✅ تُعد مسألة كيفية نصيحة الحاكم أو من أكثر القضايا التي يكثر حولها الجدل في الواقع المعاصر، بين من يرى أن النصيحة تكون علنًا، ومن يرى أن الأصل فيها السرّ.
● وقد جاءت النصوص الشرعية وأقوال السلف الصالح لتبيّن منهجًا واضحًا في هذه المسألة،
يقوم على أن الأصل في نصيحة ولي الأمر شرعًا أن تكون سرًا وبرفق، لما في ذلك من حفظ المصالح العامة، وتقليل الفتن، وجمع كلمة المسلمين.
✅ والنصيحة: اسم عام يشمل أشياء كثيرة، كما في حديث « الدَّينُ النَصِيحَُة » ومنها الإنكار، فالإنكار حال من أحوال النصيحة.
وفي هذا المنشور نعرض الأدلة من السنة النبوية، وآثار الصحابة، وأقوال أئمة الإسلام في بيان هذا الأصل المهم.
ما الأصل في نصيحة الحاكم؟
● الأصل في نصيحة ولي الأمر أن تكون سرًا وبرفق إذا وقع منه منكر؛ امتثالًا لهدي السنة، وحرصًا على اجتماع الكلمة، ولأن ذلك أقرب إلى قبول النصيحة وأبعد عن الفتنة.
● فإن لم يقبلها، فقد أدى الناصح ما عليه، ويرد الأمر إلى أهل العلم،
ولا يلجأ إلى المجاهرة بالإنكار لما يترتب عليها غالبًا من إثارة الفتن وإضعاف هيبة السلطان، وهي مفاسد جاءت الشريعة بسد ذرائعها.
◄ وقد عدَّ أئمة أهل السنة اتخاذ المجاهرة بالإنكار على ولاة الأمور منهجًا من سمات الخوارج.
● ولذلك فرقت الشريعة بين إنكار المنكر على عامة الناس وبين نصيحة ولاة الأمور،
لأن الخطأ في معاملة الحكام لا يقتصر ضرره على الأفراد، بل قد يفضي إلى مفاسد عامة تمس أمن الأمة ووحدتها.
كيف ينصح المسلم ولي الأمر إذا لم يستطع مقابلته؟
إذا تعذرت مقابلة ولي الأمر مباشرة، فلا يسقط واجب النصيحة، بل يسلك المسلم الوسائل المشروعة التي تحقق المقصود دون إثارة الفتنة؛ كأن:
✔ يكتب إليه.
✔ أو يرفع الأمر إلى العلماء الذين يتمكنون من الوصول إليه، ونصحه، وتوجيه إلى الخير.
✔ أو ينقل إليه النصيحة عن طريق من يثق بوصولها إليه.
● والمقصود أن تكون النصيحة سرًا وبالأسلوب الذي هو أقرب إلى قبولها وتحقيق المصلحة.
الأدلة من السنة على أن نصيحة الحاكم تكون سرًا.
قد مضى أئمة السنة على عدم الجهر بالنصيحة لولاة الأمور ولا للعوام بل إذا أرادوا نصح أحد نصحوه سرا، فمن ذلك:
1- حديث عياض بن غنم رضي الله عنه.
✅ أن رسول الله ﷺ قال: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه». (رواه ابن أبي عاصم وصححه الألباني في "ظلال الجنة" (2/ 522)).
✔ هذا الحديث أصل في كيفية مناصحة ولاة الأمور، إذ بين النبي ﷺ طريقة النصيحة، ولم يقتصر على بيان مشروعيتها فقط.
2- حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
✅ لما قيل لأسامة بن زيد رضي الله عنه: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ قال: «أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه». رواه البخاري ومسلم.
✔ فهذا الحديث صريح أنه لم يكن من منهاجهم الإنكار على الأمراء علنا، وأنه أمر مُحدث.
▣ قوله (( إني أكلمه سرا )) أي: في السر دون أن أفتح باب من أبواب الفتن حاصله أكلمه طلبا للمصلحة لا تهييجا للفتنة،
لأن المجاهرة على الأمراء بالإنكار يكون فيه نوع القيام عليهم لأن فيه تشنيعا عليهم يؤدي إلى افتراق الكلمة وتشتيت الجماعة.
قوله (( لا أكون أول من فتحه )) أي: أول من فتح بابًا من أبواب الفتنة. انظر:(عمدة القاري- للعيني:(23 / 33)).
★ قال الشيخ الألباني رحمه الله: يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ؛ لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته، كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله. انظر:(مختصره لصحيح مسلم (ص335)).
3- حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
✅ ثبت في الصحيحين- أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أراد أن يراجع النبي ﷺ في أمر رجل، فلم يفعل ذلك أمام الناس، وإنما قال: «فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته».
✔ وهذا الحديث أصل في أدب النصيحة مع أصحاب الولاية والمكانة.
★ قال الإمام النووي رحمه الله: فيه التأدب مع الكبار وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون به فقد يكون في المجاهرة به مفسدة. انظر:(شرح النووى على مسلم- كتاب الزكاة).
4- أثر عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
✅ قال عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه- لمن شكا إليه ظلم السلطان: ويحك يا ابن جهمان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم،
إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه. (رواه أحمد (4/382) (19434). وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (542)).
✔ فيه التصريح بأن النصيحة تكون بالمواجهة المباشرة، لا بإثارة الناس عليه.
5- حديث «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر».
✅ قال رسول اللهﷺ: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر». صحيح أبي داود.
✔ هذا الحديث يدل على جواز نصح الحاكم ومواجهته بالحق، لكنه لا يدل على التشهير أو إثارة العامة، بل على كلمة الحق عنده مباشرة.
6- أثر ابن عباس رضي الله عنهما.
✅ قال سعيد بن جبير- قُلت: لابن عباس: آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بدّ فاعلا ففيما بينك وبينه، ولا تَغْتَب إمامك. [إسناده حسن- أخرجه ابن أبي شيبة، 38462،].
✔ وهذا الأثر يوافق ظاهر السنة في أن النصيحة تكون فيما بين الناصح وولي الأمر.
أقوال أئمة أهل السنة في نصيحة الحاكم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ، وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به حيث لا يشعر به غيره. انظر:((الطرق الحكمية)) (ص: 54).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" قال المهلب: أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان، وكان من خاصته، وممن يخف عليه في شأن- الوليد بن عقبة، لأنه كان يظهر عليه ريح نبيذ، وشهر أمره، وكان أخا لعثمان لأمه، وكان يستعمله،
فقال أسامة: (قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا): أي باب الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة. انظر:([فتح الباري (٥٢/١٣)]).
قال العلامة الشوكاني رحمه الله :
ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد. بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله.
وقد قدمنا: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أيّ مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح. والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة. انظر:( كتاب السيل الجرار 4 / 556).
موقف الإمام أحمد رحمه الله من الفتن.
★ قال حنبل رحمه الله: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله [ يعني أحمد بن حنبل ] وقالوا له:
إن الأمر قد تفاقم وفشا– يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك-، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه،
فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم،
وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يُستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار. انظر:(الآداب الشرعية (1/196)).
قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
إذا رأينا أن الإنكار علنا يزول به المنكر ويحصل به الخير، فلننكر علنا،
وإذا رأينا أن الإنكار علنا لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سرا، وبهذا تجتمع الأدلة،..
وأقول لكم: إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانبا، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو في غير ذلك...
الخوارج كانوا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على جيش الشام، وعندما تصالح علي مع جيش الشام حقناً لدماء المسلمين صاروا ضده، وقالوا: أنت كافر.
كفروا علي بن أبي طالب -والعياذ بالله- لماذا؟
لأن رعاع الناس وغوغاء الناس لا يمكن ضبطهم أبداً، وإعلان النكير على ولاة الأمور يستغله هؤلاء الغوغاء ليصلوا إلى مآربهم، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكنه رضي بالتحريش بينهم»...
فالحاصل أننا نقول: يجب على شباب الصحوة أن ينظروا إلى النصوص من جميع الجوانب، وألا يقدموا على شيء حتى ينظروا ما عاقبته... انظر:(لقاءات الباب المفتوح، لقاء رقم(62)).
خلاصة الحكم الشرعي في نصيحة الحاكم:
▪️ دلت السنة وآثار الصحابة وأقوال أئمة أهل السنة على أن الأصل في نصيحة ولي الأمر أن تكون سرًا وبرفق؛ لما في ذلك من تحقيق المصلحة واجتماع الكلمة.
▪️ لا يعني ذلك ترك الإنكار أو السكوت عن المنكر، وإنما يكون الإنكار وفق الضوابط والطريقة التي دلت عليها النصوص الشرعية.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق