✅ قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. [النور: 3].
التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾.
● المعنى الصحيح للآية: أنَّ مَن اتَّصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك، فإنه يحرم على المؤمن العفيف أن يتزوج بالزانية، كما يحرم على المؤمنة العفيفة أن تتزوج بالزاني؛
لأن الله تعالى لما أمر بعقوبة الزانيين، حرَّم مناكحتهما على المؤمنين؛ هجرًا لهما، ولما معهما من الذنوب والسيئات.
● فإن أقدم المؤمن العفيف على الزواج بالزانية، أو أقدمت المؤمنة العفيفة على الزواج بالزاني، فإمَّا أن يلتزم حكم الله سبحانه وتعالى ويعتقد وجوبه عليه، أو لا؛
فإن لم يلتزمه ولم يعتقد تحريم هذا الزواج فهو مشرك؛ لأن تحليل ما حرَّم الله شرك،
وإن التزمه واعتقد تحريم هذا الزواج وخالفه، فتزوجها وجامعها، فهو زانٍ؛ لأن العقد غير صحيح. انظر:(مجموع الفتاوى لابن تيمية (32/113-117)، إغاثة اللهفان لابن القيم (1/65-67)، زاد المعاد لابن القيم (5/104)، تفسير السعدي (ص: 561)، تفسير ابن عثيمين - سورة النور (ص: 22).
▣ وممَّن قال بهذا القول من السلف: ابن عباس في رواية عنه، ومجاهد في رواية عنه، وسعيد بن جبير في رواية عنه، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والزهري، والشعبي، وهو مذهب الإمام أحمد.
هل المقصود بالنكاح في الآية عقد الزواج أم الوطء؟
المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد الزواج، لا الوطء.
◄ ومن أقوى ما يدل على ذلك قول الله تعالى بعد ذكر الزاني والزانية:﴿وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
● فالإشارة في قوله ﴿ذَٰلِكَ﴾ راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية أو المشركة، وهو نصٌّ قرآني في تحريم نكاح الزاني العفيفة، كما يحرم نكاح الزانية للرجل العفيف.
ولمَّا أمر الله تعالى بعقوبة الزانيين، حرَّم مناكحتهما على المؤمنين؛ هجرًا لهما، ولما معهما من الذنوب والسيئات.
◄ لذلك يحرم زواج العفيف من المرأة الزانية حتى تتوب، وتحريم زواج المرأة العفيفة من الرجل الزاني حتى يتوب.
● ولو حُمِلَ النكاح في هذه الآية على معنى الوطء والزنا، للزم أن يكون معنى الآية: أن الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، وهذا المعنى غير صحيح-
إذ لا توجد في القرآن آية يكون النكاح فيها بمعنى الوطء إطلاقًا، بل كل نكاح في القرآن فهو للعقد.
● كما أن حمِل النكاح في الآية على معنى الوطء والزنا، بعيد عن سياق الآية؛ لأن الآية سيقت في معرض بيان حكم النكاح،
ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإن التحريم هنا ظاهر في تحريم عقد النكاح.
★ ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: إن حمل النكاح في الآية على الزنى من أضعف الأقوال؛ لأن سياق الآية وذكر المشرك والمشركة فيها لا يدل عليه.
لماذا ذُكرت المشركة والمشرك في الآية؟
ذكر المشرك والمشركة في الآية دليل على عدم صحة حمل النكاح على الوطء، وأن المقصود به هو عقد الزواج.
● فإن الزاني المسلم لا يحل له أصلا نكاح مشركة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
● وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها أصلا نكاح المشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾. فهذا يؤكد أن الحديث في الآية عن النكاح بمعنى الزواج والعقد.
● كما أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ كلها في عقد النكاح، وليس واحد منها في الوطء، والمقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول.
الأدلة على أن المقصود بالنكاح في الآية هو عقد الزواج وتحريمه على المؤمنين.
1- حديث مرثد بن أبي مرثد في سبب نزول الآية.
✅ جاء في سبب نزول الآية- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كانت بمكة امرأة بغيّ يقال لها عناق، وكانت صديقته، فقال:
يا رسول الله، أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: «لا تنكحها». رواه أبو داود (2051)، وصححه الألباني.
◄ هذا الحديث صريح في أن النكاح في الآية هو الزواج؛ لأن مرثدًا سأل النبي ﷺ عن الزواج، فنهاه عنه مستدلًّا بالآية.
2- قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. [المائدة:5].
◄ فقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، أي: أعفَّاء غير زناة، ويُفهم من مفهوم مخالفة الآية أنه لا يجوز نكاح المسافح، الذي هو الزاني، لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب.
3- قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. [النساء:25].
◄ فقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، أي: عفائف غير زانيات، ويُفهم من مفهوم مخالفة الآية أنهن لو كنَّ مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن.
4- حديث «الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله».
✅ ومما يؤيد أن المقصود بالنكاح في الآية الزواج، حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله». صحيح أبي داود، رقم (2052).
◄ فهذا الحديث يؤكد أن لفظ النكاح يُراد به الزواج، ويؤيد تفسير النكاح في آية النور بعقد الزواج، لا بالوطء.
▣ ووصفه بالمجلود بذلك خرج مخرج الأغلب؛ لعقوبة من يفعل ذلك بالجلد، وإلا فقد لا يجلد وهو زان،
وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}. انظر:(السلسلة الصحيحة- للألباني(٥/ ٥٧٢).
✔ وبذلك يتبين أن الأدلة تجتمع على أن المراد بالنكاح في الآية هو عقد الزواج، وأن هذا النكاح محرّم على المؤمنين قبل توبة الزاني والزانية، وليس المراد به مجرد الوطء.
أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾.
قال ابن القيّم رحمه الله :
وأمّا نكاح الزانية فقد صرّح اللَّه سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة ( النور )، وأخبر أن من نكحها فهو إما زانٍ أو مشرك،
فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال: ( وَحُرّمَ ذالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )،
ثم بيَّن ابن القيم أن دعوى نسخ الآية- بقوله تعالى:
﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى. إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزنى إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وكلام اللَّه ينبغي أن يصان عن مثل هذا ،
وبيَّن أن حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها.
ثم ذكر أن الله سبحانه وتعالى إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، فقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها... فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم. انظر:(زاد المعاد (5/104).
سئل الشيخ الألباني رحمه الله:
قوله تعالى (( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة )) ما الراجح فيه؟
قال الشيخ: الراجح أن المشرك إذا لم يتب فلا يجوز التزاوج، والزاني أو الزانية إذا لم يتب أيضا كل منهما،
فلا يجوز التزاوج بين المسلم العفيف والمسلمة الزانية وبالعكس، أما إذا تاب المشرك أو تاب الزاني أو الزانية، فالتوبة تمحو الحَوبة
السائل: طيب يا شيخ على فرض أن الزاني تزوج مسلمة هل يصح العقد؟
قال الشيخ: لا. انظر:(فتاوى عبر الهاتف والسيارة-(276)).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
المعنى أن الله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ لأن الزاني يحرم أن يُزوَّج بعفيفة.
فإذا كان حرامًا وتزوجته المرأة، فإما أن تكون قانعة بالحكم الشرعي، فحينئذ تكون زانية؛ لأنها مكَّنت رجلًا يحرم عليه نكاحها من أن يطأها، فتكون زانية؛ لأن العقد غير صحيح.
ثم بيَّن رحمه الله: أن المرأة غير الزانية العفيفة إذا عقد عليها زانٍ، فلا يجوز أن يُزوَّج الزاني بها قبل التوبة، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإذا تزوجت هذا الزاني وهي تعتقد أن العقد حرام، فجامعها، كانت زانية.
وإن قالت: لا أرضى بهذا الحكم، وحكمي أن ذلك مباح، صارت مشركة؛ لأنها حكمت بغير حكم الله عز وجل.
وقال رحمه الله: «هذا أحسن ما قيل في معنى الآية». انظر:(تفسير ابن عثيمين- سورة النور (ص: 22)، و(شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح).
خلاصة التفسير الصحيح للآية:
● قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ۖ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾،
يدل على تحريم نكاح الزاني والزانية قبل التوبة، وأن المراد بالنكاح عقد الزواج لا الوطء.
● وقد دل على ذلك سياق الآية، وذكر المشرك والمشركة فيها، والأحاديث الواردة في سبب نزولها، وحديث:«الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله».
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق