يستدل بعض الناس على جواز الإنكار العلني على الحاكم بقصة موسى عليه السلام مع فرعون، أو بأحاديث «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، أو ببعض إنكارات السلف التي وقعت مع بعض الأمراء.
✅ لكن هل تدل هذه الأدلة فعلًا على محل النزاع؟
الجواب: لا، إذا جُمعت النصوص الشرعية وفُهمت في سياقها الصحيح،
فإنها لا تدل على إباحة التشهير بالحاكم أو اتخاذ الإنكار العلني على ولاة الأمور أصلًا عامًا، بل الواجب رد المتشابه إلى المحكم والجمع بين الأدلة.
هل قصة موسى عليه السلام دليل على جواز الإنكار العلني على الحاكم؟
1- قصة موسى عليه السلام مع فرعون ليست في باب نصيحة ولي الأمر أصلًا، وإنما هي في باب دعوة كافر إلى الإسلام وإقامة الحجة عليه.
ففرعون لم يكن إمامًا شرعيًا لموسى عليه السلام حتى تُقاس به أحكام مناصحة ولاة الأمور، وإنما كان رأس الكفر والطغيان، وموسى مأمور بدعوته إلى التوحيد وترك عبادة غير الله.
✅ قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
✔ وهذا يدل على أن الأصل في بداية الدعوة هو الرفق واللين لا التشهير والإثارة.
2- المناظرة أمام الناس لم تكن ابتداء نصيحة علنية.
ما وقع من مخاطبة موسى عليه السلام لفرعون أمام قومه لم يكن ابتداءً للإنكار العلني على الحاكم، وإنما وقع بعدما:
● جمع فرعون الناس.
● وأظهر العناد والتحدي.
● وجعل القضية مواجهة عامة.
✅ قال تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. وقال سبحانه: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾.
✔ فأصبحت القضية إقامة حجة عامة على الخلق، لا نموذجًا لمناصحة الحكام.
3- اختلاف السياق يمنع القياس.
لا يصح القياس بين: مقام النبوة والوحي وبين اجتهاد عامة الناس.
◄ كما لا يصح إسقاط دعوة كافر إلى التوحيد على باب نصيحة الحاكم المسلم؛ لأن المقاصد والسياق مختلفان تمامًا.
هل حديث «كلمة حق عند سلطان جائر» دليل على التشهير بالحاكم؟
1- حديث: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» وكذلك: «سيد الشهداء حمزة… ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه…». يدلان على:
مشروعية قول الحق عند السلطان، وعدم الخوف منه.
ولكن لا يدلان على:
التشهير أو مخاطبة العامة أو إثارة الناس عليه.
2- الجمع بين النصوص هو منهج أهل السنة.
حديث: «ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه…» وحديث: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».
◄ فليس فيهما أن ذلك يكون أمام العامة أو على المنابر أو بقصد التشهير، وإنما فيهما مشروعية إنكار المنكر عند السلطان نفسه.
▣ ولهذا قرر غير واحد من أهل العلم أن هذه النصوص تُجمع مع حديث عياض بن غنم رضي الله عنه: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية…».
✔ فيُحمل حديث النصيحة السرية على الأصل، وأما أحاديث كلمة الحق عند السلطان فتُحمل على:
● مواجهة السلطان نفسه.
● أو نصيحته مباشرة.
● أو ما تدعو إليه الحاجة مع أمن الفتنة.
هل تدل بعض إنكارات السلف على جواز الإنكار العلني على الحاكم؟
يستدل بعض الناس ببعض الآثار الواردة عن السلف، ويجعلون هذه الآثار دليلًا على جواز الإنكار العلني على الحاكم. مثل:
✅ إنكار أبي سعيد الخدري رضي الله عنه على مروان بن الحكم يوم العيد.
✅ إنكار عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه على بشر بن مروان عندما رفع يديه في الخطبة.
✅ إنكار أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على مروان بن الحكم، وما وقع من عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه مع مروان في مسألة البيعة ليزيد.
والجواب على ذلك من وجوه:
1- أنها وقائع أعيان لا قواعد عامة.
فهذه الآثار -على فرض صحة الاستدلال بها- غايتها أن تدل على ما وقع في تلك المواقف بعينها، ولا تدل على إنشاء قاعدة عامة يُحتج بها في كل زمان ومكان؛
لأنها قد تكون مرتبطة بظروف خاصة وملابسات معينة لا تتكرر، فلا يصح تعميمها على جميع الأحوال.
2- لم تكن تشهيرًا بالحاكم ولا تحريضًا للعامة.
فإنكار أبي سعيد الخدري، وعمارة بن رؤيبة، وعائشة رضي الله عنهم، إنما وقع بحضرة من وقع منه الخطأ،
ولم يكن خروجًا بين الناس للتشهير بالحاكم أو التحريض عليه أو إثارة العامة، فلا يصح جعلها أصلًا لإباحة التشهير بولاة الأمور.
3- لا يجوز معارضة النصوص المحكمة بها.
وحتى لو سُلِّم جدلًا بأن بعض هذه الآثار يدل على جواز بعض صور الإنكار في وقائع معينة، فإنها لا تُعارض النصوص العامة المحكمة،
بل الواجب الجمع بين الأدلة، فيُحمل كل دليل على موضعه، ومن ذلك حديث: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية...».
✔ وعليه؛ فإن ما وقع من بعض الصحابة رضي الله عنهم في هذه الوقائع لا ينهض لإثبات مشروعية الإنكار العلني على الحاكم على وجه العموم؛
لأنها وقائع خاصة لا يصح تعميمها، والاستدلال الصحيح يكون بجمع النصوص، ورد المتشابه إلى المحكم، لا بالاحتجاج بوقائع محتملة الدلالة وترك الأحاديث المحكمة.
4- مراعاة المصالح والمفاسد.
كما أن الموازنة الشرعية تقتضي مراعاة ما يترتب على الإنكار من مصالح ومفاسد، فإذا غلب على الظن أن الإعلان يفضي إلى فتنة أو مفسدة أعظم، لم يكن مشروعًا؛
لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ودرء المفسدة الراجحة مقدم على جلب المصلحة المرجوحة.
قاعدة مهمة في الإستدلال بأقوال وأفعال الصحابة.
● إذا اختلفت أقوال الصحابة أو أفعالهم، فالمرجع هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فلا يُقدَّم قول أحد أو فعله على نصوص الوحيين، مهما علت منزلته.
✔ ولهذا فلا يصح معارضة النصوص الشرعية الصحيحة ببعض الآثار أو الاجتهادات، بل الواجب الجمع بين الأدلة ورد المتشابه إلى المحكم،
ومن ذلك الجمع بين نصوص الصبر على ولاة الأمور ونصوص مناصحتهم بالطرق الشرعية، كحديث: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية…».
● وما وقع من بعض الصحابة أو التابعين مما يُخالف ظاهر النص يُلتمس لهم فيه العذر، ولا يُترك النص لأجل اجتهاد أحد؛
فقد يكون لم يبلغه الدليل، أو لم يثبت عنده، أو اجتهد فأخطأ، وهو مأجور على اجتهاده إن شاء الله.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
إذا جاء عن أصحاب النبي ﷺ أقاويل مختلفة نُظر إلى ما هو أشبه بكتاب الله وسنة رسوله، فيُؤخذ به،
فإن تعذر ذلك من نص الكتاب والسنة اعتُبرت أقاويلهم من جهة القياس، فمن شابه قوله أصلًا من الأصول أُلحق به. انظر:(الفقيه والمتفقه).
خلاصة المنشور.
يتبين مما سبق أن:
▪️ قصة موسى عليه السلام ليست في باب مناصحة ولاة الأمور، وإنما في باب دعوة فرعون إلى التوحيد وإقامة الحجة عليه.
▪️ أحاديث «كلمة حق عند سلطان جائر» لا تدل على التشهير بالحاكم أو مخاطبة العامة، وإنما تُفهم مع سائر النصوص.
▪️ وقائع بعض الصحابة هي وقائع أعيان لا تُنشئ قاعدة عامة، ولا تُعارض بها النصوص المحكمة.
▪️ الواجب هو الجمع بين الأدلة، ورد المتشابه إلى المحكم، وفهم النصوص على منهج السلف الصالح.
✔ وعليه: فلا يصح الاستدلال بهذه الأدلة والآثار على جواز الإنكار العلني المطلق على الحكام أو التشهير بهم أمام العامة.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
%20(1).webp)
تعليقات
إرسال تعليق