مع اقتراب عيد الفطر المبارك، يكثر السؤال: هل يجوز إخراج زكاة الفطر مالًا بدل الطعام؟
✅ هذا السؤال يتكرر كثيرًا بين الناس في كل عام، خاصة مع انتشار إخراجها نقودًا في بعض البلدان.
لذلك سنعرض في هذا المنشور الحكم الشرعي في إخراج زكاة الفطر مالًا مع ذكر الأدلة وأقوال أهل العلم.
حكم إخراج زكاة الفطر مالًا بدل الطعام؟
● اختلف العلماء في هذه المسألة، لكن الرأي الراجح عند جمهور أهل العلم: هو عدم جواز إخراج زكاة الفطر مالًا،
بل الواجب أن تُخرج من الطعام، اقتداءً بما فعله النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
◄ ولا يُعتد بقول من قال : تجزئ زكاة الفطر بالمال، ما دام عندنا نص صريح عن النبي ﷺ يوجب إخراجها طعامًا،
والله يسألنا عن قول الرسول ﷺ لا عن آراء الناس، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. [القصص: 65].
✅ والسبب في ذلك :
◄ زكاة الفطر شرعها النبي ﷺ بأن تكون من أصناف الطعام، ومن استبدلها بالمال فقد خالف ما فرضه الله ورسوله.
◄ لو كانت الأموال تجزئ عن الطعام، لبيَّن النبي ﷺ ذلك، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
◄ ولم يُنقل عن أيٍ من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أخرجوا زكاة الفطر نقدًا، رغم توافر المال لديهم، وهم أعلم الناس بسنة النبي ﷺ وأحرصهم على اتباعها.
الأدلة الشرعية على إخراج زكاة الفطر طعامًا:
1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : « كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام. وقال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر ». رواه البخاري.
▣ دل الحديث على: أن النبي ﷺ فرض الصدقة في أنواع الطعام، فمن عدل إلى القيمة، فقد ترك المفروض.
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما- قال: فرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفِطرِ؛ طُهرةً للصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمساكين. ((صحيح الجامع)) (3570).
▣ دل الحديث على: أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر طعمة للمساكين، فتعين أن تكون طعاما لا نقودا، فكيف يصِحُّ مع هذا : القولُ بأنَّه يجوزُ إخراجُ القيمةِ فيها؟!.
3- قال النبي ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (رواه مسلم (1718).
▣ دل الحديث على: أن إخراج زكاة الفطر من غير الطعام مخالف لأمر النبي ﷺ فيكون مردوداً غير مقبول.
حكم إخراج زكاة الفطر مالًا بدل الطعام عند جمهور العلماء؟
★ قال الإمام الشافعي رحمه الله :
يؤدى ما يخرجه من الحب ولا يودى غير الحب - ثم قال: ولا يؤدى قيمة. ينظر: (كتاب الام (2/68))
★ سئل الإمام أحمد رحمه الله :
عن إعطاء الدراهم فى صدقة الفطر؟ فقال أخاف ألا تجزئه خلاف سنة رسول الله. ينظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/195).
◄ وقيل له أقوام يقولون : كان عمر بن عبد العزيز يأخذ القيمة. فقال: يدعون قول رسول الله ﷺ ويقولون قال فلان!!. ينظر: ( المغنى 3/65).
★ قال الإمام ابن حزم رحمه الله :
ولا تجزئ قيمة أصلا، لأن كل ذلك غير ما فرض رسول الله ﷺ،
والقيمة في حقوق الناس لا تجوز إلا بتراض منهما، وليس للزكاة مالك بعينه فيجوز رضاه، أو إبراؤه. ينظر: ((المحلى)) (4/259).
★ قال الماوردي في "الحاوي الكبير" (3/383) :
"...ولأن رسول الله ﷺ - نص على قدر متفق في أجناس مختلفة , فسوّى بين قدرها مع اختلاف أجناسها وقِيَمها, فدل على أن الاعتبار بقدر المنصوص عليه دون قيمته,
ولأنه لو جاز اعتبار القيمة فيه؛ لوجب إذا كان قيمة صاع من زبيب ضروع – وهو الزبيب الكبار- أضعاف حنطة , فأخرج من الزبيب نصف صاع , قيمته من الحنطة صاع ؛ أن يجزئه
فلما أجمعوا على أنه لا يجزئه - وإن كان بقيمة المنصوص عليه - دل على أنه لا يجوز إخراج القيمة دون المنصوص عليه ". اهـ.
★ قال الشيخ الألباني رحمه الله :
فحينما يأتي إنسان ويقول: لا، نخرج القيمة، هذا أنفع للفقير، هذا يخطئ مرتين :
المرة الأولى: أنه خالف النص، والقضية تعبدية، هذا أقل ما يقال.
لكن الناحية الثانية خطيرة جداً: لأنها تعني أن الشارع الحكيم ألا وهو رب العالمين حينما أوحى إلى نبيه الكريم أن يفرض على الأمة إطعام صاع من هذه الأطعمة،
لم يدر هو ولم يعرف مصلحة الفقراء والمساكين، كما عرف هؤلاء الذين يزعمون بأن إخراج القيمة أفضل.
... فلماذا عدل الشارع عن فرض القيمة، أو فرض دراهم أو دنانير إلى فرض ما هو طعام.
إذاً: له غاية، ولذلك حدَّد المفروض، ألا وهو الطعام من هذه الأنواع المنصوصة في هذا الحديث وفي غيره.
فانحراف بعض الناس عن تطبيق النص إلى البديل الذي هو النقد، هذا اتهام للشارع؛ لأنه لم يُحْسِن التشريع،..
إذاً: لا يجوز إلا إخراج ما نص عليه الشارع الحكيم، وهو الطعام على كل حال... ينظر: (الهدى والنور /٢٧٤/ ).
★ قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
ولا عبرة بقول من قال من أهل العلم: إن زكاة الفطر تجزئ من الدراهم؛
لأنه ما دام بين أيدينا نص عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا قول لأحد بعده، ولا استحسان للعقول في إبطال الشرع،
والله عز وجل لا يسألنا عن قول فلان أو فلان يوم القيامة، وإنما يسألنا عن قول الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾.[القصص: 65].
فتصوَّر نفسك واقفًا بين يدي الله يوم القيامة وقد فرض عليك على لسان رسوله ﷺ أن تؤدي زكاة الفطر من الطعام،
.. فهل يمكنك أن تدافع عن نفسك، وتقول : والله هذا مذهب فلان وهذا قول فلان؟ الجواب : لا ولو أنك قلت ذلك لم ينفعك،
فالصواب بلا شك أن زكاة الفطر لا تجزئ إلا من الطعام، وأن أي طعام يكون قوتًا للبلد، فإنه مجزئ. ينظر: (كتاب نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان).
خلاصة الحكم في زكاة الفطر مالًا بدل الطعام.
1- الإخراج يجب أن يكون طعامًا: جمهور العلماء يرون أن الواجب إخراجها من أصناف الطعام التي نص عليها النبي ﷺ.
2- إخراج المال لا يجزئ: أي استبدال القيمة النقدية بالطعام مخالف للنصوص الشرعية وغير مقبول.
3- الالتزام بسنة النبي ﷺ: المسلم الملتزم يحرص على إخراجها كما فرضت، ولا يعتمد على الرأي الشخصي أو الاستحسان العقلي.
والله اعلم
اقرأ أيضا :

تعليقات
إرسال تعليق