤٧: .. ).
خلاصة الحكم الشرعي:
● مس المصحف للحائض والجنب: الأصل فيه الجواز.
● لا يوجد نص صحيح صريح يمنع من مس المصحف للحائض والجنب أو القراءة فيه.
● الطهارة عند القراءة والمس هي الأفضل والأكمل.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
%20(1).webp)
تعليقات
إرسال تعليق