">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

هل حديث "إن الله لما قضى خلقه استلقى" صحيح أم منكر؟


✅ يُثير بعض المبتدعة المخالفين لعقيدة أهل السنة والجماعة شبهة تتعلق بحديث يُنسب إلى النبي ﷺ، وفيه أن الله تعالى “استلقى” بعد خلق السماوات والأرض.

✅ فيقومون باستخدام مثل هذه الأحاديث المنكرة لينفروا الناس من العقيدة الصحيحة.

وفي هذا المنشور نبيّن حكم هذا الحديث من جهة الثبوت، مع عرض أقوال العلماء، وبيان علله.

ما هو حديث "إن الله لما قضى خلقه استلقى"؟

✅ عن قتادة بن النعمان أن النبي ﷺ قال: أن الله تَعَالَى لما قضى خلقه اسْتلْقى ثمَّ وضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى ثمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي لأحد من خلقي أَن يفعل هَذَا.

قَالَ أَبُو سعيد: لَا جرم لَا أَفعلهُ أبداً. (حديث منكر- الأسماء والصفات- للبيهقي-رقم: (2/91)).

بيان الإشكال في متن الحديث.

● المعنى الظاهر من هذا اللفظ يوهم معنى غير لائق، من جهة مشابهة الخلق أو الاستراحة بعد الخلق.

● وهذا المعنى باطل شرعًا، لأن الله تعالى منزه عن التعب والاحتياج، قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾. سورة ق.

 فلا يوصف الله تعالى إلا بما في كتابه المبين وبما صحَّ من سنة رسوله الصادق الأمين.

نكارة حديث الإستلقاء لمخالفته للأحاديث الصحيحة الثابتة.

1- ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ استلقى واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وفعله كذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما، فلو كان هذا الفعل من خصائص الله كما في الحديث لما فعلوه.

2- النهي الوارد عن الاستلقاء في بعض الروايات ليس معللًا بأنه من خصائص الله، بل لسبب آخر، فلا علاقة له بما جاء في الحديث المنكر.

3- جمع العلماء بين النهي والفعل كان على وجهين:

▣ إما النسخ: أي أن النهي كان أولًا ثم أُبيح بعد ذلك، وهذا يدل أن الفعل جائز في الأصل، فلو كان من خصائص الله لما جاز أصلًا ولا دخله النسخ.

▣ أو التقييد: أن النهي يكون عند خوف انكشاف العورة، والجواز عند أمن ذلك، فالعلة هنا واضحة وهي حفظ العورة، لا كونه من خصائص الله؛

ولو كان الحديث صحيحًا لكانت العلة هي الخصوصية، لا هذا التعليل، مما يؤكد نكارة الحديث وبطلانه. انظر:(سلسلة الاحاديث الضعيفة والموضوعة –للألباني – ج 2 ص 177 – (179)).

حكم العلماء على حديث الإستلقاء.

✅ هذا الحديث منكر جدًا، ولا يصح عن النبي ﷺ، وقد حكم عليه عدد من أئمة الحديث بالنكارة وعدم الثبوت.

★ قال الإمام البيهقي رحمه الله:

هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَلَمْ أَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ، فَلَمْ يُخْرِجَا حَدِيثَهُ هَذَا فِي الصَّحِيحِ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الْحُفَّاظِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ.

ثم روى بسنده عن ابن معين قال: لا يحتج بحديثه. وفي رواية: قال: ضعيف. قال: و بلغني عن النسائي أنه قال: ليس بالقوي.

قال: “ فإذا كان فليح بن سليمان المدني مختلفا في جواز الاحتجاج به عند الحفاظ لم يثبت بروايته مثل هذا الأمر العظيم.

وفيه علة أخرى: وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصلى عليه عمر،

وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة، وله خمس وسبعون سنة - في قول الواقدي وابن بكير - فتكون روايته عن قتادة منقطعة.

وقول الراوي: "وانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد" لا يَرْجِع إلى عبيد بن حنين, وإنما يرجع إلى من أرسله عنه, ونحن لا نعرفه, فلا تقبل المراسيل في الأحكام, فكيف في هذا الأمر العظيم؟!. انظر:(" الأسماء والصفات " (761)).

وبنحو كلام البيهقي- قاله الإمام ابن القيم رحمه الله. انظر:(كتاب "شرح تهذيب السنن بحاشية عون المعبود" للعظيم آبادي (13/214)).

★ قال الإمام ابن كثير رحمه الله :

هذا إسناد غريب جداً، وفيه نكارة شديدة، ولعله متلقى من الإسرائيليات، اشتبه على بعض الرواة فرفعه إلى رسول الله . انظر:" جامع المسانيد والسنن" (7/ 91).

★ قال الإمام الألباني رحمه الله : 

حديث منكر جدا:... ثم ذكر الشيخ روايات الحديث- ثم قال:

قلت: مع التنزيه المذكور- فإن الحديث يستشم منه رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله تبارك وتعالى بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح ! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا،

وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة سبحانه وتعالى عن ذلك.

وأنا أعتقد أن أصل هذا الحديث من الإسرائيليات، وقد رأيت في كلام أبي نصر الغازي أنه روي عن كعب الأخبار، فهذا يؤيد ما ذكرته، 

وذكر أبو نصر أيضا أنه روي موقوفا عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة ، فكأنهما تلقياه - إن صح عنهما - عن كعب كما هو الشأن في كثير من الإسرائيليات، ثم وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي .

ثم إن قول أبي نصر " إن رواة طريق قتادة من رجال الصحيح " صحيح، وكذلك قال الهيثمي في " المجمع " ( 8 / 100 ) بعد أن عزاه للطبراني،

ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون سند الحديث بالذات صحيحا لجواز أن يكون فيه من تكلم فيه،

 وإن كان صاحب الصحيح احتج به، فإنه يجوز أن ذلك لأنه لم يثبت جرحه عنده، أو أنه كان ينتقي من حديثه مع اعتقاده أن فيه ضعفا يسيرا لا يسقط به حديثه جملة عنده، خلافا لغيره.

وإسناد هذا الحديث من هذا القبيل، فإن محمد بن فليح بن سليمان وأباه، وإن أخرج لهما البخاري فإن فيهما ضعفا وخاصة الأب، 

فقد ضعفه ابن معين حتى جعله دون الدراوردي وهذا حسن الحديث! وقال في رواية: " فليح ليس بثقة ولا ابنه "، وكذلك ضعفه ابن المديني والنسائي والساجي وقال: " هو من أهل الصدق ، ويهم ".

ولذلك لم يسع الحافظ إلا الاعتراف بضعفه- فقال في " التقريب ":

" صدوق كثير الخطأ ". وأما ابنه محمد فهو أحسن حالا من أبيه، ففي " الميزان ": " قال أبو حاتم : ما به بأس ، وليس بذاك القوي. ووثقه بعضهم وهو أوثق من أبيه.

وقال ابن معين ليس بثقة ". وقال الحافظ : " صدوق يهم ".

وإن مما يدل على ضعفهما وضعف حديثهما اضطرابهما في إسناده.

فتارة يقولان: عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن حنين عن قتادة.

وتارة: عن سالم أبي النضر بدل سعيد بن الحارث، ويقرن مع ابن حنين بسر بن سعيد وتارة يجعل مكانهما أبا الحباب سعيد بن يسار، وهذا كله من فوائد أبي نصر رحمه الله في هذا الجزء من " الأمالي ".

حيث حفظ لنا فيه ما ينير السبيل على البحث في حال هذا الحديث. وأما إسناد حديث شداد فلم أقف عليه لننظر فيه، وغالب الظن أن فيه علة تقدح في صحته. والله أعلم.

... وجملة القول: إن هذا الحديث منكر جدا عندي، ولقد قف شعري منه حين وقفت عليه، 

ولم أجد الآن من تكلم عليه من الأئمة النقاد غير أن الحافظ الذهبي أورده في ترجمة " فليح "، كأنه يشير بذلك إلى أنه مما أنكر عليه كما هي عادته في " ميزانه ". والله أعلم.

ثم وجدت في بعض الآثار ما يشهد لكون الحديث من الإسرائيليات، 

فروى الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2 / 361 ) بسند حسن- أنه قيل للحسن ( وهو البصري ): قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى؟ فقال: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود ".

ثم رأيت البيهقي سبقني إلى الكلام على الحديث بنحو ما ظهر لي. انظر:(سلسلة الاحاديث الضعيفة والموضوعة –للألباني – ج 2 ص 177 – (179)).

الحديث الصحيح في هذا الباب.

✅ عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه). 

أخرجه أبو يعلى بن الفراء في ((إبطال التأويلات)) (179) و(رواه الخلال في ((كتاب السنة)). وصحح إسناده على شرط البخاري: الذهبي في كتاب ((العرش)) (ص62) وابن القيم في ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 107))، وابن عثيمين في (مجموع فتاوى ابن عثيمين-رقم: (40/4)).

فهذا الحديث الصحيح يوافق نصوص القرآن الكريم في إثبات صفة الاستواء لله تعالى على ما يليق بجلاله، بلا تشبيه ولا تمثيل- في قوله تعالى:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. [الأعراف: 54].

خلاصة المنشور:

● حديث “إن الله لما قضى خلقه استلقى” حديث منكر لا يثبت.

● لا يجوز الاستدلال به في العقيدة.

● علله كثيرة: اضطراب، ضعف رواة، انقطاع، واحتمال الإسرائيليات.

● الثابت هو: إثبات الاستواء لله تعالى كما ورد في النصوص الصحيحة.


✅ للاستزادة فى بيان نكارة الحديث- انظر مقال بعنوان: (لا يوصف الله تعالى إلا بما في كتابه المبين وبما صحَّ من سنة رسوله الصادق الأمين- للشيخ ربيع المدخلي).
https://rabee.net/لا-يوصف-الله-تعالى-إلا-بما-في-كتابه-المب/


والله اعلم

اقرأ أيضا:


هل حديث "إن الله لما قضى خلقه استلقى" صحيح أم منكر؟
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات