القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

متى كانت ليلة الإسراء والمعراج


  اختلف العلماء في تحديد سنة وشهر وليلة الإسراء على أقوال كثيرة والصحيح أنه لا دليل صحيحاً على التحديد وليس فيها قول مسند إلى خبر صحابي يطمئن له البال .

فحادثة الإسراء والمعراج لم تقع أصلاً في شهر رجب وما يذكرونه من أن الحادثة كانت في رجب يُعتبر عند أهل التحقيق هو عينُ الكذب .

وكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى ثم إلى حيث شاء الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى في ذكر الإسراء : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ. [الإسراء:1].

 كما أن الذي عليه أئمة النقل :

 أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة وقيل : بسنة وشهرين. ذكره ابن عبد البر

كما أن الإسراء كان بالجسد والروح يقظة لا مناما 

ففى حديث الإسراء : أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة، على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكباً على البراق، صحبه جبرائيل عليه السلام، فنزل هناك، صلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد. وقد قيل : أنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة. ثم عرج من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا .

ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى. [الإسراء:1]. والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح .

 فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر .

قال الإمام الطبري في تفسيره :

 الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق، حتى أتاه به، وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات .

 ولا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلاً على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكراً عندهم ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل . 

وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده، وليس جائزاً لأحد أن يتعدى ما قاله الله إلى غيره. بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد . انتهى.

فإن قيل :

 فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟

 فالجواب :

 أن ذلك كان إظهاراً لصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى: من وجوه، لمن تدبره، وبالله التوفيق . شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي-)(1/270))
 
وقد اختلف أهل العلم في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل 

فمنهم من قال بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وأما قوله : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. [النجم:11-13]، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي (جبرائيل)، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها.  (رواه البخارى) .

 فالثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه تعالى ببصره في ليلة المعراج، وإنما راه بفؤاده، ولم ير بعينيه إلا النور، وهو قول أكثر أهل السنة . فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب وهو يقول لا تدركه الأبصار ... )رواه البخاري( التوحيد/6832)

وعن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور أنى أراه. (رواه مسلم )

عن ابن عباس قال : ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد راه نزلة أخرى قال راه بفؤاده مرتين. (رواه مسلم (الإيمان/258 ))

قال ابن القيم :

 وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج ، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك وشيخنا يقول ليس ذلك بخلاف في الحقيقة ، فإن ابن عباس لم يقل راه بعيني رأسه وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال إنه راه عز وجل ولم يقل بعيني رأسه ولفظ أحمد لفظ ابن عباس رضي الله عنهما ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه قوله في الحديث الاخر حجابه النور فهذا النور هو والله أعلم النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه رأيت نورا .اه (اجتماع الجيوش الإسلامية ج: 1 ص: (12))

 وأما قوله تعالى :

 ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. [النجم:8]

 فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما، فإنه قال : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. [النجم:5-8]. فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى: وتدليه. وأما الذي في سورة النجم : أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى .

وقال الشيخ الألبانى رحمه الله :

لم يأت هناك حديث صحيح ومرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال رأيت ربي ليلة أسري بي لا يوجد مثل هذا الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( رأيت ربي في المنام ) وهذا خارج عن موضوع الكلام.

 بل يوجد هناك حديث في صحيح مسلم وأثر صحيح عن السيدة عائشة ينفي ذلك روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال يارسول الله هل رأيت ربك قال ( نور أنى أراه ) وفي حديث أبي موسى وقد سرده مسلم عقب ذاك الحديث قال ( حجابه النور ) أي إذا ضممت هذا إلى هذا أخذت النتيجة أنه لم يره هذا الحديث المرفوع أما الحديث الموقوف وفيه جزم من أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الصديقة بنت الصديق وهي من أعرف الناس بشخصية الرسول وما يتعلق بإسراءه ومعراجه حيث جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم من طريق التابعي الجليل المسمى بمسروق أنه جاء إلى عائشة فقال : " يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه " هذا سؤاله واسمع الجواب ليس مني إنما أنا ناقل هل رأى محمد ربه ؟ قالت " لقد قف شعري مما قلت " قال " يا أم المؤمنين ارحميني ولا تعجلي عليّ أليس قال الله عز وجل (( ولقد رآه نزلة أخرى )) ؟ " قالت " أنا أعلم الناس بذلك سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( فقال رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سد الأفق ) ".

إذا هذا تفسير الآية ثم قالت متابعة تعليم الأمة جزاه الله عن الأمة خيرا " ثلاث من حدثكمهن فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قول الله تبارك وتعالى ((وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا )) " إذا لا يمكن المكالمة مع الله إلا من وراء حجاب في هذه الحياة الدنيا ولذلك كانت رؤية الله في الآخرة تباين الرؤية هنا في الدنيا هذه المسألة الأولى قالت " ومن حدثكم بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله تبارك وتعالى (( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله )) " الثالثة والأخيرة " ومن حدثكم بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله عز وجل (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بغلت رسالتك والله يعصمك من الناس )) ".

 في رواية تفرد بها مسلم دون صاحبه البخاري قالت " لو أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان كتم شيئا أمر بتبليغه لكتم قول ربه (( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه )) " لكنه ما كتم لأن هذا هو واجبه رسالة (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ... )) إلى آخر الآية غيره .انتهى (سلسلة الهدى والنور-(641))

وإليك نبذه عن الإسراء والمعراج

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

الرسول ﷺ بعدما مضى عليه عشر سنين في مكة، يدعو الناس إلى توحيد الله، وترك الشرك، أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، وجاوز السبع الطباق، وارتفع فوق السماء السابعة عليه الصلاة والسلام، معه جبرائيل، فأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلوات الخمس، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، فرضها الله خمسين، فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف؛ حتى جعلها خمسًا سبحانه، فضلاً منه ، ونادى منادٍي : إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي.

فنزل بها عليه الصلاة والسلام، في ليلة الإسراء، وأنزل الله في هذا قوله سبحانه : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. [الإسراء:1]، فهذه الآية العظيمة بين فيها سبحانه الإسراء، أسري به من مكة على البراق، وهو دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوه عند منتهى طرفه، كما أخبر به النبي ﷺ، فركبه هو وجبرائيل حتى وصل إلى بيت المقدس، وصلى هناك بالأنبياء.

ثم عرج به إلى السماء، واستأذن له جبرائيل عند كل سماء، فيؤذن له، ووجد في السماء الدنيا آدم ، آدم أباه عليه الصلاة والسلام، فرحب به وقال : مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، ثم لما أتى السماء الثانية وجد فيها عيسى ويحيى، ابني الخالة، فرحبا به، وقالا : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فوجد فيها يوسف عليه الصلاة والسلام، فرحب به، وقال : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الرابعة فوجد فيها إدريس، فرحب به، وقال : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون عليه الصلاة والسلام، فرحب به، قال : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السادسة فوجد فيها موسى عليه الصلاة والسلام، فرحب به، وقال : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم عرج به إلى السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم أباه عليه الصلاة والسلام -هو من ذرية إبراهيم، محمد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام- فرحب به إبراهيم، وقال : مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، مثلما قال آدم، مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح .

ثم عرج به إلى مستوى رفيع، فوق السماء السابعة، سمع فيهن من صريف الأقلام، التي يكتب بها القضاء والقدر، فكلمه الله ، وفرض عليه الصلوات الخمس خمسين، ثم لم يزل يسأل ربه التخفيف، حتى جعلها سبحانه خمسًا، فضلًا منه وإحسانًا، فهي خمس في الفرض، وفي الأجر خمسون، والحمد لله، فضلا من الله ، وفق الله الجميع .اه

ومن أهمية حادثة الإسراء

أن أوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى : ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾. [الإسراء: 1].

منها : بيان منزلة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ رفعه الله تعالى إليه إلى هذه المنزلة الرفيعة التي لم يصل إليها أي مخلوق ، حتى تجاوز سدرة المنتهى ، فوصل في الإكرام غاية المنتهى ، وتنويه بمنزلة هذه الأمة كذلك.

ومنها : جاء الإسراء إثر وفاة عمه أبي طالب وزوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، وإثر ما لقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطائف من الأذى البالغ ، فجاء الإسراء والمعراج ليكون تسلية له عما قاسى ، وتعويضاً عما أصابه ، ليعلمه الله عز وجل أنه إذا كان قد أعرض عنك أهل الأرض ، فقد أقبل عليك أهل السماء ، ولئن كان الناس قد صدّوك ، فإن الله يرحب بك ، وإن الأنبياء يقتدون بك .

 ومنها : فرض الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج دليل على أهمية هذا الركن من بين أركان الإسلام ، وقد شُرعت في السماء ، لتكون معراجاً يرقي بالناس كلما تدلت بهم شهوات النفوس وأغراض الدنيا .

وإليك بعض من كلام أهل العلم فى توقيت الإسراء

قال الحافظ ابن دحية الكلبي رحمه الله :

ذكر بعض القُصّاص أن الإسراء كان في رجب ، وذلك عند أهل التعديل والجرح عينُ الكذب ، قال الإمام أبو إسحاق الحربي : أُسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول ، وقد ذكرنا ما فيه من الإختلاف والإحتجاج في كتابنا المسمى : بالإبتهاج في أحاديث المعراج . اهـ ("أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب" (ص 53-54) )

قال العلامة الألباني رحمه الله :

وقد ذكر الأقوال المشار إليها السيوطي في الآية الكبرى في شرح قصة الإسراء ص 34 ، والعلامة الآلوسي في تفسيره روح المعاني (4/469) فبلغت خمسة أقوال ! وليس فيها قول مسند إلى خبر صحابي يطمئن له البال ، ولذلك تناقض فيها أقوال العالم الواحد ! فهذا هو النووي رحمه الله تعالى ، له في ذلك ثلاثة أقوال حكوها عنه ، أحدها مثل قول الحربي الذي في الكتاب ، وقد جزم به النووي في الفتاوى له ص 15 ! وفي ذلك ما يُشعر اللبيب أن السلف ما كانوا يحتفلون بهذه الليلة ، ولا كانوا يتخذونها عيداً ، لا في رجب ولا في غيره ، ولو أنهم احتفلوا بها ، كما يفعل الخلف اليوم ، لتواتر ذلك عنهم ، ولتعيّنت الليلة عند الخلف ، ولم يختلفوا هذا الإختلاف العجيب ! ا.هـ (تخريج كتاب "أداء ما وجب" (ص 54)) .

قال الشيخ بن باز رحمه الله :

وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج ، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره ، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند أهل العلم بالحديث ، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها.. اهـ ("مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز" (1/183) ).

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله :

ثم إننا نقول أيضاً : إن ليلة المعراج لم يثبت من حيث التاريخ في أي ليلة هي، بل إن أقرب الأقوال في ذلك على ما في هذا من النظر أنها في ربيع الأول وليست في رجب كما هو مشهور عند الناس اليوم، فإذن لم تصح ليلة المعراج التي يزعمها الناس أنها ليلة المعراج وهي ليلة السابع والعشرين من رجب، لم تصح تاريخياً كما أنها لم تصح شرعاً، والمؤمن ينبغي أن يبني أموره على الحقائق دون الأوهام .اه (فتاوى نور على الدرب>الشريط رقم [35])

بدعية الإحتفال بهذه الليلة

 ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وفي رواية لمسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .

قال ابن تيمية رحمه الله :

وأما إتخاذ موسم غير المواسم الشرعية ، كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد ، أو بعض ليالي رجب ، أو ثامن عشر ذي الحجة ، أو أول جمعة من رجب ، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار ، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ، ولم يفعلوها. اهـ ("مجموع الفتاوى" (25/298) )

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله :

هل صح شيء في ليلة الإسراء والاحتفال بها؟

فأجاب :

بعض المؤرخين للسيرة يرون أنَّ ليلة سبعٍ وعشرين هي ليلة الإسراء والمعراج، ويحتفلون بها، وهذا شيءٌ لا أصلَ له، وليلة الإسراء والمعراج لم تُحفظ، وهذا بحكمة الله أن نسيها الناسُ، وذلك من أسباب عدم الغلو فيها.

وهي حقٌّ، فالله جل وعلا أسرى بنبيه إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء، كما قال جلَّ وعلا : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1]، هذا أمرٌ مقطوعٌ به، لا شكَّ فيه، ولكنَّ الليلة التي وقع فيها هذا الأمر غير معروفةٍ، ومَن قال : إنها ليلة سبعٍ وعشرين من رجب فقد غلط، وليس معه دليلٌ، والحديث الوارد في ذلك ضعيفٌ .

ولو عُلمت، ولو تيقَّنَّاها في ليلة سبعٍ وعشرين أو في غيرها؛ لم يُشرع لنا أن نُحييها بعبادةٍ أو باحتفالٍ؛ لأن هذا بدعة، لو كان هذا مشروعًا لفعله النبي ﷺ، واحتفل بها، أو خلفاؤه الراشدون، أو الصحابة، فلما لم يحتفلوا بها: لا في حياته ﷺ، ولا بعد وفاته، دلَّ على أن الاحتفال بها بدعة، ليس لنا أن نُحْدِث شيئًا ما شرعه الله، فالله ذمَّ قومًا فقال: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. [الشورى:21]، وقال الله سبحانه في حقِّ نبيه ﷺ : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ *إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. [الجاثية:18- 19]، فالله أمره أن يلزم الشريعة فقط، وأنكر على مَن خالفها أو أحدث شيئًا ما شرعه الله .

وقال عليه الصلاة والسلام : مَن أحدث في أمرنا –يعني: في ديننا- هذا ما ليس منه فهو ردٌّ يعني : فهو مردودٌ، وقال : خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة .

فلا يجوز الاحتفال بليلة سبعٍ وعشرين على أنها ليلة الإسراء والمعراج، ولا بغيرها من الليالي التي لم يشرع الله الاحتفال بها .اه

قال الشيخ العثيمين رحمه الله :

أما إظهار الفرح في ليلة السابع والعشرين من رجب ، أو ليلة النصف من شعبان ، أو في يوم عاشوراء ، فإنه لا أصل له ، وينهى عنه ، ولا يحضر الإنسان إذا دعي إليه ، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة) ،

 فأما ليلة السابع والعشرين من رجب ، فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيها إلى الله عز وجل ، وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية ، وكل شيء لم يثبت فهو باطل ، والمبني على الباطل باطل ، ثم على تقدير ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب ، فإنه لا يجوز لنا أن نحدث فيها شيئًا من شعائر الأعياد أو شيئًا من العبادات ، لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فإذا كان لم يثبت عمن عرج به ، ولم يثبت عن أصحابه الذين هم أولى الناس به ، وهم أشد الناس حرصًا على سنته وشريعته ، فكيف يجوز لنا أن نُحدث ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعظيمها ، ولا في إحيائها .اهـ ("مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين" (2/296-297)) 

قال العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله :

وقد تضمن الإسراء أنواعاً من الكرامات ، والإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة ، واختلف في تاريخه مع الإجماع على أنه كان في مكة ، والذي كان يختاره شيخنا أبو محمد الدمياطي : أنه قبل الهجرة بسنة : وهو في ربيع الأول ، ولا احتفال بما تضمنته التذكرة الحمدونية أنه في رجب ، وبإحياء المصريين ليلة السابع والعشرين منه لذلك ، فإنّ ذلك بدعة مُنضمة إلى جهلٍ . اهـ ( ("السيف المسلول على من سب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" (ص 492))

وإليك بعض النقاط الهامة

1- إن أحاديث الإسراء والمعراج ثابتة وصحيحة ومتواترة، ولا تناقض بينها، فقد وردت بروايات متعددة في صحيحي البخاري ومسلم، فمنها ما رواه ابن شهاب، ومنها ما رواه قتادة، ومنها ما رواه ثابت البناني، ومنها ما رواه شريك بن عبد الله، وقد ذكر الكتاني في نظم المتناثر أن أحاديث الإسراء والمعراج رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خمسة وأربعين صحابيا، وعلى هذا فلا يمكن القدح أو التشكيك في نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم . 

2- إن حادثة الإسراء والمعراج قد حدثت مرة واحدة بعد البعثة يقظة بالروح والجسد وليس هناك دليل صحيح على أنها حدثت بالروح فقط، كما لا يوجد دليل على كونها حدثت مناما، فكون الملك جاءه وهو نائم لا يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استمر في نومه أثناء الرحلة . 

3- ليس هناك اضطراب في الروايات المخبرة بحادثة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا مانع من أن يحدث الشق أكثر من مرة، فقد حدث مرة في طفولته - صلى الله عليه وسلم - تمهيدا للرسالة، ومرة عند البعثة، ومرة ثالثة تمهيدا للقائه بربه في رحلة الإسراء . 

4- لا اضطراب بين الروايات في تحديد المكان الذي بدأت منه الرحلة، فهو - صلى الله عليه وسلم - نام في بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق . 

5- إن الاضطراب المزعوم حول أمكنة الأنبياء في السماوات غير مسلم به - أيضا، فعند من يرى تعدد المعراج فلا إشكال ألبتة، وأما مع الاتحاد فقد جمع الحفاظ بين هذه الروايات أو رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم في الأرض . 

قال ابن حجر رحمه الله : "وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة تشريفا له وتكريما، ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس، ففيه : «وبعث له آدم، فمن دونه من الأنبياء» فافهم"[فتح الباري بشرح صحيح البخاري]

6-  لا اختلاف في آخر ما وصل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أجمعت الروايات على أن سدرة المنتهى هي آخر ما وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مشكلة في الألفاظ المختلفة ما دامت تعبر عن معنى واحد مفهوم من الحديث، كما أنه لا اختلاف في موضعها؛ لأن العلماء وجهوا ذلك على أن أغصانها في السماء السادسة وفروعها في السابعة، وعلى ذلك فلا اختلاف ولا تعارض . 

7-  لا اضطراب بين قوله - سبحانه وتعالى - في الحديث : «لا يبدل القول لدي» وبين مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يرجع إلى ربه لطلب التخفيف، ودليل عدم التعارض هو قوله - صلى الله عليه وسلم - لموسى - عليه السلام - عند آخر مرة يراجعه فيها : «استحييت من ربي»، فقوله : «استحييت» دل على علمه - صلى الله عليه وسلم - بأن طلب التخفيف بعد ذلك يعتبر رفعا للصلاة لا تخفيفا لها، فالله - سبحانه وتعالى - لم يبدل قوله، بمعنى أن لم يرفع الصلاة بعد أن فرضها . 

8- ليس هناك أي تناقض بين القرآن الكريم وبين روايات الإسراء والمعراج، وما قيل من أن القرآن لم يذكر المعراج - غير صحيح؛ لأن سورة النجم صريحة وواضحة في ذكر المعراج، ولا سيما في قول تعالى : )ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14)( (النجم) . 

9-  كما أن أحاديث الإسراء والمعراج لا تنسب صفة جهل إلى الله - عز وجل - ولا نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأحوال المكلفين - كما فهم بعضهم من مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وإعطائه النصح بطلب التخفيف من الله - سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الله يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أن محمدا سيطلب التخفيف، وكانت الحكمة من ذلك هي إظهار رحمة الله بالأمة، وبيان حبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلو منزلته عنده، وغير ذلك من الحكم والفوائد . 

10- كذلك فإن أحاديث الإسراء والمعراج لا تظهر مكانة موسى - عليه السلام - بقدر ما تظهر مكانة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفضله وإمامته للأنبياء، وعلو منزلته عند ربه . 

وختاما

ينبغى أن نستخلص الدروس والعبر من حادثة الإسراء والمعراج ونعلمها للناس لكن من غير الترويج لها في شهر رجب لا سيما في السابع والعشرين منه لما في ذلك من التضليل والتأييد للكذب بإيهام الناس أن الإسراء كان في رجب وليس الأمر كذلك .


والله اعلم 


وللفائدة..


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات