✅ يتساءل كثير من الناس عن حكم مس المصحف والقراءة بغير وضوء، وهل يشترط الطهارة لذلك أم لا؟ وهذه مسألة فقهية وقع فيها خلاف بين العلماء،
وفي هذا المنشور نعرض الأقوال والأدلة مع بيان القول الراجح إن شاء الله.
حكم مس المصحف والقراءة بغير وضوء؟
● مس المصحف والقراءة فيه بغير وضوء جائز على القول الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح أو إجماع ثابت يمنع من ذلك.
● فإذا جازت قراءة القرآن بلا وضوء، جاز كذلك مس المصحف؛ إذ لا دليل صحيح يُفرّق بينهما.
● أما القول بوجوب الطهارة لمس المصحف، فيحتاج إلى دليل صحيح صريح يدل على الإلزام، ولا يثبت في النصوص ما يدل على ذلك.
● ومع هذا، فإن القراءة على طهارة هي الأكمل والأفضل.
✅ وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من العلماء، منهم: ابن عباس، سعيد بن جبير، الشعبي، الضحاك، زيد بن علي، داود الظاهري، ابن حزم، الشوكاني، والألباني وغيرهم.
الأدلة على جواز مس المصحف بغير وضوء :
1- قال النبي ﷺ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجَسُ". صحيح مسلم.
◄ فهذا الحديث أصل عظيم في طهارة بدن المسلم ولا ينجسُ في كل أحواله، سواء كان غير متوضئ أو جنبًا أو غير ذلك.
★ قال الحافظ ابن حجر فى "فتح الباري": أراد بذلك نفي هذا الوصف وهو النجس عن المسلم حقيقة ومجازاً. اهـ.
2 - عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء. فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. (صحيح النسائي رقم: 132).
دل الحديث على: حصر وجوب الوضوء في حال القيام إلى الصلاة فقط؛ لأن أداة "إنما" تفيد القصر، فدلّ ذلك على أن ما عدا الصلاة لا يجب له الوضوء.
3 - كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. (صحيح مسلم).
وجه الدلالة: أن القرآن ذكر، فيدخل في عموم الحديث، فيجوز ذكر الله وقراءة القرآن في جميع الأحوال، سواء كان الإنسان طاهرًا أو محدثًا أو جنبًا.
4 - عن أبي مريم الحنفي: أن عمر قرأ بعد الحدث فقال له أبو مريم الحنفي : إنك خرجت من الخلاء ، فقال له : أمسيلمة أفتاك بهذا؟!. (مصنف بن أبي شيبة- صحح اسناده ابن حجر فى الإصابة رقم: 1/117 ).
أقوال العلماء في حكم مس المصحف بغير وضوء.
★ قال الإمام ابن حزم رحمه الله :
وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض .
برهان ذلك أن قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعال خير مندوب إليها مأجور فاعلها،
فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان. انظر:"المحلَّى" (1/ 107).
★ وقال أيضا رحمه الله :
وأمَّا مسُّ المصحف فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ منها شيء؛
لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان.
ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ - ﷺ - إِلى هِرَقل عظيم الروم (أخرجه البخارى) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم. ثمَّ قال :
فإِن قالوا : إِنِّما بعَث رسول الله ﷺ إِلى هِرَقل آية واحدة!.
قيل لهم : ولم يمنع رسول الله ﷺ من غيرها وأنتم أهل قياس فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها.
ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى : { لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ }.(سورة الواقعة)؛ بأنَّه خبر وليس أمراً، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر،
فنعلم أنَّ الله -عزّ وجلّ- لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتاباً آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء. انتهى من ("المحلَّى" (1/ 107)).
★ وقال العلامة ابن عطية رحمه الله :
ورخص بعض العلماء في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر قلب ، منهم ابن عباس وعامر الشعبي. انظر:[تفسير بن عطية 5/252].
★ قال الإمام القرطبي رحمه الله :
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة فرُويَ عنه أنه يَمَسُّه المُحدِث حدثًا أصغر، وقد رُوِيَ هذا عن جماعة من السلَف، منهم ابن عباس وغيره. انظر:(226/17-تفسير القرطبي).
★ وقال الإمام الألباني رحمه الله :
ومن ( ما يجب له الوضوء ) قلت : ذكر فيه حديث : " لا يمس القرآن إلا طاهر " من طريقين ، ثم قال :
" فالحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا، ولكن الطاهر لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر،
ويطلق على المؤمن وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولا بد لحمله على معين من قرينة. فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف ".
قلت (الألبانى): هذا الكلام اختصره المؤلف من كلام الشوكاني على الحديث في " نيل الأوطار " ( 1 / 180 - 181 ) وهو كلام مستقيم لا غبار عليه إلا قوله في آخره:
" فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف ". فإنه من كلام المؤلف.
ومفهومه أن الحديث نص في منع المحدث حدثا أكبر من مس المصحف،
وهو على هذا غير منسجم مع سياق كلامه لأنه قال فيه: " ولا بد لحمله على معين من قرينة " فها هو قد حمله على المحدث حدثا أكبر فأين القرينة ؟
فالأقرب - والله أعلم - أن المراد بالطاهر في هذا الحديث هو المؤمن سواء أكان محدثا حدثا أكبر أو أصغر أو حائضا أو على بدنه نجاسة، لقوله ﷺ: " المؤمن لا ينجس ". وهو متفق على صحته،
والمراد عدم تمكين المشرك من مسه فهو كحديث: " نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ". متفق عليه أيضا،
وقد بسط القول في هذه المسالة الشوكاني في كتابه السابق فراجعه إن شئت زيادة التحقيق. انظر: (تمام المنة - ص 107 ).
خلاصة الحكم الشرعي:
● جواز مس المصحف وقراءة القرآن بغير وضوء.
● قراءة القرآن على طهارة هي الأفضل والأكمل.
● لا دليل صريح صحيح يمنع المس بدون وضوء.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق