✅ ليس بصحيح أن المسلم يرى النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته؛ لأن النبي ﷺ توفي، كما قال الله جل وعلا: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. [الزمر: 30].
● فقد توفي النبي ﷺ بإجماع المسلمين عليه الصلاة والسلام، وهو في أعلى عليين في الجنة، وبدنه في الأرض، وقد دُفن في بيته عليه الصلاة والسلام، في بيت عائشة رضي الله عنها.
● أما رؤية النبي ﷺ في المنام فهي حق، فقد قال النبي ﷺ: «مَن رَآني فقد رَأى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتَكَوَّنُني».
● ولا يوجد أي نص صحيح يدل على أن الله تعالى أحيا نبيًا من الأنبياء كرامةً لولي من الأولياء، ولو صح ذلك لكان من رآه في اليقظة من الصحابة،
ولو كان الأمر كذلك لأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، وهذا باطل.
● وقد ثبت عنه ﷺ أنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فدل ذلك على أنه لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة.
✅ قال الله عز وجل: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. [الزمر: 30]. وقال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}. [المؤمنون: 15-16]. فدل ذلك على أنه ليس هناك خروج من القبور قبل يوم القيامة.
دلالة حديث «وددت أني رأيت إخواننا» على عدم رؤية النبي ﷺ بعد وفاته
✅ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا».
فقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟». قال: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ...». صحيح مسلم.
◄ ففي الحديث أن النبي ﷺ تمنّى رؤية الذين سيؤمنون به ولم يتمكنوا من لقائه في حياته، ثم أخبر أنه سيعرفهم يوم القيامة.
✔ وهذا دليلٌ على أنّه ﷺ لَنْ يرَ أحداً من التّابعين ومَنْ بعدَهم بعد موته ولَنْ يلتَقِيَ بأحدٍ مِنهم إلّا يومَ القيامة؛ وإلّا لمَا قال هذا الكلام!.
دلالة قول أبي بكر: «فإن محمدًا قد مات»
✅ يدل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «ألا مَن كان يَعبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فإنَّ مُحَمَّدًا قد ماتَ».رواه البخاري، وقبول الصحابة رضي الله عنهم قوله، على أن النبي ﷺ قد توفي، ولا يُرى في اليقظة بعد وفاته.
◄ ولو كان حديث: «فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» الذي يتمسك به بعض المتصوفة- نصًا في جواز رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته،
لذكره أبو بكر رضي الله عنه وقال للصحابة: لِمَ هذا الفزع؟ ألم يعدكم نبيكم أنكم سترونه في اليقظة بعد موته؟.
● ولا يمكن أن يغيب هذا الحديث عن جميع الصحابة رضي الله عنهم لو كان يدل على رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله:
«وَاتَّفَقُوا أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا حِينَ يُبْعَثُونَ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَأَنَّ الْأَجْسَادَ تُنْشَرُ وَتُجْمَعُ مَعَ الْأَنْفُسِ يَوْمَئِذٍ». انظر:[مراتب الإجماع لابن حزم الأندلسي، ص176، دار الكتب العلمية – بيروت].
✔ فالرسول ﷺ توفي، وهو حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كيفيتها إلا الله جل وعلا، وأما دعوى أنه يُرى يقظة بعد وفاته فليست صحيحة لعدم الدليل الدال عليها.
أمور عظيمة حدثت للصحابة بعد وفاة النبي ﷺ.. فلماذا لم يروه يقظة؟
▣ لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه رأى النبي ﷺ يقظة بعد وفاته، فقد وقعت بعد وفاة النبي ﷺ أمور عظيمة ومواقف حاسمة في تاريخ الأمة،
وكان الصحابة رضي الله عنهم في أشد الحاجة إلى معرفة الحق وحقن الدماء، ومع ذلك لم يُنقل عن أحد منهم أنه رأى النبي ﷺ يقظة بعد وفاته أو رجع إليه وسأله عن الحكم.
★ قال الحافظ السخاوي رحمه الله: «لم يصل إلينا ذلك -أي: ادعاء وقوعها- عن أحد من الصحابة، ولا عمن بعدهم؛ وقد اشتد حزن فاطمة عليه ﷺ حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح،
وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرت عنه». انتهى.[نقل كلام السخاوي القسطلاني في «المواهب اللدنية» (5/295)].
ومن تلك الأمور التي وقعت:
1- وقع الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في مسألة الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ، فلم يظهر لهم ﷺ ليحسم النزاع بينهم.
2- ووقع الخلاف بين أبي بكر الصديق وفاطمة رضي الله عنهما في مسألة ميراث النبي ﷺ، فاحتج أبو بكر رضي الله عنه بحديث النبي ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة». رواه البخاري،
فلو كان النبي ﷺ يظهر لأحد بعد وفاته يقظة، لكان هذا من المواطن التي يُرجع فيها إليه ﷺ.
3- ووقع الخلاف بين طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم من جهة، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه من جهة أخرى، وانتهى الأمر إلى وقعة الجمل وسفك دماء كثيرة، فلم يظهر النبي ﷺ ليحقن تلك الدماء ويبين الحق.
4- وقع الخلاف بين علي رضي الله عنه والخوارج، وسُفكت دماء كثيرة، فلم يظهر النبي ﷺ لرئيس الخوارج ليأمره بطاعة إمامه وحقن الدماء.
5- ثم وقع النزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ووقعت حرب صفين وقُتل فيها خلق كثير، ومنهم عمار بن ياسر رضي الله عنه،
فلم يظهر النبي ﷺ ليجمع كلمة المسلمين ويحقن دماءهم.
6- وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع جلالة قدره، يُظهر حزنه على عدم معرفة بعض المسائل الفقهية، فقال: «ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا». متفق عليه،
فلو كان النبي ﷺ يظهر لأحد بعد موته في اليقظة، لكان عمر رضي الله عنه أولى الناس بذلك، ولما احتاج إلى التمني أن يبيّن له النبي ﷺ هذه المسائل.
✔ فهل يُعقل أن تقع هذه الأحداث العظيمة التي مست مصالح الأمة ودماء المسلمين، ثم لا يظهر النبي ﷺ لأحد من الصحابة، بينما يُدّعى ظهوره لأناس بعدهم؟.
▣▣ والذين يجوّزون رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته يقولون إن ذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف ﷺ.
◄ فهل الذين قالوا إنهم رأوه ﷺ يقظة كانوا أشد حبًا له من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، التي اشتد حزنها على وفاته، وكانت دارها مجاورة لضريحه الشريف، ولم يُنقل عنها رؤيته في اليقظة؟.
حديث «فسيراني في اليقظة»: ما معناه؟
لا يصح حمل قوله ﷺ: «فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» على ظهوره ﷺ بذاته في اليقظة بعد وفاته؛ لأن للحديث روايات أخرى، منها: «فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ» و«فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ».
ولهذا تُجمع روايات الحديث وطرقه ولا يُقتصر على لفظ واحد، وبذلك يتبين أن المقصود صدق رؤيته ﷺ في المنام، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته.
وقد ذكر العلماء عدة توجيهات لمعنى الحديث، منها:
✔ "فسيراني في اليقظة"، أي: يوم القيامة؛ من رأى النبي ﷺ في المنام فستتحقق رؤياه يوم القيامة، فيراه رؤية حقيقية، فيكون ذلك تصديقً للرؤيا وخروجها على الحق.
✔ أن المراد أهل عصر النبي ﷺ من رأى النبي ﷺ في المنام وهو من أهل زمانه، وكان بعيدًا عنه،
فإن الله يوفقه للهجرة إليه ولقائه ﷺ في اليقظة، فيكون قد رآه حقيقة بعد ذلك. قد ذكر ذلك العيني في « "شرح البخاري" (24/140)». و[فتح الباري لابن حجر (12/385)].و(" شرح مسلم " للنووي ( 15 / 26 ))
✔ أن المراد رؤية تأويل الرؤيا- أن من رأى النبي ﷺ في المنام فسيعلم تأويل هذه الرؤيا ويتحقق معناها. قد ذكر ذلك الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» (6/513).
◄ وعلى هذا التفسير، لا يكون الحديث دليلًا على رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته؛ لأن الكلام عن رؤيته في حياته ﷺ.
شك الشيخ الألباني في ثبوت لفظ «فسيراني في اليقظة»
لم يشك الشيخ الألباني رحمه الله في أصل حديث رؤية النبي ﷺ في المنام، وإنما كان شكه في ثبوت لفظ: «فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» بهذا اللفظ تحديدًا؛ لأن الروايات الواردة في الحديث جاءت بألفاظ مختلفة.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في «السلسلة الصحيحة» (6/513):
... «ولكنني في شك من ثبوت قوله: "فسيراني في اليقظة"، وذلك أن الرواة اختلفوا في ضبط هذه الجملة».
وذكر أن الحافظ ابن حجر قال: «ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة: "فقد رآني في اليقظة"، بدل قوله: "فسيراني"، ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وصححه الترمذي وأبو عوانة.
ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة: "فكأنما رآني في اليقظة"».
ثم قال الألباني رحمه الله: «فهذه ثلاثة ألفاظ: "فسيراني في اليقظة". "فكأنما رآني في اليقظة". "فقد رآني في اليقظة". وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في اليقظة».
ثم قال: «وكلها في تأكيد صدق الرؤيا، فاللفظ الثاني أقرب إلى الصحة من حيث المعنى». وذكر حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «فقد رآني الحق». أخرجه البخاري وأحمد وابن حبان عن أبي هريرة. انتهى.
✔ وعليه، فليس في حديث «فسيراني في اليقظة» دلالة على أن من رأى النبي ﷺ في المنام سيرى ذاته في اليقظة بعد وفاته في الحياة الدنيا.
خلاصة الحكم الشرعي:
● لا يصح أن يُفهم حديث: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» على أن النبي ﷺ يخرج من قبره ويظهر للناس في الدنيا بعد وفاته؛ فهذا لا يثبت بدليل صحيح.
● والثابت أن:
1- النبي ﷺ توفي، وهو حي في قبره حياة برزخية، ولا يخرج منه حتى تنشق عنه الأرض يوم القيامة؛ قال الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. [الزمر: 30].
2- رؤية النبي ﷺ في المنام حق، فمن رآه على صفته المعروفة المنقولة إلينا في كتب السنة، ولو في أي مرحلة من مراحل حياته فقد رآه حقًا؛ لأن الشيطان لا يتمثل بصورته ﷺ.
3- حديث «فسيراني في اليقظة» ورد بألفاظ متعددة، وقد بيّن أهل العلم أن حمله على رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته في الدنيا ليس صحيحًا.
4- لم يثبت عن أحد من الصحابة رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته.
● وعليه، فدعوى رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته في الدنيا لا يصح إثباتها بالمنامات أو الحكايات أو مجرد الدعاوى، وإنما العبرة بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة.
والله أعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق