القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

إعفاء اللحية واجب وحلقها محرم كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله فقد أمر بذلك ولا يخرج الأمر من الدلالة على الوجوب إلى الندب والإستحباب إلا بقرينة تدل عليه ولا توجد قرينة تدل على الندب أو الاستحباب بل إن القرينة قائمة وقاطعة بأن الأمر على الوجوب .

فكل الألفاظ التي جاءت في الأحاديث تدل على الوفرة والكثرة وبصيغة الأمر الدال على الوجوب وقد تأكد ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يصح عنه أنه أخذ شيئا من لحيته بل جاء في أحاديث كثيرة في صفته صلى الله عليه واله وسلم أنه كان : (كث اللحية)رواه البخاري ومسلم، و(كثير شعر اللحية). رواه مسلم، كما ورد في صفة عدد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا كثيري شعر اللحية ولا يعرف عن أحد من السلف أنه حلق لحيته البتة ولذلك اتفق الفقهاء على حرمة حلقها .

قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله : " لا يفهم من هذا – يعني قوله ( كثير شعر اللحية ) - أنه كان طويلها ، فإنَّه قد صحَّ أنه كان كثَّ اللحية ؛ أي : كثير شعرها غير طويلة ، وكان يخلل لحيته ". انتهى من " المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم " (6/135)

وقال الإمام السيوطي رحمه الله : " كان كثير شعر اللحية ، أي : غزيرها ، مستديرها " . انتهى من " الشمائل الشريفة " (ص/32)

إلا أنه قد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ضخم اللحية وقد يدل هذا على أنها كان فيها شيء من الطول أيضا : 

- فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " كَانَ عَظِيمَ الْهَامَةِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ ". أخرجهما الإمام أحمد (944) و غيره، قال محققو المسند حسن لغيره

وعن يزيد الفارسي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم زمن ابن عباس فقلت له : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم. قال ابن عباس : فإن رسول الله كان يقول : إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني. فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قلت : نعم، رأيت رجلا بين الرجلين .. قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره ... فقال ابن عباس : لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا. رواه أحمد والترمذي في الشمائل، وحسنه الألباني. وقال الهيثمي : رواه أحمد ورجاله ثقات.

تنبيه : لا يخفى أن تزين الرجل لزوجته أمر مطلوب لكن لا يجوز أن يكون بما يخالف الشرع فعلى الزوجة أن تعين زوجها على التمسك بالشرع وعليها أن تغض بصرها عن الحرام وتقصر نظرها على زوجها شأنها شأن الخيرات العفيفات .

وإليك الأدلة على حرمة حلق اللحية :

1- عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال : ( أحْفُوا الشَّوارِبَ وأعْفُوا اللِّحى ). أخرجه مسلم (259).

وإعفاء اللحية تركها على حالها وتوفيرها إبقاءها وافرة من دون أن تحلق أو تنتف أو يقص منها شيء . 

2- وعنه أيضًا، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال : ( خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّروا اللِّحى، وأحْفُوا الشَّوارِبَ ). أخرجه البخاري (5892).

معنى حف الشارب : أخرج الترمذي (5|93) حديث : « من لم يأخذ من شاربه فليس منا »، وصححه. وهذا صريحٌ في أن المراد بعض الشارب أي المقصود هو القص لا الحلق فالسنة هي المبالغة بالتقصير دون الإزالة.

3- وعنه أيضًا، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال : ( أنهِكوا الشَّوارِبَ، وأعْفُوا اللِّحى )أخرجه البخاري (5893).

4- وعنه أيضًا، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال : ( أحْفُوا الشَّوارِبَ، وأوفُوا اللِّحى ). أخرجه مسلم (259).

5- عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال : ( جُزُّوا الشَّوارِبَ وأرْخُوا اللِّحى؛ خالِفوا المَجوسَ ). أخرجه مسلم (260).

واللِّحيةُ : هي اسمٌ لِما نبَتَ على الذَّقنِ والخَدَّين من العظمِ النَّاتئِ حِذاءَ صماخِ الأذُنِ إلى العَظمِ المحاذي له من الجانبِ الآخر . يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حَجَر (10/350)، ((حاشية ابن عابدين)) (1/100)

أوجهُ الدَّلالة من هذه النُّصوصِ :

أولًا : أنَّه حصلَ مِن مجموعِ الأحاديثِ خَمسُ رِواياتٍ : ( أعْفُوا- أوفُوا- أرْخُوا- أرْجُوا- وَفِّروا ) ولا شَكَّ أنَّ حَلقَ اللِّحيةِ وعَدمَ تكثيرِها يُخالِفُ هذه الأوامِرَ ويتنافى معها، والأصلُ في الأمرِ الوُجوبُ والأمر بهذا يفيد وجوب المأمورية بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ومنه يعلم أن حلق اللحية مخالفة صريحة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن دقيق : الأمرُ بإعفائِها، بمعنى : تكثيرِها أو تَرْكِها، يمنعُ من نتفِها وحَلقِها . انتهى من ((شرح الإلمام بأحاديث الأحكام)) (3/319).

 ثانيًا : أنَّ في حَلقِ اللِّحيةِ تَشَبُّهًا بالكُفَّارِ، كما في حديثِ ابنِ عمرَ وأبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهم ينظر: ((آداب الزفاف)) للألباني (ص: 209).

6- عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال : ( لعن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المتَشبِّهينَ مِن الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمتشَبِّهاتِ مِن النِّساءِ بالرِّجالِ ). أخرجه البخاري (5885).

دل الحديث على : أنَّ في حَلقِ اللِّحيةِ التي ميَّزَ اللهُ بها الرجُلَ على المرأةِ- تَشَبُّهًا بالنِّساءِ. ينظر: ((آداب الزفاف)) للألباني (ص: 210).

والقول بتحريم حلق اللحية هو رأي جماهير أهل العلم بل نقل بعض العلماء الإجماع على حرمة ذلك فقد قال ابن حزم  في مراتب الإجماع : اتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثْلة لا تجوز . (مراتب الإجماع).

 قال في الدر المختار : 

ويحرم على الرجل قطع لحيته وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة، وأما الأخذ منها دون ذلك كما يفعله بعض الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم .اهـ. (يعني بمخنثة الرجال : المتشبهين من الرجال بالنساء، ومنه الحديث الصحيح عن النبي: أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء).

قال الأذرعي كما في حاشية الشرواني 9/376 : 

الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها . أ هـ. ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور.

وقال النفراوي : 

لا شَكَّ في حُرمتِه [ أي : حلق اللحية ] عند جميعِ الأئمَّةِ؛ لمخالفتِه لسُنَّةِ المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . اه ((الفواكه الدواني)) (2/306).

 وقال المناوي :

(وأعفوا اللحى) وفروها فلا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها كذا في التنقيح  أ هـ. (فيض القدير ج1 ص(198))

وقال أبو الحسن ابن القطان المالكي :

 واتفقوا أن حلق اللحية مُثْلَة لا تجوز . أ هـ. (الإقناع في مسائل الإجماع).

قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد :

 يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال يعني بذلك المتشبهين بالنساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيف شعر اللحية. رواه مسلم عن جابر، وفي رواية : كثيف اللحية، وفي أخرى : كث اللحية، والمعنى واحد . انتهى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة :

فأما حلقها، فمثل حلق المرأة، رأسها، وأشد؛ لأنه من المثلة المنهي عنها، وهي محرمة

وقال أيضًا في الفتاوى الكبرى :

ويحرم حلق اللحية، ويجب الختان. انتهى.

 وقال الحطاب المالكي في شرح خليل :

وحلق اللحية، لا يجوز، وكذلك الشارب، وهو مثلة، وبدعة، ويؤدب من حلق لحيته، أو شاربه، إلا أن يريد الإحرام بالحج، ويخشى طول شاربه. انتهى . 

وقال ابن عابدين الحنفي في رد المحتار :

يحمل الإعفاء على إعفائها عن أن يأخذ غالبها، أو كلها، كما هو فعل مجوس الأعاجم من حلق لحاهم... ويؤيد إرادة هذا ما في مسلم عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : (جزوا الشوارب، واعفوا اللحى، خالفوا المجوس)، فهذه الجملة واقعة موقع التعليل، وأما الأخذ منها، وهي دون ذلك... فلم يبحه أحد . انتهى. 

 وقال الشيخ علي محفوظ من علماء الأزهر :

 وقد اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها . (الإبداع في مضار الابتداع).

 فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة ؛ لأن مشابهتهم في الظاهر سبباً لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة بل وفي نفس الاعتقادات ، فهي تورث محبة وموالاة في الباطن ، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر ، وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى " الحديث ، وفي لفظ : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) رواه الإمام أحمد . ورد عمر بن الخطاب شهادة من ينتف لحيته.

الرد على من قال بإستحباب اللحية دون وجوبها

 قال العلامة الألباني رحمه الله :

إبطالا لهذه الدعوى أقول :
 
هذا خلاف ما تقرر في «علم الأصول» : أن الأصل في أوامره - صلى الله عليه وسلم - الوجوب لقوله تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وغيره من الأدلة التي لا مجال لذكرها الآن والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة وحضرة الكاتب (صاحب كتاب:الاسلام المصفى) لم يأت بأي دليل يسوغ له خروجه عن هذا الأصل في هذه المسألة اللهم إلا ادعاؤه أن الإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ... ومع أنها دعوى عارية عن الدليل فإنها منقوضة أيضا بأحاديث كثيرة وهو في قولنا .

ثانيا : زعم أن كل المظاهر الشكلية لا يهتم بها الإسلام وأن اللحية منها. 

أقول : هذا الزعم باطل قطعا لا يشك فيه ذلك أي منصف متجرد عن اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية وكلها صحيحة :

١ - عن ابن عباس قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال .

٢ - عن عائشة : أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : «لعن الله الواصلة والمستوصلة».

٣ - عن ابن مسعود مرفوعا : «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله».

٤ - عن عبد الله بن عمرو قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين فقال : «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما».

أخرج هذه الأحاديث الشيخان في «صحيحيهما»: إلا الأخير منها فتفرد به مسلم وهي مخرجة في «آداب الزفاف» و «حجاب المرأة المسلمة». وفي الباب أحاديث كثيرة جدا وهى مادة كتاب: «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية فليراجعه من شاء .

فهذه نصوص صريحة تبين أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الشكلية اهتماما بالغا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها فكيف يسوغ مع هذا أن يقال : إن كل المظاهر لا يهتم بها الإسلام ... ؟ !

إن كان حضرة الكاتب لم يطلع عليها فهو في منتهى الغرابة إذ يجرؤ على الكتابة في هذه المسألة التي لها ما وراءها من الفروع الكثيرة لون أن يراجع ولو مصدرا واحدا من مصادر الإسلام الأساسية! وإن كان اطلع عليها فإني أخشى أن يكون جوابه عنها أنها لا توافق الذوق! أو يقول : لا يقرها المنطق! كما قال ذلك في مسألة نزول عيسى عليه السلام ص ٧٥ وحينئذ أعترف بأنه لا جواب إلا الشكوى إلى الله تعالى ...

مما سبق من النصوص يمكن للمسلم الذي لم تفسد فطرته أن يأخذ منها أدلة كثيرة قاطعة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها :

أولا : أمر الشارع بإعفائها والأصل في الأمر الوجوب فثبت المدعى.

ثانيا : حرم تشبه الرجال بالنساء وحلق الرجل لحيته فيه تشبه بالنساء فيما هو من أظهر مظاهر أنوثتهن فثبت حرمة حلقها ولزم وجوب إعفائها.

ثالثا : لعن النامصة - وهي التي تنتف شعر حاجبيها أو غير بقصد التجميل وعلل ذلك بأنه تغيير لخلق الله تعالى والذي يحلق لحيته إنما يفعل ذلك للحسن - زعم - وهو في ذلك يغير خلقة الله تعالى فهو في حكم النامصة تماما ولا فرق إلا في اللفظ ولا أعتقد أنه يوجد اليوم على وجه الأرض ظاهري يجمد على ظاهر اللفظ ولا يمعن النظر في المعنى المقصود منه ولاسيما إذا كان مقرونا بعلة يقتضي عدم الجمود عليه كقوله عليه السلام ههنا : « ... للحسن المغيرات خلق الله».

وثمة دليل رابع وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل إعفاء اللحية من الفطرة كما جعل منها قص الأظفار وحلق العانة وغير ذلك مما رواه مسلم في «صحيحه» ففيه رد صريح على الكاتب ومن ذهب مذهبه أن اللحية من أمور العادات التي يختلف الحكم فيها باختلاف الأزمان والعصور ذلك لأن الفطرة من الأمور التي لا تقبل شرعا التبدل مهما تبدلت الأعراف والعادات : {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. [الروم: ٣٠] .

فإن خولفنا في هذا أيضا فإني لا أستبعد أن يأتي يوم يوجد فيه من الشيوخ والكتاب المتأثرين بالجو الفاسد الذي يعيشون فيه وقد سرت فيه عادة إعفاء شعر العانة مكان حلقه وإعفاء اللحية وإطالة الأظافر كالوحوش لا أستبعد أن يأتي يوم يقول فيه بعض أولئك بجواز هذه الأمور المخالفة للفطرة بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم يقولون هذا ولو كان من وراء ذلك ضياع الشخصية الإسلامية التي هي من مظاهر قوة الأمة فاللهم هداك . انتهى من [تمام المنة ص (٧٨)]

وسئل أيضا رحمه الله :

هل حكم حلق اللحية يدور مع العلة ؟

الشيخ :

نحن الآن نريد أن نفهم هذا الحكم ما هو، هل هو للوجوب أم للاستحباب.

السائل : إطلاقاً الأمر للوجوب.

الشيخ : إذاً : خليك معي هنا الآن هل زالت العلة؟

السائل والله حسب الظاهر، لنا أنها زالت.

الشيخ : لم؟

السائل : لوجود العادة عند المجوس أو النصارى أو اليهود، بعض هذه العادات موجودة.

الشيخ : إذا كان هناك ملايين من البشر، وملايين من المسلمين، وفيه عندنا عادتين عادة إعفاء اللحية وعادة حلق اللحية، من حيث الواقع، من حيث العدد الذين يعفون عن لحاهم أكثر أم الذين يحلقون لحاهم أكثر؟

السائل : بالنسبة للمسلمين الآن؟

الشيخ : لا لا، أقول البشر كله، لأنك أنت ذكرت اليهود والنصارى والمجوس .

السائل : اللي بيحلقوا أكثر .

الشيخ :

 فأنت لماذا جعلت العادة بالعكس، مع أن الأقلية هم الذين يعفون، ولماذا لم تعكس العكس؟ ! هو الصواب، الأكثرون ما دام باعترافك - وأرجو أن تثبت معي في هذا - ما دام الأكثرون يحلقون والأقلون يعفون، لماذا لم تقل : العادة الحلق وليس الإعفاء، لأن العبرة بالأكثرية، يعني : إذًا نقول : الناس هل عادتهم الصدق أم عادتهم الكذب، نرى الناس الصادقين القليلين نقول : لا، عادتهم الصدق، ونغض النظر عن عادة الآخرين وأن الجمهور الكذب وقلة الأمانة وو .. إلخ، -فبارك الله فيك- أنا ألفت نظرك إلى أن هناك عادتان، ما نقدر نقول : العادة الآن حددها، وإنما عندنا عادتان، عادة الإعفاء وعادة الحلق، وعادة الحلق هي الأكثر، فكيف تحكم بتعطيل الحكم الشرعي بمجرد أنه بعض الكفار، وهم الأقلون يفعلون ما يفعل المسلمون، والمفروض أنهم هم الأكثرون.

فإذاً : بارك الله فيك ما يصح أن تقول : إن هذه العلة صارت الآن زائلة فزال الحكم، لا تزال العلة قائمة بشهادتك أنت، أنه أكثر العالم حِلِّيق، بل الموضة، وأنت ترى الناس بمناسبة الأعياد والأفراح يدخل الواحد وهو نظيف تماماً؛ نادر جداً جداً خاصة بالكفار أنك تلاقي واحد يهندس حاله بتسريح لحيته والأخذ من شواربه .. إلخ، 

لهذا أُذَكِّرك والذكرى تنفع المؤمنين أن الحديث كما قلت، الأمر فيه للوجوب، والجملة التي هي جملة تعليلية كما ذكرت أنت، ونحن مشينا معك، لأنه فيه علة أخرى كما سأذكرها ما زالت هذه العلة أبداً، لم تزل قائمة : « خالفوا اليهود والنصارى » فنحن ينبغي أن نخالف جمهور اليهود والنصارى، ليس يعني خالف فرد فردين ثلاثة أربعة .

السائل : لا لا، فيه طائفة يا شيخ طائفة بكاملها تُعْفِي اللحى.

الشيخ : 

يا شيخ -الله يهديك- هذه الطائفة لا تزال داخلة في القلة الله يهدينا وإياك، طائفة، حسبك الاسم، أنت تسميها طائفة، هذه الطائفة بالنسبة للعالم كله هي قلة، ولذلك فلا يزال الحديث مُحْكَماً بأمره الذي يفيد الوجوب، وبتعليله الذي يفيد استمرار هذا الوجوب، لأن العلة لا تزال قائمة .

ننتقل الآن إلى هل هناك علة أخرى؟ نقول : نعم، لعلك سمعت بقوله عليه السلام : «خمس من الفطرة» وبحديث «عشرة من الفطرة» ما رأيك كلمة الفطرة هنا، ما هو المفهوم عندك على الأقل -وبلاش الدكاترة الذين أنت حبيت تشبكنا معهم- .

السائل : لا، صدق هم ما أعطوا رأيهم بصراحة في هذه.

الشيخ : ما رأيك أنت بالفطرة هذه، يجوز مخالفتها؟

السائل : لا يجوز .

الشيخ : لا يجوز، طيب، فإذا كان من الفطرة إعفاء اللحية، ماذا تكون النتيجة يجوز حلق اللحية، أم لا يجوز؟

السائل : نحن لا نُغَيِّر في الفطرة، لا يجوز طبعاً، لا يجوز .

الشيخ : بارك الله فيك، يعني : وفر علينا الوقت، لا يجوز .

إذاً : 

هنا علة ثانية وهي : أن إعفاء اللحية من الفطرة، هب أن الشعوب كلها النصارى واليهود والمجوس استجابوا لفطرة الله المذكورة في الآية الكريمة، وأعفو عن لِحَاهم، ما يرجع الحكم الذي اعترفنا أنه للوجوب يبطل، لأنه الحكم مربوط مع العلة وجوداً وعدماً، زالت العلة زال الحكم .. لا ؛ لأن هناك علة ثانية لن تزول ما وجد الإسلام على وجه الأرض {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. [الروم: ٣٠]، 

من هنا يخطئ كل الذين كتبوا في هذه المسألة سواء الذين قالوا : بأن هذه سنة، أو الذين قالوا : إن هذه مستحبة، أو الذين قالوا : سنة عادة، وهؤلاء أبعد صواباً عن كل هذه الأقوال لأنهم لم ينتبهوا، أو انتبهوا وحادوا وأحلاهما مُر .

هذا الحديث الذي يجعل من الفطرة التي لا تبديل لها جعلوها منثورة، قال لك : عادة، يعني : إن شئت فعلته أو إن شئت تركته، كما قلنا نحن في السنن، السنن العادية : إن شئت فعلت وإن لا، لا، هذه ليست سنة عادية أبداً، 

وأنا ذكرت مثالاً كجواب لسؤالك، ما هو الضابط ما هي القاعدة لتمييز السنة التعبدية عن السنة العادية؟

قلت لك :

 إن الرسول عليه السلام إذا حَضّ على شيء من السنن العادية، يخرج ويدخل في السنة التعبدية، وآتيك بمثال لباس البياض «عليكم بالبياض فالبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم» المثال الأقوى بالنسبة لسؤالك أنت الأول هو اللحية، لأنه كما قلت : الأعراب كانوا يلتحون، كانت عادة عربية، على العكس من ذلك كان المجوس وكان النصارى يلتحون، 

ولعلك قرأت في كتاب فقه السيرة للبوطي -الذي ذكرته في المجلس السابق- أن رجلاً من المجوس جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رسولاً من قِبَل كسرى، جاء ملتحياً، قال: من أمرك بهذا؟ قال : ربي، يعني : كسرى، قال : أما ربي فأمرني بإعفاء اللحية وقص الشارب، فالمجوس إذاً : كانوا ولا يزالوا من عادتهم حلق اللحية، قلت : أني ضربت مثال بلباس البياض،

 وأقوى مثال ما نحن فيه الآن، لأن العرب كان من عادتهم إعفاء اللحية، الرسول أولاً أقرهم، ولو كان هذا فقط كنت أنا أقول مع القائلين : هذه عادة، من شاء فعل، ومن شاء ترك، لا، فإنه أولاً : أمر بها أمر إيجاب كما اتفقنا، ثم جعلها من الفطرة التي لا تَقْبَل التغيير والتبديل، ما بقي على وجه الأرض مسلم .

وثالثاً : ولعله يكون أخيراً : ما رأيك في تغيير خلق الله عز وجل دون إذن من الله أو رسوله، هل يجوز؟

السائل : لا يجوز.

الشيخ : فإذاً : هذه القضية ....

فمسألة اللحية هذه، أولاً : نبينا صلوات الله وسلامه عليه والخلفاء الراشدون والصحابة أجمعون أكتعون أبتعون ما فيهم حِلِّيق اللحية أبداً، ثم انزل إلى التابعين، ثم، ثم الأئمة المجتهدين، لماذا نحن نجرؤ الآن نخالف هذا السلف كله، ابتداء من سيدهم محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الأئمة الأربعة والذين اتبعوهم بإحسان، الذين قالوا بوجوب إعفاء اللحية، والذين قرروا في كتبهم أن حليق اللحية لا تقبل له شهادة، لأنهم اعتبروا ذلك من هؤلاء الحليقين فسقاً .

فلماذا نخالف كل هذا الجمهور، والله عز وجل يقول، وهذا الآية وحدها تكفي، فضلاً عن هذا البحث العلمي، هذا الذي قد يعتبره البعض ما يشبه الفلسفة، لكنه العلم وإنه لحق مثلما أنكم تنطقون، لو لم يكن في الموضوع إلا الآية التالية وهي قوله تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. [النور: ٦٣]، والآية الأخرى : {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. [النساء: ١١٥] نحن اليوم لا نتبع في حَلْقِنا للحيتنا سبيل المؤمنين، وإنما نحن نتبع مع الأسف الشديد سبيل الكافرين، الذين كل من كان عنده شيء من الثقافة يعترف معي أنهم لما استعمرونا في بلادنا، استعمرونا -وهذا استعمار أخطر- فكرياً وثقافياً، فلما خرجوا من بلادنا وتركونا في زعمنا أحراراً، وإذا بنا لا نزال نعيش مستعبدين منهم فكرياً، أين كان حلق اللحية من عادة المسلمين؟ أبداً.

هذه العادة أدخلها الأتراك الذين امتدوا غرب أوروبا، واحتلوا كثيراً من تلك البلاد، لكنهم مع الأسف لم يكن عندهم الحصانة من الكتاب والسنة، التي تحملهم على أن يحافظوا على العادات الإسلامية، فاستحسنوا حلق اللحية، واستحسنوا تغيير اللباس العربي بهذا اللباس الضَّيق الذي تنتج منه أمور تنافي كمال الصلاة، فتجد الشاب الذي يصلي متبنطلاً يضطر أنه يعمل حركات، يرفع شويه كمي .... البنطلون عشان الكوية هذه ما تنكسر، وربما ما ينفتق من وراء الضيق التفصيل، هذا كله من أين جاءنا؟ جاءنا من الاستعمار الفكري.

ولذلك : فلا خلاص للمسلمين أبداً، إلا بأن يعودوا أولاً : علماً وفقهاً وثقافة إلى الكتاب والسنة، ثم : أن يُرَبُّوا أنفسهم على هذه الثقافة الصحيحة، التي لم تتأثر بالوافدات التي تفد إلينا ولا تزال حتى اليوم من الغرب الكافر، وهذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، إن شاء الله تعالى .

على كل حال الظاهر عنوان الباطن، وليس الأمر كما يقول بعض الناس من الشباب التائه إنه العبرة بما في القلب، صحيح العبرة بما في القلب، ولكن الأمر كما قيل : وكل إناء بما فيه ينضح، وهذا المعنى مأخوذ من قوله عليه السلام « ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ». انتهى من (الهدى والنور /٤٨٨/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)

الرد على من يستدل على عدم وجوب إعفاء اللحية بعدم وجوب صبغ الشيب

وجوابنا على ذلك :

أن الأمر في حديث : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورَهم ؛ فخالفوهم ) ، أي : شيبهم ليس من باب الوجوب وإنما هو من باب الاستحباب وقد علمنا أن هذا الأمر ليس للوجوب فعلًا ؛ من أين ؟ من حياته - عليه الصلاة والسلام .

فإذًا عدم تغيير النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - شعر لحيته بالصبغ وكذلك بعض الصحابة غير شيبه وبعضهم لم يغيره كان هذا قرينةً واضحةً جدًّا أن الأمر في قوله : ( فخالفوهم ) فى الصبغ ليس للوجوب وشتَّان بين هذه القرينة والقرينة الأخرى الموجودة فيما يتعلَّق بإعفاء اللحية حيث لم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه حلق لحيته أحيانًا وعفا عنها أحيانًا حتى يكون المقابلة صحيحة بين الأمرين . 

وقد نقل الإمام الطبري رحمه الله الإجماع على عدم وجوب صبغ الشعر في " تهذيب الآثار " تحقيق علي رضا (ص/518). وقد نقل الإمام النووي رحمه الله هذا الإجماع عن الطبري في كتابه " شرح مسلم " (14/80) . 

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله - في حديث ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوه ) : " هذا الأمر للاستحباب ، وظاهره أنه للوجوب لأن الأصل في مخالفة اليهود الوجوب ، ولكن نظرا إلى أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - من كبرائهم- كانوا لا يخضبون ، واشتهر ذلك بينهم ولم ينكر ، يدل على أنهم فهموا أن الأمر للاستحباب وليس للوجوب . انتهى من " شرح كتاب اللباس من صحيح البخاري " 

الخلاصة

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول في مذهب الشافعية إلى حرمة حلق اللحية لأنه مخالف للأمر النبوي بالإعفاء وقال كثير من العلماء المعاصرين إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وتوفيرها إنما يُحمل على الاستحباب وليس الوجوب لذلك لم يجدوا شيئاً في حلق اللحية وقالوا إنما هي من الأفعال العادية للرسول صلى الله عليه وسلم وليست من الأمور التعبدية الشرعية .

 والحق أن النهي عن حلق اللحية جاء في عدد من النصوص الصريحة الواضحة التي لا خلاف فيها وإنما قيس على أمره صلى الله عليه وسلم بالتخضب أي صبغ الشعر حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب مخالفة لليهود والنصارى وثبت أن بعض الصحابة خضب وبعضهم لم يخضب وفهموا من أمر النبي الاستحباب وليس الوجوب أما في موضوع اللحية فإنه لم ينقل عن واحد من السلف حلق اللحية أما إن كان هناك خوف على دين المسلم أو ماله أو نفسه أو عرضه فإنها تكون ضرورة عند جميع المذاهب والضرورات تبيح المحظورات .


والله اعلم


وللفائدة..


هل اعجبك الموضوع :
author-img
الحمدلله الذى بنعمته تتم الصالحات فاللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علما واهدنى واهد بى واجعلنى سببا لمن اهتدى.

تعليقات