✅ مسألة القول بـ «مماسة الله تعالى للعرش» من المسائل العقدية التي يكثر فيها الخلط بسبب استعمال ألفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة.
✅ على هذا الأساس جاء هذا البيان المختصر لتوضيح القول الصحيح في هذه المسألة وفق منهج السلف الصالح.
أولًا : من قواعد باب صفات الله تعالى : التوقف في الألفاظ المجملة المحدثة التي لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباتها ولا نفيها.
▣ فإن أُريد باللفظ معنى باطل يُنَزَّه الله عنه رُدَّ، وإن أُريد به معنى حق لا يمتنع على الله قُبِل المعنى،
مع بيان المعنى الصحيح بالألفاظ الشرعية الواردة، وترك اللفظ المجمل المحدث وعدم استعماله.
ثانيًا : كيف نتعامل مع لفظ «المماسة»؟
● لفظ "المماسة" من الألفاظ التي لم ترد في نصوص الوحي لا إثباتًا ولا نفياً، لذلك لا نثبت اللفظ نفسه ولا ننفيه،
فلا نقول إن الله استوى على العرش "بدون مماسة" أو "بمماسة"، بل نقول : استوى على العرش. ولا نتجاوز الكتاب والسنة، حفاظًا على نقاء العقيدة.
● القاعدة في التعامل مع لفظ "المماسة" وما يشابهه من الألفاظ المخترعة هي الاستفسار من قائلها:
1- إذا قصد به نفي ما دلت عليه النصوص- من الإستواء والعلو والإرتفاع والفوقية، فهو معنى وقول باطل ضال مردود، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
2- وإن لم يقصد هذا المعنى، بل قصد إثبات العلو والفوقية والارتفاع الذي دل عليه لفظ الاستواء، نقر بالمعنى دون تبني اللفظ نفسه، لأنه لفظ مبتدع ضال.
3- الواجب في هذا الباب : متابعة الكتاب والسنة، وعدم العدول عن الألفاظ الشرعية إلى ألفاظ مجملة مظنة للخطأ والبدعة.
ثالثًا : أقوال أهل العلم فى المسألة:
★ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده؛
فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول، أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول، أنكره.
ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال، عبر بغيرها، أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي... يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 113).
★ نقل الإمام الذهبي عن محمد بن الحسن المصري القيرواني قوله في- الإستواء:
" وهذا هو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون فيه ولا مماسة ".
ثم قال الذهبي معلقًا : سلب هذه الأشياء وإثباتها مداره على النقل فلو ورد شيء بذلك نطقنا به وإلا فالسكوت،
والكف أشبه بشمائل السلف إذ التعرض لذلك نوع من الكيف وهو مجهول، وكذلك نعوذ بالله أن نثبت إستواءه بمماسة أو تمكن بلا توقيف ولا أثر،
بل نعلم من حيث الجملة أنه فوق عرشه كما ورد النص. ينظر: ("كتاب العلو للعلي الغفار" للذهبي).
★ سئل الشيخ الألباني رحمه الله :
هل هناك دليل من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة ما ينفي أو يثبت مماسة الرب عز وجل لعرشه؟
فأجاب :
لا يوجد ذلك إطلاقاً، وإثبات مثل هذه الأمور ونفيها في اعتقادي خروج عن منهج السلف الصالح؛ لأن كلاً من الإثبات والنفي يترتب منه محذور،
أما الإثبات فقد يلزم منه محظورات أحدهما نسبة شيء إلى الله عز وجل لم يثبت في الكتاب ولا في السنة وهذا لا يجوز.
والشيء الآخر أننا إذا أثبتنا أو ادعّينا شيئاً من ذلك فتحنا طريقاً للمعطلين المؤولين لنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الرب تبارك وتعالى، فتحنا لهم طريقاً ليتهمونا بالتجسيم؛
لأنهم يُفسِّرون هذه الأمور التي قد يدَّعيها بعض من سبقنا، يفسرونها على ظاهرها التي تليق بالبشر ولا تليق بالله عز وجل،...
والعقيدة السلفية أن الله عز وجل غني عن العالمين، وهو ليس بحاجة إلى العرش، وإلى الجلوس عليه، والتمَكُّن منه،
وقد صرَّح بذلك بعض العلماء المعتدلين من الماتريدية، أقول المعتدلين؛ لأن الماتريدية كالأشاعرة في كثير من الأمور المخالفة لعقيدة السلف الصالح،
أما هذا البعض الذي أُشير إليه، فقد قال مثبتاً لصفة علو الله على عرشه دون إيهام أنه بحاجة إليه، فقال :
ورب العرش فوق العرش بلا وصف التمكن واتصال.
لأن وصف رب العالمين بهذا الوصف معناه أنه بحاجة إلى العرش، "وكان الله ولا شيء معه"، كما نفهم من حديث عمران بن حصين، ثم خلق العرش والسماوات كما جاء تفصيل ذلك في السنة.
فإذاً : باختصار لا يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء يثبت هذا الذي جاء في السؤال أو ينفيه فلا نقر ولا ننفي. ينظر: ("الهدى والنور" (188/ 00:49:13)).
★ وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ -رحمه الله- في الدرر السنية (3/ 290):
وأما قول القائل: " استوى من غير مماسة للعرش "; فقد قدمنا : أن مذهب السلف وأئمة الإسلام عدم الزيادة والمجاوزة لما في الكتاب والسنة، وأنهم يقفون وينتهون حيث وقف الكتاب والسنة، وحيث انتهيا.
... فهذا اللفظ : لا يجوز نفيه، ولا إثباته، والواجب في هذا الباب : متابعة الكتاب والسنة، والتعبير بالعبارات السلفية الإيمانية، وترك المتشابه. اهـ.
رابعًا : الأسئلة الشائعة :
هل ورد في القرآن أو السنة إثبات مماسة الله للعرش؟
لم يرد في القرآن ولا في السنة إثبات ولا نفي للمماسة.
هل يلمس الله تعالى العرش؟
لا يجوز إثبات لفظ «المماسة» أو نفيه، بل يُثبت استواء الله على العرش بما دلّت عليه النصوص، دون ألفاظ مبتدعة أو كيفية مجهولة.
ما الموقف الصحيح من هذه الألفاظ؟
السكوت عنها، والالتزام بالألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة.
خامسًا : الخاتمة:
الأصل في باب الصفات الوقوف عند النص، وترك الخوض في الألفاظ المحدثة التي لم يأذن بها الله، صيانة للعقيدة من البدع، واتباعًا لمنهج السلف الصالح.
اقرأ أيضا : هل يجوز القول بأن الله جالس أو قاعد على العرش؟
والله اعلم

تعليقات
إرسال تعليق