✅ يستدل بعض الناس بحديث الأعمى على جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، ويجعلون قوله في الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» دليلًا على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين بعد وفاتهم.
✅ وقد سبق في المنشور الأول بيان هل حديث الأعمى دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته؟ وبيان أن الرجل الضرير جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه الدعاء، وأن الحديث وقع في حياة النبي ﷺ.
✅ وفي هذا المنشور ننتقل إلى الرد المفصل للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، حيث استدل من ألفاظ الحديث وسياقه على أن التوسل الوارد فيه كان بدعاء النبي ﷺ، وليس بذاته أو جاهه.
كلام الشيخ الألباني في الرد على الاستدلال بحديث الأعمى
★ قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في كتابه «التوسل أنواعه وأحكامه»:
أما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه وهو التوسل بالذات بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه.
والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة وأهمها :
أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له وذلك قوله: ( ادع الله أن يعافيني )،
فهو قد توسل إلى لله تعالى بدعائه ﷺ لأنه يعلم أن دعاءه ﷺ أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره،
ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجه به إلى أن يأتي النبي ﷺ ويطلب منه الدعاء له،
بل كان يقعد في بيته ويدعو ربه بأن يقول مثلا: ( اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني وتجعلني بصيرا ).
ولكنه لم يفعل لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة يذكر فيها اسم المتوسل به
بل لا بد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة وطلب الدعاء منه له.
ثانيًا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له وهو قوله ﷺ: (إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك).
ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: ( فادع )، فهذا يقتضي أن الرسول ﷺ دعا له لأنه ﷺ خير من وفى بما وعد وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق فقد شاء الدعاء وأصر عليه،
فإذن لا بد أنه ﷺ دعا له فثبت المراد وقد وجه النبي ﷺ الأعمى بدافع من رحمته وبحرص منه على أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه-
فوجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع وهو التوسل بالعمل الصالح ليجمع له الخير من أطرافه،
فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء النبي ﷺ له وهي تدخل في قوله تعالى: ( وابتغوا إليه الوسيلة ) كما سبق,
وهكذا فلم يكتف الرسولﷺ بدعائه للأعمى الذي وعده به بل شغله بأعمال فيها طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملا من جميع نواحيه وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى،
وعلى هذا فالحادثة كلها تدور حول الدعاء- كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ إياه أن يقول: (اللهم فشفعه في)- هذه الجملة هي عند أحمد أيضا والحاكم وغيرهما- وإسنادها صحيح,
وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته ﷺ أوجاهه أو حقه- إذ أن المعنى: اللهم أقبل شفاعته ﷺ في أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري،
والشفاعة لغة الدعاء وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ﷺ ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء-
إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره- قال في ( لسان العرب ):
( الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره والشافع الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب يقال تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه )، فثبت بهذا الوجه أيضا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه ﷺ لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: ( وشفعني فيه )- هذه الجملة صحت في الحديث أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي, أي:
اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد علي بصري.
هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه, ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد،
لأنها تنسف بنيانهم من القواعد وتجتثه من الجذور وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه.
ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة،
ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع في نبيك وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب،
وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه بدعائهﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في ( دلائل النبوة ) كالبيهقي وغيره،
فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ،
ويؤيده أنه لو كان السر هو في دعاء الأعمى وحده دون دعائه ﷺ لكان كل من دعا به من العميان مخلصا إليه تعالى منيبا إليه قد عوفي بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدا.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي ﷺ وقدره وحقه كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه ﷺ،
بل ويضمون إليه أحيانا جاه جميع الأنبياء المرسلين وكل الأولياء والشهداء والصالحين وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة والإنس والجن أجمعين،
ولم نعلم ولا نظن أحد قد علم حصول مثل هذا خلال هذه القرون الطويلة بعد وفاته ﷺ إلى اليوم.
إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات،
فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ) إنما المراد به:
أتوسل إليك بدعاء نبيك أي: على حذف المضاف وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} أي أهل القرية وأصحاب العير.
ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير:
إني أتوجه إليك ب [ جاه ] نبيك ويا محمد إني توجهت ب [ ذات ] ك أو [ مكانت ] ك إلى ربي كما يزعمون،
وإما أن يكون التقدير إني أتوجه إليك ب [ دعاء ] نبيك ويا محمد إني توجهت ب [ دعاء ] ك إلى ربي كما هو قولنا- ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل عليه،
فأما تقديرهم ( بجاهه ) فليس لهم عليه دليل لا من هذا الحديث ولا من غيره إذ ليس في سياق الكلام ولا سياقه تصريح أو إشارة إلى لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقا،
كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فبقي تقديرهم من غير مرجح فسقط من الاعتبار والحمد لله..
أما تقديره- فيقوم عليه أدلة كثيرة تقدمت في الوجوه السابقة.
وثمة أمر آخر جدير بالذكر وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره وهو التوسل بالذات لكان معطلا لقوله فيما بعده: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه) وهذا لا يجوز كما لا يخفى.
فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها، وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات والحمد لله). انتهى.
المصدر: التوسل أنواعه وأحكامه، للشيخ الألباني رحمه الله، ص (75-99).
خلاصة رد الألباني على الاستدلال بحديث الأعمى:
● يرى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله أن حديث الأعمى لا يصح الاستدلال به على التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، وإنما يدل على التوسل بدعائه وشفاعته حال حياته ﷺ.
● وقد بنى رحمه الله ذلك على عدة أمور، من أبرزها:
1- أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه صراحة: «ادع الله أن يعافيني»، فدل ذلك على أن المقصود كان طلب الدعاء.
2- أن النبي ﷺ وعده بالدعاء، ثم أصر الأعمى على ذلك بقوله: «فادع».
3- أن النبي ﷺ أمره بالوضوء والصلاة والدعاء، فاجتمع في القصة دعاء النبي ﷺ والعمل الصالح.
4- أن قوله: «اللهم فشفعه في» يدل على طلب قبول دعاء النبي ﷺ وشفاعته.
5- أن قوله: «وشفعني فيه» يؤكد أن الأمر متعلق بالدعاء والشفاعة، لا بمجرد الذات أو الجاه.
6- أن حمل قوله: «وأتوجه إليك بنبيك» على التوسل بالذات أو الجاه يحتاج إلى دليل، بينما يدل سياق الحديث وألفاظه الأخرى على حمله على التوسل بدعاء النبي ﷺ.
● وبناءً على ذلك، خلص الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن حديث الأعمى ليس فيه حجة على التوسل بالذات أو الجاه، ولا يصح الاستدلال به على التوسل بالأموات.
موضوع ذات صلة: هل حديث الأعمى دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته؟
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق