✅ انتشر عند بعض الصوفية ادعاء رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته لمن جاء بعد الصحابة رضي الله عنهم، بل زعم بعضهم أنه كلمه وسأله عن مسائل فأجابه وأرشده إلى أمور.
✔ والرد على ذلك: أن هذه الدعاوى لا أصل لها، وإنما هي من تلبيس الشيطان على بعض الناس،
حيث يتلاعب الشيطان بعقولهم وأبصارهم بسبب بُعدهم عن نور الوحي وشمس الرسالة، فيتوهمون ما ليس له حقيقة.
● والقول بذلك يستلزم لوازم باطلة؛ منها: أن يُرى ﷺ على صورته التي مات عليها، وأن يراه رائيان في وقت واحد في مكانين مختلفين،
وأن يكون حيًّا خارج قبره، يخرج ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبونه.
● ويلزم منه كذلك: خلو قبره ﷺ من جسده، وأن تكون زيارته والسلام عليه سلامًا على غائب، إذ يلزم إمكان رؤيته ليلًا ونهارًا، مع اتصال الأوقات، على حقيقته في غير قبره.
◄ وهذه لوازم باطلة وجهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل.
هل كذب الصوفية في دعوى رؤية النبي ﷺ في اليقظة؟
لا نقول إن كل من ادعى من الصوفية رؤية النبي ﷺ في اليقظة كان كاذبًا متعمدًا، بل قد يكون اشتبه عليه الأمر، ولبَّس عليه الشيطان بسبب تأويل القرآن على غير تأويله أو جهل بالسنة،
فظن ما رآه من أفعال الشياطين آياتٍ للنبي ﷺ وكراماتٍ للصالحين، كما وقع لغيرهم من أهل البدع.
قد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله :
«أن ابن أبى جمرة: نقل عن جماعة من المتصوفة أنهم رأوا النبي في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك »،
ثم تعقب الحافظ ابن حجر هذا الكلام بقوله: « وهذا مشكل جدًا ولو حُمِل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة،
ويعكر عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام ، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف ».انظر:[فتح الباري، 12/385].
هل رأى ابن عباس صورة النبي ﷺ في المرآة؟
أما ما يُذكر من أن الصحابي ابن عباس رضي الله عنهما رأى صورة النبي ﷺ في المرآة،
فهذا الأثر لا يثبت بإسناد صحيح يعتمد عليه؛ فقد أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/125)، وفي إسناده من لم يُعرف، كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/426).
▣ وقد ذكره ابن كثير في «تفسيره» (2/254) وسكت عنه، ولم يذكر له إسنادًا، كما أن السيوطي والحافظ ابن حجر اقتصرا على عزوه إلى ابن أبي جمرة.
✔ وعليه، فلا يصح الاحتجاج بهذا الأثر على رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته؛لأنه أثر لا يثبت.
أقوال العلماء في رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله:
شذ بعض الصالحين فزعم أنها - أي رؤية النبي ﷺ بعد موته - تقع بعيني الرأس حقيقة. انظر:«فتح الباري»لابن حجر (12/384)
إنكار القرطبي رؤية النبي ﷺ في الدنيا يقظة
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله :
وهذا يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه،
ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره.
وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل. انتهى. نقله عنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ( 12 / 384 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
منهم من يظن أن النبي ﷺ خرج من الحجرة وكلمه وجعلوا هذا من كراماته ومنهم من يعتقد أنه إذا سأل المقبور أجابه.
وبعضهم كان يحكي أن ابن منده- كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي ﷺ عن ذلك فأجابه، وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك وجعل ذلك من كراماته.
حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فهل في هؤلاء من سأل النبي ﷺ بعد الموت وأجابه،
وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثها فهلا سألته فأجابها؟. انظر:«العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية».
قول الحافظ الذهبي في ترجمة الربيع بن محمود المارديني
قال الحافظ الذهبي رحمه الله:
( دجال مفتر ادعى الصحبة والتعمير في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان قد سمع من ابن عساكر عام بضع وستين). انظر:«ميزان الاعتدال في نقد الرجال».
◄ يعني الحافظ الذهبي بالصحبة التي ادعاها الربيع ما جاء عنه: أنه رأى النبي ﷺ في النوم وهو بالمدينة الشريفة- فقال له: أفلحت دنيا وأخرى،
فادعى بعد أن استيقظ أنه سمعه وهو يقول ذلك. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة في تمييز الصحابة» (1/ 513).
قول ملا علي القاري في رؤية النبي ﷺ يقظة
قال ملا علي قاري رحمه الله:
ما دعاه المتصوفة من رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد موته لو كان له حقيقة لكان يجب العمل بما سمعوه منه ﷺ من أمر ونهي وإثبات ونفي،
ومن المعلوم أنه لا يجوز ذلك إجماعاً، كما لا يجوز بما يقع حال المنام، ولو كان الرائي من أكابر الأنام،
وقد صرح المازري وغيره بأن من رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية. انظر:(«جمع الوسائل شرح الشمائل للترمذي» (2/238)).
قال العلامة الصنعاني رحمه الله:
بعد ذكره لبعض أقوال الصوفية المخالفة للشريعة: ( فإن لم يكن هذا القول من أقوال أهل الجنون وإلا فلا جنون في الأكوان،
وأعجب من هذا قول السيوطي: ( أن من كرامة الولي أن يرى النبي ﷺ ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما قسم من مذاهب ومعارف). انظر:« الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف ».
ماذا قالت اللجنة الدائمة عن رؤية النبي ﷺ يقظة؟
جاء فى فتاوى اللجنة الدائمة :
... قال الله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلَّغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه،
وصلى عليه أصحابه رضي الله عنهم صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة رضي الله عنها، وقام من بعده الخلفاء الراشدون،
وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ.
فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حياً وكلَّمه أو سمع منه شيئاً قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه،
وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛
لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ: "فقد رآني" الحديث..
وإذا أردت زيادة الفائدة فارجع إلى ما كتبه العلامة أحمد بن حجر شرحاً لهذا الحديث في كتابه [فتح الباري]. وبالله التوفيق. انظر:(مجموع فتاوى اللجنة الدائمة- المجلد العاشر (العقيدة)).
خلاصة المنشور:
● رؤية النبي ﷺ في المنام ثابتة إذا رآه الرائي على صفته المعروفة.
● رؤية النبي ﷺ في اليقظة بعد وفاته لا تثبت بدليل صحيح.
● ما يُروى عن بعض الصوفية من رؤية النبي ﷺ في اليقظة هى من تلبيس الشيطان.
● دعوى رؤية النبي ﷺ وسماع أمر أو نهي منه لا تُثبت حكمًا شرعيًا؛ بل تُعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبل وما خالفهما رُدّ.
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق