العمل بظاهر النصوص الشرعية هو أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها فهم الإسلام.
* في هذا الموضوع سنوضح لماذا يجب العمل بظاهر النصوص مع بيان الأدلة الشرعية وآراء أهل العلم.
** معنى ظاهر النص :
هو ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره ولكن مرجوح.
مثال : قول الله تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾. [طه: 5]، فإنه ظاهرٌ في استواء الرب سبحانه وتعالى على العرش،
ويحتمل أن يُراد به الاستيلاءُ، لكنه احتمال ضعيفٌ مردود لا يوجد في لغة العرب.
** لماذا يجب العمل بظاهر النص؟
1- لأن النصوص الشرعية وُضِعت لهداية الناس ورحمة بهم، وليست للإضلال.
فإن قُدِّر أن المتكلم أراد من المخاطب أن يفهم كلامه على غير ظاهره وحقيقته، دون وجود قرينة أو دليل واضح يُبين هذا المعنى،
لكان ذلك مخالفًا لمقصد الإرشاد والهداية.
2- العمل بالظاهر النصوص الشرعية واجب ما لم يقم دليل يصرفه عن ظاهره،
لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل صحيح يقتضي ذلك أي يقتضي تأويله،
وهذا هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان .
** من الأدلة الشرعية على وجوب العمل بالظاهر:
- قول رسول الله ﷺ لأزواجه : أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً، قالت عائشة :
فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك
حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة .
قالت : وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله عز وجل فبادرن يقسن أطوال ايديهن. (أصل الحديث فى البخاري ومسلم).
* وفى هذا الحديث : دليل على أنه قد إستقر في أفئدتهن وفي الصحابة الأخذ بظاهر الأدلة.
** ماذا قال العلماء عن العمل بظاهر النصوص الشرعية؟
- قال الإمام الشافعي رحمه الله :
والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهر الأحاديث لو احتمل اللفظ معاني بعضها أقرب إلى ظاهر الحديث وبعضها أبعد،
فأنت تلزم ظاهر الحديث حتى تأتيك البينة التي تخرج عنها، وهذا شامل في الاعتقاد وفي الفقهيات في المسائل العقائدية وفي المسائل الفقهية
ومن تتبع موارد ومواضع استعمال أئمة السنة في ردودهم لأهل البدع أو في بحوثهم الفقهية وخاصة مع المقلدة والمتعصبة:
يجد أنهم ينعون عليهم ويذمونهم بترك ظاهر الأحاديث بدون حجة ولا برهان. ينظر: [ كتاب مناقب واداب الشافعي -لإبن ابي حاتم].
- وقال أيضا رحمه الله :
.. القرآن عربي كما وصفت، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها ليس لأحد أن يحيل منها ظاهرا إلى بطن ولا عاماً إلى خاص،
إلا بدلالة من كتاب الله فإن لم تكن فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،
تدل على أنه خاص دون عام أو باطن دون ظاهر أو إجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابا ولا سنة،
وهكذا السنة ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يحتمل عددا من المعاني،
ولا يكون لأحد ذهب إلى معنى منها حجة على أحد ذهب إلى معنى غيره،
ولكن الحق فيها واحد لأنها على ظاهرها وعمومها إلا بدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قول عامة أهل العلم:
بأنها على خاص دون عام، وباطن دون ظاهر، إذا كانت إذا صرفت إليه عن ظاهرها محتملة للدخول في معناها. ينظر: [مختلف الحديث للإمام الشافعي - رحمه الله - 7/27-28 بهامش كتاب الأم].
- قال ابن القيم رحمه الله :
الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله، وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب،
ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك، ومُدّعي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذب عليه. ينظر: (حاشية إعلام الموقعين 3/108-109).
- قال العلامة الشوكاني - رحمه الله - في "البدر الطالع 2/290 " معلقا على كلمة أبي حيان الأندلسي :
... وبالجملة فمذهب الظاهر هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بـ (جميع الدلالات)،
وطرح التعويل على (محض الرأي) الذي لا يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة.
وأنت إذا أمعنت النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة وجدتها من مذهب الظاهر بعينه،.. اهـ.
- وقال الشيخ العثيمين رحمه الله- فى "الأصل" (ص/49) :
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره، لأن هذه طريقة السلف ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأقوى في التعبد والانقياد. انتهى.
- وقال أيضا رحمه الله :
والواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها ،
ودليل ذلك : السمع، والعقل.
- أما السمع : فقوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. [الشعراء: 192-195]،
وقوله : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. [يوسف: 2]. وقوله : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. [الزخرف: 3].
وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي .
وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال :
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. [البقرة: 75]...
- وأما العقل : فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين،
فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة. ينظر: (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى- للعثيمين - ص(42)).
- قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :
التحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامة المسلمين :
أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في حال من الأحوال بوجه من الوجوه
حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجو. ينظر: (حاشية أضواء البيان 7/438).
** الخلاصة :
العمل بظاهر النصوص هو الأصل في التشريع الإسلامي، وهو الطريقة التي فهم بها الصحابة والتابعون الدين.
علينا أن نتبع ظاهر النصوص إلا إذا كان هناك دليل قوي يدعو إلى التأويل.
* لو أعجبك الموضوع يسعدنا أن تكتب رأيك فى التعليقات.
والله اعلم
تعليقات
إرسال تعليق