">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

الإنكار العلني على الحاكم: متى يجوز ومتى يمنع؟


✅ تكثر الخلافات حول الإنكار العلني على الحاكم بسبب عدم جمع النصوص الواردة في الباب. والصواب هو الجمع بينها ورد المتشابه إلى المحكم.

فهل يمنع مطلقًا؟ أم يجوز مطلقًا؟ أم أن له ضوابط شرعية؟

هل يمنع الإنكار العلني على الحاكم مطلقًا؟

● القول بمنع الإنكار العلني على الحاكم مطلقًا لا يستقيم مع جميع النصوص، كما أن القول بإباحته مطلقًا لا يستقيم أيضًا.

● والصواب هو الجمع بين الأدلة؛ فحديث عياض بن غنم رضي الله عنه: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية...» يدل على أن الأصل في نصيحة ولي الأمر أن تكون سرًّا.

● وفي المقابل، جاءت نصوص تدل على جواز الإنكار على الحاكم بحضرته عند الحاجة، كقوله ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، وقوله ﷺ: «ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه...».

ولا يكون الهدف من ذلك التشهير بالحاكم وإسقاط هيبته أو تأليب الناس عليه، وإنما نصحه، وإزالة المنكر، وتحقيق المصلحة الشرعية.

✔ فلا تعارض بين هذه النصوص؛ لأن كلًّا منها يُعمل به في موضعه، وفق الضوابط الشرعية وتحقيق المصالح ودرء المفاسد.

 لذا فالإنكار العلني ليس ممنوعًا بإطلاق، ولا جائزًا بإطلاق، وإنما يختلف حكمه بحسب الأحوال والضوابط الشرعية.

متى يجوز الإنكار العلني على الحاكم؟

الإنكار العلني على الحاكم ليس جائزًا بإطلاق، وإنما يجوز عند تحقق الضوابط الشرعية الآتية:

1- أن يكون الحاكم حاضرًا لا في غيبته.

فإذا كان الحاكم حاضرًا، ورُئي منه منكر ظاهر، ورُجيت من الإنكار بحضرته المصلحة أو قبول النصيحة، ولم يترتب على الإنكار بحضرته فتنة أو تشهير أو مفسدة أعظم، جاز إنكاره عليه مباشرة.

ومن الأدلة على ذلك:

 ما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه أنكر على مروان بن الحكم تقديم الخطبة على صلاة العيد،

فأنكر عليه في حضرته، ثم استمر في الصلاة معه، ولم يكن في ذلك إثارة للناس أو دعوة للخروج عليه.

✅ كذلك ما ثبت في صحيح مسلم- عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه: أنه أنكر على بشر بن مروان رفع اليدين في الخطبة، وكان إنكاره بحضرة الأمير.

2- أن تغلب المصلحة على المفسدة، وألا يترتب على الإنكار فتنة أو مفسدة أعظم.

إذا غلب على الظن أن الإنكار يحقق مصلحة راجحة ولا يترتب عليه شرٌّ أكبر، جاز؛ لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد.

✔ أما إذا كان الحاكم ممن لا تُرجى منه النصيحة، أو غلب على الظن أن الإنكار العلني يفضي إلى فتنة، أو يُفهم منه الخروج على ولي الأمر،

أو يترتب عليه شرٌّ أكبر، فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشد منه، إذ يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم.

ومن ذلك :

✅ ما وقع في الفتن التاريخية، كفتنة مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين آل الأمر إلى الخروج عليه وسفك الدماء،

وكذلك فتنة عبد الرحمن بن الأشعث، وما ترتب عليها من قتال وفساد عظيم ذهب ضحيته جمع كثير من المسلمين.

لماذا يُمنع الإنكار على الحاكم في غيبته؟

● إن الإنكار على الحاكم في غيبته عبر المنابر، أو الصحف، أو القنوات، أو وسائل التواصل،

يؤدي إلى الفتنة، وشق عصا الطاعة، وإثارة العامة على ولاة الأمور، وإسقاط هيبة السلطان، وفتح باب الفوضى والاضطراب.

◄ ولهذا لم يكن هذا المسلك من هدي أهل السنة والجماعة، بل هو من مسالك أهل البدع والخوارج في تأليب الناس على ولاة الأمور وإثارة الفتن.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :

ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع،...

ولما فتح الخوارج الجهال باب الشر في زمان عثمان وأنكروا على عثمان علنا عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية،

وقتل عثمان وعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك،

وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه،.. نسأل الله العافية والسلامةانظر:("مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (8 / 210 – 211).

لماذا فرّق العلماء بين حضور الحاكم وغيابه؟

✅ قرر العلماء أن الفرق بين الحالين ظاهر من جهة الأثر والمآل.

● فإذا كان الحاكم حاضرًا أمكنه أن يجيب ويبين وجهة نظره، وقد يتبين أن الحق معه أو أن المسألة اجتهادية، فيكون ذلك أقرب إلى الحوار والإصلاح المباشر.

● أما إذا كان غائبًا، وأُخذ يُتحدث عنه في المنابر أو المجالس أو وسائل الإعلام، فإنه لا يستطيع دفع ما يُنسب إليه، ويكون ذلك أقرب إلى الغيبة والتشهير وإثارة العامة.

ولهذا قال الشيخ العثيمين رحمه الله:

هناك فرق بين أن يكون الأمير أو الحاكم الذي تريد أن تتكلم عليه بين يديك، وبين أن يكون غائباً، لأن جميع الانكارات الواردة عن السلف انكارات حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم.

الفرق أنه اذا كان حاضراً أمكنه ان يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن مخطئون،

لكن اذا كان غائباً وبدأنا نحن نفصل الثوب عليه على ما نريد هذا هو الذي فيه الخطورة،

والذي ورد عن السلف كله في مقابلة الأمير أو الحاكم، ومعلوم ان الانسان لو وقف يتكلم في شخص من الناس، وليس من ولاة الأمور وذكره في غيبته،

فسوف يقال: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فصارحه وقابله. انظر:(اللقاء المفتوح لابن عثيمين (ص814-816)).

كيف نجمع بين النصوص في باب الإنكار على الحاكم؟

يمكن الجمع بين الأدلة على النحو الآتي:

1- حديث النصيحة السرية: يدل على أن هذا هو الأصل.

2- أحاديث كلمة الحق عند السلطان: تدل على مشروعية المواجهة عند الحاجة.

3- العبرة بتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.

4- فلا يُترك دليل لأجل دليل آخر، بل يُعمل بجميع النصوص.

قال الشيخ العثيمين رحمه الله- في تقرير القاعدة العامة:

إذا رأينا أن الإنكار علنا يزول به المنكر ويحصل به الخير، فلننكر علنا،

وإذا رأينا أن الإنكار علنا لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سرا، وبهذا تجتمع الأدلة...

 النصوص لا يكذب بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، فيكون الإنكار معلناً عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير،

ويكون سراً إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، لا يزول به الشر ولا يحل به الخير... انظر:(لقاءات الباب المفتوح، لقاء رقم(62)).

خلاصة حكم الإنكار العلني على الحاكم.

● بعد جمع النصوص يتبين أن أهل السنة لا يقولون بالمنع المطلق، ولا بالإباحة المطلقة.

● بل الأصل أن تكون النصيحة سرًا، ويجوز الإنكار بحضرة السلطان إذا تحققت المصلحة، ولم يترتب عليه شر أعظم،

أما التشهير بالحاكم في غيبته، وإثارة الناس عليه، فليس هو الذي دلت عليه النصوص ولا كان عليه عمل السلف.

● ولهذا كان الواجب حمل النصوص بعضها على بعض، والجمع بينها، وعدم بناء الأحكام على دليل واحد مع إهمال بقية الأدلة.


والله اعلم

اقرأ أيضا:


الإنكار العلني على الحاكم: متى يجوز ومتى يمنع؟
أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات