✅ تُعد آية {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} من الآيات التي كثر فيها كلام المفسرين، خاصة في مسألة الوقف والوصل، وما يترتب عليهما من اختلاف في معنى "التأويل".
وفي هذا المنشور نوضح القولين، ونبين المعنى الصحيح بطريقة سهلة مناسبة للعامة وطلبة العلم.
أقوال العلماء في الوقف على الآية.
اختلف المفسرون في الوقف عند قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} على قولين:
1- الجمهور: يقفون عند {إلا الله}.
2- وبعضهم: يعطف {والراسخون في العلم} على {الله}.
✔️ والخلاصة: كلا الوجهين جائز عند أهل العلم.
معنى التأويل في الآية:
🔸 على قراءة الوقف (إلا الله).
◄ إذا وقفنا عند قوله تعالى : {إلا الله}، كان معنى التأويل : حقيقة الشيء وكيفيته التي يؤول إليها الأمر. أي: لا يعلم حقائق الأمور وكنها إلا الله وحده، مثل:
● كيفيات صفات الله.
● حقائق ما يكون في اليوم الآخر.
✔ وعلى هذا: فالراسخون في العلم على قراءة الوقف يؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، أي يؤمنون بالمتشابه ويفوضون علم حقيقته إلى الله. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (/224).
🔸 أما على قراءة الوصل.
◄ أما إذا وصلنا : {إلا الله والراسخون في العلم}، كان معنى التأويل: التفسير والبيان وفهم المعنى.
أي أن : الله يعلم التفسير، والراسخون في العلم يعلمونه أيضًا، كما قال ابن عباس عن نفسه رضي الله عنه. فيقومون بـ:
● رد المتشابه إلى المحكم.
● إزالة الشبهات.
● بيان المعاني الصحيحة.
يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/12).
هل هناك تعارض بين القولين؟
لا يوجد تعارض بين القولين، كما قرره أهل العلم “المعنى معلوم، والكيف مجهول”، لأن:
1- التأويل إن أُريد به الحقيقة والكيفية → فهو خاص بالله.
2- وإن أُريد به التفسير والبيان → يعلمه الله والراسخون.
✔️لا تعارض بين القولين؛ لأن التأويل إن أُريد به المعنى والتفسير فهو معلوم للراسخين، وإن أُريد به حقيقة المعاني وكيفياتها فهو مما استأثر الله بعلمه.
★ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
المقصود هنا أن السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران: 7] بناء على أن التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا يعلمها إلا هو.
وطائفة منهم؛ كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما- قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل، ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني، وهو التفسير، فليس بين القولين تناقض في المعنى. انظر:((الصفدية)) (1/ 291).
أقوال العلماء في المسألة.
★ قال العلامة المحقق الراغب الأصفهاني رحمه الله:
الوقفُ على قوله : "وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ"، ووصله بقوله : "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ". جائز، وأنَّ لكلٍّ واحد منهما وجهًا. انظر:((المفردات)) (ص 445).
★ قال العلامة السعدي رحمه الله:
للمفسرين في الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل،
فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله }لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته،
نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك،
فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته...وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون،
وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { الراسخون } على { الله }، فيكون الله قد أخبر أن:
تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى، والراسخون في العلم يعلمون أيضا،
فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا }وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا.. انظر:((تفسير السعدي)) (ص: 122).
★ قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
... فعلى قراءة الوقف عند قوله: {إلا الله}؛ يتعين أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته؛ لأن حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمها إلا الله -عز وجل-،
وعلى قراءة الوصل- يتعين أن يكون المراد به التفسير؛ لأن تفسيره معلوم للراسخين في العلم، فلا يختص علمه بالله تعالى.
فنحن نعلم معنى الاستواء- أنه: العلو والاستقرار، وهذا هو التأويل المعلوم لنا، لكننا نجهل كيفيته وحقيقته التي هو عليها، وهذا هو التأويل المجهول لنا،...
وهكذا بقية الصفات والأسماء، لكننا نجهل حقائق هذه المعاني وكنْهها الذي هي عليه بالنسبة إلى الله -عز وجل.. انظر:(تقريب التدمرية).
معنى التأويل في اصطلاح المتأخرين.
● عند كثير من المتأخرين: التأويل هو " هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر (الراجح) إلى معنى آخر (مرجوح) لوجود دليل يدلّ عليه"، وهذا النوع:
✔️ إذا دل عليه الدليل فهو محمود وهو حق.
✔️ وإذا لم يدل عليه الدليل فليس محمودًا وليس بحق وهو باطل.
▣ مثال مختصر:
قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله}.
🔹 الظاهر (المعنى الراجح): أن الاستعاذة تكون بعد الانتهاء من القراءة (لأن “قرأت” قد تُفهم بمعنى: فرغت).
🔹 لكن هل هذا هو المراد؟ لا؛ لأننا نعلم من سُنّة النبي ﷺ أنه كان يستعيذ قبل أن يبدأ القراءة، لا بعدها.
🔹 إذًا ماذا فعلنا؟ صرفنا معنى الآية من: إذا فرغت. إلى: إذا أردت أن تبدأ.
🔹 لماذا صرفناه؟ لوجود دليل، وهو فعل النبي ﷺ.
✅ فالنتيجة: هذا يُسمّى تأويلًا؛ لأننا تركنا المعنى الظاهر إلى معنى آخر بدليل. انظر: (العقيدة التدمرية- لابن عثيمين(12)).
معنى قول السلف فى الصفات (أمروها كما جاءت).
◄ أي: بلا تفسير مبتدع يخالف النصوص، كما يفسرها الجهمية والمعتزلة ومن تأثر بهم كالأشاعرة.
◄ أو: بلا تفسير للكيفية، لأن معاني الصفات معلومة لنا، وكيفيتها مجهولة لنا
.ينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/ 38 - 46).
الخلاصة :
● الوقف والوصل في الآية كلاهما صحيح.
● الاختلاف سببه اختلاف معنى "التأويل".
● لا تعارض بين أقوال العلماء، بل هو اختلاف تنوع.
● منهج أهل السنة: إثبات المعنى وتفويض الكيفية.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق