✅ صلاة التهجد من أعظم القربات في ليالي رمضان، ويحرص المسلمون على تحصيل فضلها،
لكن ظهرت في بعض المساجد صورة تقسيم القيام إلى تراويح أول الليل وتهجد جماعة في آخره، فهل هذا الفعل مشروع أم بدعة؟
في هذا المقال بيان الحكم الشرعي بالأدلة من السنة وأقوال السلف.
حكم صلاة التهجد جماعة في المسجد بعد التراويح؟
إذا كان الناسُ يصلّون التراويح جماعةً بعد العشاء، ثم ينصرفون إلى بيوتهم، ويعودون آخر الليل ليقيموا التهجّد جماعةً فى المسجد، فإن هذا الفعل يُعَدُّ بدعةً. وذلك:
◄ لأن هذا الفعل بهذه الهيئة لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم، وكل عملٍ لم يكن عليه أمرُ الله ورسولِه ﷺ فهو مردود،
◄ ولأن من أحدث عبادةً يتقرّب بها إلى الله قولًا أو فعلًا فقد شرع ما لم يأذن به الله، وليس ذلك من الدين.
▣ وهذا هو قولُ الإمام سفيان الثوري، وبه قال ابن رجب، وكرهه : أنس بن مالك، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن مُلَيْكَة. ينظر:(فتح الباري لابن رجب 6/258).
لماذا يُعد تقسيم القيام إلى تراويح وتهجد فى جماعة بدعة؟
أولًا: عدم ثبوته عن النبي ﷺ.
● قيام النبي ﷺ بالناس في رمضان كان مرة واحدة في الليل ولم يقسمه إلى صلاتين.
ثانيًا: عدم فعل الصحابة.
● كان الصحابة يقومون مرة واحدة بعد العشاء طوال الشهر، دون تفريق بين أوله وآخره، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
ثالثًا: مخالفة هدي السلف.
● لم يُنقل عنهم اجتماع آخر الليل لصلاة جماعة مستقلة، ولكن كانوا يطيلون القراءة من بعد صلاة العشاء حتى ينصرفوا قرب الفجر، دون تفريق بين تراويح وتهجد.
◄ لذا، فإن تقسيم القيام بهذا الشكل يُعد بدعة لا أصل لها في الشرع، ومردودة على من يفعله.
★ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه. ينظر: " تفسير ابن كثير" (7/278).
متى تكون صلاة التهجد جماعة جائزة؟
▣ الجواب: تكون جائزة إذا اتفق المصلون مع الإمام على تأخير صلاة القيام لتكون في آخر الليل مرة واحدة فقط (دون تقسيم)،
بشرط أن يكونوا لم يصلوا التراويح بعد صلاة العشاء في أول الليل، فهذا الفعل جائز شرعًا.
◄ ويستند ذلك إلى فضل آخر الليل للصلاة، كما أشار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله:
" والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل ". (صحيح البخاري). أي أن قيام آخر الليل أفضل لمن استطاع. انظر: (سلسلة الهدى والنور - للألباني، شريط 723).
الأدلة الشرعية على بدعية صلاة التهجد جماعة:
1- قيام النبي ﷺ بالناس فى رمضان كان في أول الليل.
✅ عن أبي ذر، قال:.. لم يقم بنا النبي ﷺ حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا ، حتى ذهب نحو من ثلث الليل،
ثم كانت سادسة ، فلم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل.
فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة. قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة...(صحيح النسائي- رقم: (1363).
✔ دل الحديث على: عدم مشروعية التعقيب؛ إذ إن الصحابة رضي الله عنهم لما طلبوا من النبي ﷺ أن يصلي بهم بقية الليل لم يفعل،
ولم يُرشدهم إلى التعقيب أو تهجدٍ جماعي كما يُفعل اليوم، بل بيَّن أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة.
✔ كما دل على: أن قيامه ﷺ كان في أول الليل؛ لقوله: «حتى ذهب نحو من شطر الليل». أي قبل بلوغه نصف الليل،
وهذه الرواية صريحة في أن قيامه في العشر الأواخر كان أوَّل الليل، خلاف ما يفعله كثير من الناس اليوم؛ فمَن أراد تحرِّي السنَّة فليُنوِّع في طول القيام في هذه الليالي.
◄ وأما حديث: «أحيا ليله كله» فالمقصود به قيام أكثر الليل، جمعًا بينه وبين قوله ﷺ: «وأصلي وأرقد». رواه البخاري، أو يُحمل على حال الانفراد.
2 - الصحابة كانوا يقومون أول الليل طوال الشهر.
✅ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط،
فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم،
قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. (صحيح البخاري).
✔ قوله: «وكان الناس يقومون أوله»، فيه دلالة واضحة على أن العمل المستقر عند الصحابة هو قيام رمضان في أول الليل، سواء في العشر الأواخر أو في غيرها.
✔ لم يُنقل عنهم أنهم كانوا يقيمونه جماعة في آخر الليل، وإنما كان ذلك من فعل المنفرد فقط.
3 - قيام جماعي مرة واحدة طوال رمضان.
✅ عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري رضي الله عنهم أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال:
وقد« كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر». (صحيح). ينظر: (إرواء الغليل- للألباني-رقم : (2/192)) و(تخريج شرح السنة- للأرناؤوط-رقم : 4/120).
✔ قوله: «وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر»، هو نصٌّ ظاهر في أنهم كانوا في رمضان يصلّون قيام الليل جماعةً بعد العشاء مرةً واحدة طوال الشهر،
ولم يكونوا يغادرون المسجد إلا بعد الفراغ من الثلاث عشرة ركعة قريبًا من طلوع الفجر، بسبب طول القيام، من غير تفريقٍ بين أول الشهر وآخره.
4 - ويشهدُ للدليلِ الثالث ويؤكِّده حديثُ عبدِ اللهِ بنِ أبي بكر- قال:
( سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور. وفي أخرى مخافة الفجر). (رواه مالك بسند صحيح -تخريج مشكاة المصابيح- للألباني (1/408)).
✔ ففيه بيان أنهم لم يكونوا يصلون قيامين جماعة فى ليلة واحدة، بل قيامًا واحدًا متصلًا يطول حتى آخر الليل.
5 - إنكار أنس رضي الله عنه للتعقيب، وأمرهم أن يصلوا فى البيت.
✅ عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه سئل عن التعقيب في رمضان فأمرهم أن يصلوا في البيوت. (إسناده جيد). ينظر:"كتاب غريب الحديث- للخطابي".
◄ ومما يزيد الأثر قوة وصحة: أن تلميذي أنس بن مالك رضي الله عنه قتادة والحسن ثبت عنهما الكراهة، وهما أعرف بقول أنس من دونهما، ولا شك أن قولهما هو قول شيخهما صاحب رسول الله.
▣ فجاء عن الحسن البصري رحمه الله : أنه كره التَّعْقِيْب في شهر رمضان وقال: ( لا تملوا الناس). (المصنف لابن أبي شيبة(2/176).
▣ وجاء أيضاً عن سعيد وقتادة رحمهما الله: أنهما كانا يكرهان التَّعْقِيْب في رمضان. (المصنف لابن أبي شيبة(2/176).
6 - اعتكاف النبي ﷺ والخلفاء والصحابة.
من أقوى الحجج في إبطال دعوى مشروعية صلاة التهجد جماعة في رمضان :
● النبي ﷺ اعتكف في العشر الأواخر ولم يثبت أنه جمع الصحابة للتهجد أو التعقيب.
● الخلفاء الراشدون والصحابة بعده لم يثبت عنهم ذلك، والخير في اتباعهم.
7 - التعقيب فيه مخالفة للسنّة.
✅ فقول النبي ﷺ: "حتى ينصرف". يدل على أن أي صلاة بعد الانصراف تعتبر مخالفة، لأن المعقب ينصرف مرتين (أول الليل وآخره)، فلا يُعرف أيهما يُعتد به.
أقوال العلماء في المسألة :
★ ذكر المروزي في "قيام الليل":
عن عمران بن حدير رحمه الله-قال: أرسلت إلى الحسن رحمه الله فسألته عن صلاة العشاء في رمضان أنصلي، ثم نرجع إلى بيوتنا فننام ثم نعود بعد ذلك؟
فأبى. قال: لا ، صلاة العشاء ثم القيام. انتهى.
◄ فهنا نص الإمام الحسن البصرى على أن القيام كان بعد العشاء وقبل النوم، وهذا فعل السلف قاطبةً خلافاً للناس اليوم في العشر الأواخر.
★ قال أبو داود في (مسائل أحمد) (ص (62) :
سمعتُ أحمد - الإمام أحمد بن حنبل - قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده ؟! قال: يصلي مع الناس.
وسمعته أيضًا يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه؛ قال النبي ﷺ: " إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له بقية ليلته "،
قال أبو داود: " قيل لأحمد وأنا أسمع : يؤخِّر القيام - يعني التراويح إلى آخر الليل؟ قال : لا ، سنة المسلمين أحب إليَّ. انتهى.
◄ فهذا تنصيص من الإمام أحمد على أن سنة المسلمين في القرون الفاضلة تقديم القيام أول الليل.
★ وجاء في "مجمع الأنهر من كتب الحنفية" :
والمستحب فعلها إلى ثلث الليل، وقيل بعد العشاء قبل الوتر وهو قول عامة المشايخ. لأنها إنما عرفت بفعل الصحابة، فكان وقتها ما صلوها فيه وهو صلوها بعد العشاء قبل الوتر. اهــ.
◄ فهذا صريحٌ في أنهم يقومون أول الليل، ولكنهم يطيلون حتى يصيبوا الثلث الأخير من الليل.
★ قال ابن تيمية رحمه الله :
السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخرة كما اتفق على ذلك السلف والأئمة. ينظر: (مجموع الفتاوى [ 23 /119]).
★ وقال ابن القيم- في بدائع الفوائد [4/918 ] :
... وذلك فعل الصحابة ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها، ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل.
قال القاضي: قلت: ولأن في التأخير تعريضا بأن يفوت كثيرا من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم القيام. انتهى.
◄ فهذا تنصيص من ابن القيم على أن الصحابة قاموا أول الليل ولا تفريق بين أول وآخره.
★ سئل العلامة الألباني رحمه الله :
ما يحدث الآن يا شيخ في رمضان، في العشر الأواخر يقسمون الصلاة - صلاة القيام - في أول الليل وفي آخره فأصبح هذا نظام دائم.
الشيخ : بدعة.
السائل: طيب كيف .. كيف يكون الـ ... يعني لو أردنا أن نقيم السنة ونخفف على الناس فكيف نفعل؟
الشيخ : تفكرون كما قال عمر : " والتي يؤخرونها أفضل " يعني هو أمر أبي بن كعب أن يقيم صلاة القيام بالناس بعد صلاة العشاء، ففعل،
ولما خرج يتحسس قال : " نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل".
السائل: يعني يبقى الحال على ماهو قبل العشر؟
الشيخ : إي نعم. اهـ.
(الشريط رقم 719 من سلسلة الهدى والنور).
خلاصة الحكم :
● التهجد جماعة بعد التراويح بدعة لعدم فعل النبي ﷺ والصحابة لها.
● السنة: قيام واحد بعد العشاء مع الإمام حتى ينصرف.
● يجوز تأخير التراويح كلها إلى آخر الليل لتكون جماعة واحدة دون تقسيم.
● من أراد القيام آخر الليل فليكن منفردًا.
الأسئلة الشائعة :
هل يجوز التهجد جماعة في المسجد في رمضان؟
ج: يجوز إذا كان القيام كله مرة واحدة في آخر الليل دون أن تُصلَّى التراويح أول الليل.
هل الأفضل القيام أول الليل أم آخره؟
ج: آخر الليل أفضل لمن يستطيع، لكن السنة في الجماعة أن تكون بعد العشاء.
ماذا يفعل من أراد زيادة القيام بعد التراويح؟
ج: يصلي في بيته منفردًا.
▣ وللمزيد انظر: (كتاب- ضياء المصابيح تجلية حكم صلاة التهجد جماعة بعد التراويح).
والله اعلم
اقرأ أيضا :

تعليقات
إرسال تعليق