✅ ما صحة قول: «لا إنكار في مسائل الاجتهاد وليس الخلاف»؟ وهل قاعدة «لا إنكار في مسائل الخلاف» صحيحة؟
الصحيح أن يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد السائغ التي لا نص فيها، وليس في مطلق مسائل الخلاف؛ لأن مجرد وجود خلاف بين العلماء لا يعني أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي لا يُنكر فيها.
● فليس كل خلاف بين العلماء خلافًا معتبرًا؛ فقد يكون الخلاف قويًّا سائغًا له مستند من الأدلة، وقد يكون الخلاف ضعيفًا غير معتبر لمخالفته نصًّا صحيحًا ظاهرًا أو صريحًا، أو إجماعًا معتبرًا.
● والعبرة في التفريق بين الخلاف السائغ والخلاف غير السائغ بقوة الدليل، ووجه الاستدلال، ومدى مساغ الاجتهاد في المسألة.
هل يصح إطلاق قاعدة «لا إنكار في مسائل الخلاف»؟
أطلق بعض أهل العلم قاعدة: «لا إنكار في مسائل الخلاف»، وهذا الإطلاق غير صحيح؛لأن مسائل الخلاف ليست كلها من مسائل الاجتهاد السائغ،
وقد أنكر الصحابة بعضهم على بعض، وأنكر التابعون بعضهم على بعض في مسائل وقع فيها خلاف.
✔ والصواب أن يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد السائغ، أما مسائل الخلاف التي خالف فيها القول نصًّا صحيحًا ظاهرًا أو إجماعًا معتبرًا، فيُنكر فيها بحسب الضوابط الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«وقولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل». انظر:("الفتاوى الكبرى" (6/ 96)).
★ ثم بيّن رحمه الله: أن القول إذا خالف سنة أو إجماعًا وجب إنكاره، أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، فلا يُنكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا. انظر:("الفتاوى الكبرى" (6/ 96)).
ما الفرق بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد؟
مسائل الخلاف أوسع من مسائل الاجتهاد؛ فليس كل مسألة وقع فيها خلاف تكون من مسائل الاجتهاد السائغ.
● فقد تكون المسألة محل خلاف، لكن يكون أحد الأقوال مخالفًا لنص صحيح ظاهر أو صريح، أو لإجماع معتبر، فلا يجعل مجرد وجود هذا القول المسألة من مسائل الاجتهاد التي لا إنكار فيها.
● أما مسائل الاجتهاد السائغ فهي التي لا يوجد فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، أو تتعارض فيها الأدلة المتقاربة، أو تخفى دلالتها، فيكون للاجتهاد فيها مساغ.
ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: «وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا». انظر:("الفتاوى الكبرى" (6/ 96)).
متى لا يُنكر على المخالف؟
إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد السائغ، فلا يُنكر على من عمل بأحد الأقوال فيها، سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا لعالم معتبر.
◄ لكن عدم الإنكار لا يعني أن جميع الأقوال صحيحة، ولا يعني ترك البحث في المسألة أو بيان القول الراجح.
◄ بل يجوز مناقشة المسألة وبيان الأدلة وترجيح أحد الأقوال بالحجة العلمية، دون إنكار على المخالف لمجرد أخذه بالقول الآخر في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«أما المسائل الاجتهادية: فلو أننا رأينا رجلًا يأكل لحم إبل ولا يتوضأ بناء على اجتهاده أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء،
فإننا لا ننكر عليه، ولكن عدم إنكارنا عليه لا يمنع مناقشته في الأمر».انظر: (فتاوى الحرم النبوي-(21)).
فهذا يوضح الفرق بين الإنكار على المخالف وبين مناقشة قوله وبيان الراجح بالدليل.
متى يُنكر على المخالف في مسائل الخلاف؟
إذا كان القول مخالفًا لنص صحيح ظاهر أو صريح، أو لإجماع معتبر، ولم يكن له مستند قوي يعارض الدليل، فإنه يُبيَّن خطؤه ويُنكر بحسب درجات الإنكار، مع مراعاة العلم والحكمة والرفق.
✅ ومن أمثلة ذلك: القول بعدم وجوب الغسل بمجرد الجماع من غير إنزال؛ فقد ثبت في السنة الصحيحة وجوب الغسل بمجرد التقاء الختانين،
فلا يكون مجرد وجود قول مخالف سببًا لاعتبار المسألة من مسائل الاجتهاد السائغ.
★ ولهذا قال النووي رحمه الله: «ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا».انظر: (شرح صحيح مسلم (2/ 24).
فالمعتبر ليس مجرد وجود الخلاف، وإنما نوع الخلاف ومستنده وقوة الدليل.
هل بيان القول الراجح يُعد إنكارًا؟
لا يلزم من عدم الإنكار على المخالف ترك بيان الحق.
● فقد تكون المسألة من مسائل الاجتهاد السائغ، فيُعذر المخالف فيها، ومع ذلك يرى العالم أن أحد القولين أرجح من الآخر، فيبين دليله ويرد على القول المخالف بالحجة العلمية.
● وهذا من دأب أهل العلم؛ فإنهم يناقشون المسائل الاجتهادية، ويذكرون الأدلة، ويرجحون ما يظهر لهم أنه أقرب إلى الصواب، مع عدم إلزام المخالف بما لم يقم عليه دليل قطعي.
★ قال ابن القيم رحمه الله: «وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، لم تُنكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا». انظر:("إعلام الموقعين عن رب العالمين" (3/ 223 - 225)).
ضوابط الإنكار في مسائل الخلاف
عند وجود خلاف بين أهل العلم، لا بد من مراعاة جملة من الضوابط، منها:
1- العلم بالمسألة وأدلتها: فلا يصح الإنكار مع الجهل بحقيقة الخلاف ومستند كل قول.
2- التفريق بين الخلاف السائغ والخلاف الضعيف: فليس كل خلاف يمنع الإنكار، كما أن ليس كل خلاف يوجب الإنكار.
3- بيان الحق بالدليل: فيُذكر الدليل من الكتاب والسنة، ويُبيَّن وجه الاستدلال به.
4- الحكمة والرفق والإنصاف: فالإنكار الشرعي لا يكون بالتعصب أو التحقير أو التجريح، وإنما يكون بالعلم والحكمة وحسن البيان.
الخلاصة:
▪️ العبارة المطلقة: «لا إنكار في مسائل الخلاف» ليست صحيحة؛ لأن الخلاف ليس كله من قبيل الاجتهاد السائغ.
▪️ والأدق أن يقال: «لا إنكار في مسائل الاجتهاد السائغ، وليس في مطلق مسائل الخلاف».
▪️ فإذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، فلا يُنكر على المخالف، مع جواز مناقشة قوله وبيان القول الراجح بالدليل.
▪️ أما إذا كان الخلاف ضعيفًا، أو خالف القول نصًّا صحيحًا ظاهرًا أو صريحًا، أو إجماعًا معتبرًا، فيُبيَّن الخطأ ويُنكر بحسب الضوابط الشرعية.
والله أعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق