">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

متى يُعذر المخالف في مسائل الخلاف؟ وما الخلاف السائغ؟


✅ ليس كل خلاف بين العلماء خلافًا سائغًا يُعذر فيه المخالف، كما أن مجرد وجود قول لأحد الأئمة لا يكفي للحكم بأن الخلاف معتبر؛

وإنما العبرة بسبب الخلاف، وقوة الدليل، ووجه الاستدلال، ومدى احتمال المسألة للاجتهاد.

✅ فقد يكون الخلاف في مسألة لا يوجد فيها نص خاص، وقد يكون في مسألة فيها نص، لكن يختلف العلماء في ثبوته أو فهم دلالته أو الجمع بينه وبين غيره من الأدلة أو ترجيح بعضها على بعض.

فمتى يكون الخلاف سائغًا؟ ومتى يكون الخلاف ضعيفًا؟ ومتى يُعذر المخالف في مسائل الخلاف؟

ما هو الخلاف السائغ؟

الخلاف السائغ: هو الخلاف الذي يقع في مسألة تحتمل الاجتهاد، ولا يكون فيها نص صحيح صريح في محل النزاع لا معارض له، ولا إجماع معتبر ثابت، أو يكون فيها نص صحيح لكنه غير صريح الدلالة،

أو تكون فيها أدلة يظهر بينها تعارض قوي من جهة الثبوت أو الدلالة، فيختلف العلماء في فهمها والجمع بينها وترجيح بعضها على بعض.

من صور الخلاف السائغ:

1- مسألة لا نص خاص فيها: فيجتهد العلماء في تنزيل القواعد والأصول الشرعية على الواقعة.

2- مسألة فيها نص غير صريح الدلالة: فيختلف العلماء في فهم المراد منه ودلالته على الحكم.

3- مسألة فيها أدلة محتملة أو يظهر بينها تعارض قوي: فيختلف العلماء في الجمع بينها أو ترجيح بعضها على بعض.

◄ وهذا النوع من الخلاف يسمى غالبًا الخلاف الاجتهادي، ويكون فيه العذر للمجتهد إذا بذل وسعه في طلب الحق، وكان من أهل الاجتهاد.

أمثلة على الخلاف السائغ: 

 مسألة نقض الوضوء بمس الذكر.

 الخلاف في سماع الموتى لكلام الأحياء .

 القنوت في صلاة الوتر، هل يكون قبل الركوع أم بعده ؟.

 الخلاف في رؤية النبي  ربه في الدنيا.

✔ فهذه المسائل التي لم يرد فيها نصٌّ صريح لا يُنكر فيها على المخالف، ما دام متبعًا لإمام معتبر ويظن أن قوله هو الصواب، ولا يجوز تتبع أقوال العلماء طلبًا لما يوافق الهوى.

✔ وعدم الإنكار لا يعني منع التباحث والمناظرة وبيان القول الراجح بالدليل.

ما هو الخلاف غير السائغ؟

الخلاف غير السائغ: هو الخلاف الذي يكون في مقابلة نص صحيح صريح في محل النزاع، أو إجماع معتبر ثابت، أو دليل ظاهر لا معارض له، بحيث لا يكون للقول المخالف مستند معتبر من الاجتهاد.

◄ فإذا ثبت الحكم بدليل واضح لا يحتمل خلافًا معتبرًا، أو ثبت بالإجماع، فلا يكون مجرد وجود قول مخالف سببًا لجعل المسألة من مسائل الخلاف السائغ.

ولهذا فوجود الخلاف بين العلماء لا يعني بالضرورة أن الخلاف معتبر؛ فقد يكون خلافًا قويًا سائغًا، وقد يكون خلافًا ضعيفًا لا يُعتد به.

★ قال الإمام الشافعي رحمه الله: (كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه  منصوصًا بينًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه). انظر:((الرسالة)) (ص: 560).

أمثلة على الخلاف غير السائغ:

1- إنكار صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ، بدعوى "التأويل" وهو في الحقيقة تحريف لنصوص الكتاب والسنة.

2- القول بإباحة آلات الموسيقى والمعازف؛ لما ورد في تحريمها من الأدلة، وما نُقل عن السلف في ذلك، فلا يُجعل مجرد وجود قول مخالف سببًا لاعتبار الخلاف سائغًا.

3- إنكار بعض أمور الآخرة التي ثبتت بأدلة صحيحة، كالميزان والصراط؛ لأن ثبوتها بالنصوص الصحيحة يجعل إنكارها مخالفًا للدليل.

4- القول بأن من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب يجلس للاستماع ولا يصلي تحية المسجد؛ لمخالفته الحديث الصحيح الوارد في أمر الداخل بأن يصلي ركعتين.

5- القول بإباحة أكل لحوم ذي الناب من السباع؛ لثبوت النهي عنه في الحديث الصحيح، فلا يكفي وجود قول مخالف عند بعض أهل العلم للحكم بأن الخلاف سائغ، بل العبرة بقوة الدليل ومستند القول.

✔ فهذه المسائل وأمثالها مما وردت نصوص ببيان حكمها ينكر فيها على المخالف، ولم يزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة ينكرون على من خالف دليلاً صحيحا، ولو كان مجتهداً.

هل مجرد قول أحد العلماء يجعل الخلاف سائغًا؟

لا، فمجرد وجود قول لإمام أو عالم لا يجعل الخلاف سائغًا، وإنما العبرة بمستند القول وقوة دليله ووجه الاستدلال به.

● فقد يقول عالم معتبر بقول، ثم يظهر أن قوله ضعيف لمخالفته نصًا صحيحًا أو دليلًا ظاهرًا، فلا يصبح القول قويًا لمجرد نسبته إلى عالم.

★ ولهذا قال الشيخ صالح آل الشيخ: إن الخلاف قد يكون قويًا وقد يكون ضعيفًا، والعبرة في ذلك بالدليل ووجه الاستدلال، لا بمجرد وجود القائل. انظر: (شرح كشف الشبهات، الشريط رقم (16)، الدقيقة (04:11).

✔ وبالتالي: ليس كل قول منسوب إلى عالم معتبر يجعل المخالف معذورًا، كما أن ترجيح قولٍ ما لا يعني بالضرورة أن المخالف غير معذور.

شروط وضوابط الخلاف السائغ الذي يُعذر فيه المخالف

يمكن تلخيص أهم ضوابط الخلاف السائغ في أمور:

أولًا: ألا يكون في المسألة نص صحيح صريح أو إجماع معتبر.

فإذا ثبت الحكم بنص صحيح صريح في محل النزاع لا يحتمل خلافًا معتبرًا، أو ثبت بإجماع معتبر، فلا يكون مخالفته من الخلاف السائغ.

قال النووي – رحمه الله: وكذلك قالوا ليس للمفتى ولا للقاضي أن يَعترض على مَن خالفه اذا لم يخالف نصّاً أو إجماعاً أو قياساً جليّاً. انظر:" شرح مسلم " ( 2 / 24 ).

ثانيًا: أن تكون المسألة محتملة للاجتهاد.

كأن لا يوجد فيها نص خاص، أو يكون فيها نص يحتمل أكثر من وجه في الفهم والاستنباط، أو تتعدد الأدلة ويحتاج الجمع بينها وترجيح بعضها على بعض إلى اجتهاد.

ثالثًا: أن يكون للخلاف مستند معتبر.

فلا يكفي التشهي أو اتباع الهوى، وإنما لا بد أن يكون القول مبنيًا على دليل، أو أصل شرعي، أو وجه معتبر من الاجتهاد.

رابعًا: أن يكون الخلاف صادرًا عن أهل العلم.

فالخلاف الذي يُعتد به هو خلاف أهل العلم الذين لديهم القدرة على فهم النصوص والاستنباط منها، وليس مجرد قول مجهول أو رأي مبني على الهوى.

متى يُعذر المخالف في مسائل الخلاف؟

يُعذر المخالف إذا كان قوله داخلًا في الخلاف السائغ، وكان مستنده اجتهادًا معتبرًا، أو تقليدًا لعالم معتبر في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد.

◄ فالعبرة ليست بمجرد وجود الخلاف، وإنما بأن يكون الخلاف قائمًا على مستند معتبر، وألا يكون القول مخالفًا لنص صحيح صريح أو إجماع معتبر ثابت.

ومن هنا يتبين أن الخلاف السائغ لا يعني أن جميع الأقوال فيه صحيحة، بل قد يكون الحق في أحد القولين، ويرى العالم أن أحدهما أرجح،

ومع ذلك لا يُنكر على المخالف إنكارًا يقتضي التشديد والتبديع والتفسيق؛ لأن المسألة من موارد الاجتهاد.

 أما بيان القول الراجح وذكر الأدلة ومناقشة القول الآخر بالحجة العلمية، فهذا أمر آخر، وهو من البحث العلمي المشروع.

دليل على اعتبار الخلاف الإجتهادي

ومن الأدلة على اعتبار الخلاف المبني على الاجتهاد: حديث بني قريظة.

✅ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». فأدرك بعض الصحابة العصر في الطريق،

فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِد منا ذلك. فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ لم يعنف واحدًا منهم. أخرجه البخاري (946) واللفظ له، ومسلم (1770).

◄ فاختلف الصحابة رضي الله عنهم في فهم النص، ولم يُعنّف النبي ﷺ إحدى الطائفتين؛ لأن كل فريق اجتهد في فهم مراده ﷺ.

★ قال النووي رحمه الله: «لا يُعنَّف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد». انظر:((شرح مسلم)) (2/ 218)

الخلاصة:

● ليس كل خلاف فقهي خلافًا سائغًا، وليس مجرد وجود قول لأحد الأئمة كافيًا للحكم بأن المخالف معذور.

● وإنما يُنظر إلى الدليل، وقوة الاستدلال، وسبب الاختلاف، ومدى احتمال المسألة للاجتهاد.

● فالخلاف قد يكون:

▪️ سائغًا قويًا إذا كان مبنيًا على الاجتهاد، أو كان الدليل محتملًا في ثبوته أو دلالته أو طريقة الجمع والترجيح.

▪️ غير سائغ أو ضعيف إذا كان في مقابلة نص صحيح صريح أو إجماع معتبر ثابت، ولم يكن للقول المخالف وجه قوي في الاستدلال.

● ولهذا فالصواب أن يقال: ليس كل خلاف معتبرًا، وليس كل مخالف معذورًا، وإنما العبرة بقوة الدليل ووجه الاجتهاد في المسألة.


والله اعلم

هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات