هناك جدل كبير حول مسألة قراءة القرآن من المصحف أثناء الصلاة، سواء في الفرض أو النافلة أو التراويح.
✅ في هذا المنشور نشرح الحكم الشرعي مستندين إلى الكتاب والسنة وأقوال العلماء، مع بيان مفاسد هذا الفعل وضرورة الالتزام بما ثبت عن النبي ﷺ.
ملخص الحكم:
● قراءة القرآن من المصحف في الصلاة بدعة .
● الأصل أن تقرأ الصلاة من حفظك للقرآن، ولا يُشرع حمل المصحف أثناء الصلاة.
● من لم يحفظ القرآن، يقرأ ما تيسر له من الذاكرة، ونظره في المصحف أثناء الصلاة عمل لم يرد به نص.
قراءة القرآن من المصحف في الصلاة: الفرض والنافلة والتراويح.
✅ قراءة القرآن من المصحف في الصلاة – فريضة كانت أو نافلة أو في التراويح – بدعة غير مشروعة.
◄ وذلك لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ من المصحف في صلاته، ولا نُقل هذا الفعل عن الخلفاء الراشدين ولا عن الصحابة رضي الله عنهم،
والأصل في العبادات التوقيف؛ فلا يُتعبد لله إلا بما دل عليه الكتاب أو السنة.
◄ ولأن في ذلك مشابهةً لأهل الكتاب الذين يقرؤون من كتبهم في صلواتهم، وقد نهينا عن التشبه بهم.
✅ قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. [البقرة: 286]. فمن لم يحفظ من القرآن إلا القليل، فإنه يقرأ ما تيسر له،
ولم يُكلفه الله بقراءة ما لا يحفظ، والنظر في المصحف أثناء الصلاة عمل لم يرد نص يبيحُه.
◄ وعليه؛ فإن تكلُّف حمل المصحف أو القراءة منه في الصلاة يُعد عملاً مُحدثًا لا دليل عليه.
هل يُستدلُّ بأثرِ صلاةِ عائشة خلفَ ذكوان وهو يقرأ من المصحف على الجواز؟
الجواب: الاستدلال بهذه الرواية على الجواز محلُّ نظر، وذلك لعدة أمور:
✔ مع كون الإسناد صحيحًا، إلا أن ما فيها يخالف الأصل المستقر في السنة، وهو أن القراءة في الصلاة تكون عن ظهر قلب.
✔ أفعالُ الصحابة إن وافقت الكتابَ والسنة فهي المحمودة المطلوبة،
أمّا إذا خالفت الأصل فصاحبها مأجورٌ على اجتهاده، لكن لا تُجعل فعله تشريعًا يُقتدى به؛إذ الحجة في السنة، وخير الهدي هدي النبي ﷺ.
✔ هذه الواقعة كانت في بيت عائشة رضي الله عنها، ولم تُنقل على وجه الاشتهار بين الصحابة ولا في المساجد، فهي واقعةُ عينٍ لا يُعمَّم حكمها.
✔ لو كانت القراءة من المصحف في الصلاة مشروعةً لانتشرت بين الصحابة والتابعين، فلما لم يُنقل عنهم دلَّ على أنه ليس من الهدي المعروف عندهم.
الأدلة من السُّنَّة على عدم مشروعية القراءة من المصحف أثناء الصلاة:
1- قال ﷺ: تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلها. رواه مسلم.
✅ دل الحديث على: أن فتح باب تجويز القراءة من المصحف أثناء الصلاة يُخالف سُنَّةٍ ثابتةٍ عن النبي ﷺ، وهي الأمرُ بتعاهد القرآن ومراجعته حفظًا.
2- قال النبي ﷺ: "إن في الصلاة شُغْلًا".رواه البخاري.
✅ يُفهم من الحديث: أن كل عمل لم يرد فيه نص شرعي بإباحته فى الصلاة يكون شاغلًا عن خشوع وسمت الصلاة.
3- ما رواه البخاري فى صحيحه : أن عمرو بن أبي سلمة الأنصاري-أن النبي ﷺ قال: ...فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا.
فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين... إلى اخر الحديث.
✅ الشاهد من الحديث: أنه لم يكن من هدي السلف الأول القراءة من المصحف فى الصلاة، ولو كانت جائزة لما جعلوا هذا الطفل إمامًا لهم في الصلاة.
4- عن سعيد بن المسيب رحمه الله، قال : إذا كان معه من يقرأ ارْدُدُوه، ولم يؤم في المصحف. [مصنف ابن أبي شيبة (2/ 124)].
5- وعن إبراهيم النخعي رحمه الله : أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف، كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب. [مصنف ابن أبي شيبة (2/ 124)].
أقوال العلماء في المسألة :
★ قال الإمام ابن حزم رحمه الله :
ولا تجوز القراءة في مصحفٍ ولا في غيره لمُصَلٍّ, إماماً كان أو غيره, فإن تعمَّد ذلك؛بَطُلَتْ صلاته ..
وقد روينا هذا عن جماعةٍ من السلف؛ منهم : سعيد بن المسيّب, والحسن البصري، والشَّعْبي, وأبو عبد الرحمن السُّلمي.
وقد قال بإبطال صلاة من أَمَّ بالناس في المصحف أبو حنيفة والشافعي، وقد أباح ذلك قومٌ منهم,
والمرجع عند التنازع إلى القرآن والسُّنة؛ وقد قال رسول الله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلاً "؛ فصحَّ أنها شاغلةٌ عن كل عملٍ لم يأتِ فيه نصٌّ بإباحته. ينظر: (المحلى بالآثار (2/ 365)).
★ وقال أيضا رحمه الله :
من لا يحفظ القرآن فلم يكلفه الله تعالى قراءة ما لا يحفظ، لأنه ليس ذلك في وسعه، قال تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )، فإذا لم يكن مكلفا ذلك فتكلفه ما سقط عنه باطل،
ونظره في المصحف عمل لم يأت بإباحته في الصلاة نص، وقد قال عليه السلام : ( ان في الصلاة لشغلا ). ينظر: (المحلى - ابن حزم - ج ٤ - الصفحة (٢٢٣)).
★ وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
... هذه الظاهرة لم تكن منتشرة في عهد السلف الصالح, لا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الصحابة ولا في عهد بقية القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية هذا أولا,
وثانيا : إن اتخاذ هذه العادة وسيلة للفتح على الإمام إذا ما ارتج عليه هي وسيلة، كما عرفتم أولا محدثة ،
وثانيا وهذا هو المقصود الآن بهذا الأمر الثاني : أنه يعارض توجيها نبويا كريما ومهما جدا ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام:
( تعاهدوا هذا القرآن وتغنوا به فوالذي نفسي بيده إنه أشد تفلتا من صدور الرجال من الإبل من عقلها ) ...
فإذا قيل لأئمة المساجد إما بلسان القال أو بلسان الحال لا بأس أن تأخذوا المصحف وأن تقرأوا في إمامتكم منه :
هذا سيكون وسيلة غير مشروعة مصادمة لقوله عليه السلام ( تعاهدوا هذا القرآن ).
أي: سوف يقل لا أقول الحفاظ وإنما سأقول سيقل الأئمة... ولذلك فنحن نقول كما قال عليه الصلاة والسلام ( تعاهدوا هذا القرآن )،
أي: اعتنوا بمدارسته وحفظه ولا تتكلوا على المصحف في إمامتكم للناس لأن هذا سيصرفكم عن تعاهده.
ومن المتفق عليه بين علماء المسلمين قاطبة أن كل وسيلة عارضت سنة مشروعة فهي بدعة ضلالة،...
وها أنتم الآن قد عارضتم أو من فعل منكم من أم الناس من المصحف، قد خالف سنة النبي والسلف الصالح فعلا وقولا:
فعله عليه السلام: ما أم الناس من المصحف, قوله ( تعاهدوا هذا القرآن وتغنوا به ) إلى آخر الحديث. ينظر: (سلسلة الهدى والنور - شريط : (965)).
مفاسد قراءة القرآن من المصحف أثناء الصلاة.
● تشبع القارئ بما لم يُعط: حيث يظن الناس أنه من الحفاظ وليس الأمر كذلك.
● تزهيد الأئمة في حفظ القرآن: اعتماداً على القراءة من المصحف.
● الإخلال بِسَمْتِ الصلاة: من وضع اليدين على الصدر والنظر إلى موضع السجود إلى كثرة الحركة بتقليب الصفحات وغير ذلك مما يتنافى مع الخشوع.
الخلاصة :
▪️ القراءة من المصحف أثناء الصلاة، في الفرض أو النافلة أو التراويح، بدعة مخالفة لهدي النبي ﷺ والصحابة.
▪️ الأصل أن يكون الإمام حافظًا للقرآن، ويُمنع فتح الباب للبدع التي تعطل سنة تعاهد القرآن.
والله اعلم
اقرأ أيضا:

تعليقات
إرسال تعليق