">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

الرد على أدلة منع مس المصحف للحائض والجنب


✅اختلف العلماء في حكم مس المصحف للحائض والجنب؛ فذهب الجمهور إلى المنع، بينما أجازه بعض أهل العلم، مستدلين بأن الأصل الإباحة، ولا يثبت المنع إلا بدليل صحيح صريح.


وفي هذا المقال نناقش أدلة المانعين والجواب عنها.


أولًا: الرد على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.

استدل المانعون من مس المصحف للحائض والجنب- بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. [الواقعة: 77-79].

وقالوا: إن الآية تدل على أن القرآن لا يمسه إلا من كان متطهرًا، فيدخل في ذلك منع الحائض والجنب من مس المصحف.

الجواب عن هذا الاستدلال:


ثانيًا: الرد على الاستدلال بحديث: «كان النبيُّ لا يَحجِبُه وربَّما قال : لا يَحجُزُه عن القرآنِ شيٌء ليس الجنابةُ».

وقد استدلوا به على أن الجنب ممنوع من قراءة القرآن، ومن باب أولى من مس المصحف.

الجواب عن هذا الاستدلال:

● أن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة ولذلك لا يصلح لإثبات حكم شرعي يُلزم المسلمين.


 على فرض صحة الحديث فإنه لا يدل على المنع لأنه حكاية فعل وحكاية الفعل المُجرّد لا يدل على المنع ولا يدل على الوجوب،

فقد يترك النبي ﷺ أمرًا لأنه الأفضل، أو لأنه الأكمل، ولا يلزم من ذلك تحريم هذا الفعل على الأمة إلا إذا قامت قرينة تدل على ذلك.

 قال ابن حجر فى «التلخيص، ص ٥١»قال ابن خزيمة: لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة لأنه ليس فيه نهي وإنما هي حكاية فعل. انتهى.

ثالثًا: الرد على الاستدلال بحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر».

استدل المانعون من مس المصحف للحائض والجنب بحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر»،

وذهبوا إلى أن المراد بالطاهر هو من كان متطهرًا من الحدث، وبناءً عليه منعوا المحدث حدثًا أكبر أو أصغر من مس المصحف.

الجواب عن هذا الاستدلال من وجوه:

1- حديث «لا يمس القرآن إلا طاهر» لا يثبت من جهة الإسناد؛ لأنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، فلا يحتج به في إثبات الأحكام.

2- على فرض صحة الحديث، فإنه لا يدل على منع الحائض والجنب من مس المصحف، لأن لفظ "طاهر" لفظ محتمل، يطلق على عدة معانٍ؛

فيطلق على المؤمن، وعلى الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى من سلم من النجاسة الحسية.

▪️ ولا يجوز حمل اللفظ على معنى معين دون دليل أو قرينة ترجحه، لأن الدليل إذا احتمل عدة معانٍ لم يجز صرفه إلى أحدها بلا برهان.

▪️ ولا توجد قرينة صحيحة صريحة تدل على أن المراد بالطاهر في الحديث هو الطهارة من الحدث دون غيرها.

✅ بل إن القرائن تدل على أن المراد بالطاهر هو المؤمن، لا من ارتفع حدثه، ومن ذلك:

 أن المؤمن لا ينجس أصلًا: فقد قال النبي ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس»، فالمؤمن لا يزول عنه وصف الطهارة بسبب الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر، وإنما يقال:

هو جنب أو محدث، أما أن يوصف بأنه غير طاهر بإطلاق فلا يصح؛ لأن أصل الطهارة باقٍ فيه.

فلا يصح حمل قوله: «لا يمس القرآن إلا طاهر» على الطاهر من الحدث.

 أن المقابل للطاهر في النصوص هو المشرك: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، فإذا وصف الله المشرك بالنجاسة، دل بمفهومه على أن المؤمن طاهر،

 ويؤيده قول النبي ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس»، وهذا يدل على أن وصف الطهارة يطلق في الشرع على الإيمان كما يطلق وصف النجاسة على الشرك.

فيكون معنى الحديث: لا يمس القرآن إلا طاهر، أي: إلا مؤمن. لا أن المراد اشتراط الطهارة من الحدث.

 أن لفظ "طاهر" ليس خاصًا بالطهارة من الحدث: فلو كان المراد الطهارة الشرعية من الحدث، لكان التعبير بلفظ أصرح في هذا المعنى، كأن يقال: «لا يمس القرآن إلا متوضئ» أو «إلا متطهر».

أما لفظ "طاهر" فهو أعم، ويحتمل الطهارة من الشرك، والطهارة من الحدث، والطهارة من النجاسة، فلا يصح تخصيصه بأحد هذه المعاني دون دليل.

✔ أن صيغة الحديث تؤيد إرادة المؤمن لا المتوضئ: فلو كان المقصود إلزام المسلمين بالوضوء لمس المصحف، لكان التعبير بما يدل على ذلك أوضح، كأن يقال:

«لا يمس المؤمن القرآن إلا وهو متطهر»، أو «لا تمسوا القرآن إلا وأنتم متطهرون».

أما قوله ﷺ: «لا يمس القرآن إلا طاهر» فهو مناسب لحمل الطاهر على من يقابل النجس، وهو المشرك.

✔ أن القرائن التاريخية تؤيد أن المراد بالطاهر هو المؤمن: فإن كتاب عمرو بن حزم وُجِّه إلى أهل اليمن، وكان فيهم غير المسلمين، فناسب أن يكون المقصود منع الكافر من مس القرآن.

◄ ويؤيد ذلك نهي النبي ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله الكفار، فالمقصود صيانة المصحف عن أيديهم، لا اشتراط الوضوء لمس المصحف.

 لو كان المراد بالطاهر من ارتفع حدثه، لبيَّنه النبي ﷺ بيانًا لا يحتمل اللبس: فلو كان مس المصحف للحائض والجنب ممنوعًا، لكان ذلك مما يحتاج إلى بيان؛

لشدة تعلقه بالعبادات، وكثرة وقوع الحيض والجنابة بين الصحابة والصحابيات.

● ومع كون القرآن كان مكتوبًا في الصحف والجلود، لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه أمر عائشة رضي الله عنها، أو غيرها من الحائض، بترك مس المصحف،

مع قيام موجب البيان، مما يدل على عدم ثبوت هذا الحكم بدليل صحيح صريح.

◄ وبناءً على ذلك، فإن الحديث -على فرض ثبوته- لا يصلح دليلًا على اشتراط الطهارة من الحدث لمس المصحف؛

لأن لفظه محتمل، والقرائن الأقوى تدل على أن المراد بالطاهر هو المؤمن، ولا يجوز صرف اللفظ إلى معنى معين بلا دليل.

قال العلامة الشوكاني رحمه الله :

..الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة...

ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر.

فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين‏. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث : " المؤمن لا ينجس‏".

ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف.

 ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث: " المؤمن لا ينجس‏"...

فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة ". انظر:(نيل الأوطار 1/243-244).

قال الشيخ الألباني رحمه الله :

قوله عليه السلام (لا يمس القرآن إلا طاهر) نفسّره بحديث ابن عمر السابق ( لا تسافروا بالمصحف إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو )،

ف (لا يمس القرآن إلا طاهر) أي إلا مؤمن سواء كان بعد ذلك محدثا حدثا أكبرا أو حدثا أصغرا.

وهكذا ينبغي فيما نرى أن يفسر هذا الحديث بأنه لا يوجد هناك نص صحيح صريح في عدم جواز مس القرآن ممن كان على الحدث الأكبر أو على الحدث الأصغر. انظر:(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٧/ ).

الرد على اعتراضات المانعين حول معنى الطاهر في حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر».

1- قولهم إن النبي ﷺ لم يكن من عادته التعبير عن المؤمن بالطاهر.

الجواب: هذا مجرد دعوى تحتاج إلى دليل؛ لأن إثبات أن النبي ﷺ لم يستعمل وصف الطاهر للمؤمن يحتاج إلى استقراء تام للنصوص، ولا يكفي فيه مجرد عدم العلم.

✅ وأما قولهم: لماذا لم يقل النبي ﷺ: "لا يمس القرآن إلا مؤمن" بدلًا من "طاهر"؟

فيقال: كما يُسأل عن سبب اختيار لفظ الطاهر دون لفظ المؤمن، يُسأل أيضًا: ما المانع من التعبير عن المؤمن بالطاهر؟

◄ فليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر بمجرد الدعوى، وإنما العبرة بالدليل والقرائن.

2- أن القرآن والسنة خاطبا الصحابة بلفظ الإيمان والإسلام ولم يصفوهم بالطاهرين.

الجواب: هذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن المعاني الشرعية تثبت بالنصوص، سواء جاء التعبير عنها بالمنطوق أو بالمفهوم.

فقد قال النبي ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس». فدل ذلك على أن المؤمن موصوف بالطهارة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.

◄ فإذا ثبتت نجاسة المشرك، ثبتت طهارة المؤمن من جهة المقابلة.

◄ ولو لم يكن هذا المعنى مفهومًا عند الصحابة لما احتجت النصوص إلى بيان نجاسة الشرك وطهارة الإيمان.

3- أن المراد بالطاهر في الحديث هو الطاهر من الحدث؛ لأنه المعنى المتبادر عند الصحابة.

الجواب: هذا هو محل النزاع، فلا يصح الاستدلال به على نفسه؛ لأن دعوى أن المراد هو الطاهر من الحدث هي عين المسألة المختلف فيها.

والألفاظ الشرعية لا تُحمل على معنى معين إلا بدليل، ولفظ "طاهر" في الحديث يحتمل أكثر من معنى، منها الطاهر من الشرك، والطاهر من الحدث، والطاهر من النجاسة.

◄ بل تؤيد القرائن حمله على الطاهر من الشرك، ومنها قوله ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس»وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.

4- كيف يكون المراد بالطاهر المؤمن، والخطاب موجَّه إلى المشركين؟

الجواب: ليس الخطاب في الحديث موجَّهًا إلى المشركين، وإنما هو خطاب للمسلمين؛ أي لا يُمكِّنوا من ليس بطاهر -وهو المشرك- من مس المصحف.

◄ فالمقصود بيان حكم المسلمين في التعامل مع القرآن، لا أن يُخاطب المشرك بهذا الوصف أو يُطلب منه فهم اصطلاحات الشرع.

5- أن الأحكام تعلقت بالطهارة من الحدث، لا بالطهارة من الشرك.

الجواب: هذا غير مسلم؛ فإن الطهارة من الشرك وصف شرعي ترتبت عليه أحكام كثيرة.

فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. [التوبة: 28].

◄ فرتب الله على وصفهم بالنجاسة حكمًا، وهو منعهم من دخول المسجد الحرام.

وكذلك قوله ﷺ: «إن المؤمن لا ينجس». فهذا الوصف ترتبت عليه أحكام شرعية، وليس صحيحًا أن الطهارة من الشرك لا تعلق لها بالأحكام.

6- دعوى إجماع الصحابة على منع مس المحدث للمصحف.

الجواب: هذه الدعوى غير مسلَّمة؛ لأن الإجماع لا يصح مع وجود المخالف، وقد نقل أهل العلم وجود الخلاف عن بعض الصحابة والتابعين.

★ قال الإمام القرطبي رحمه الله: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة فرُوي عنه أنه يمسه المحدث حدثًا أصغر، وقد رُوي هذا عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس وغيره. انظر:[تفسير القرطبي (17/226)].

★ وقال ابن عطية رحمه الله: ورخص بعض العلماء في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر قلب، منهم ابن عباس وعامر الشعبي. انظر:[تفسير ابن عطية (5/252)].

✔ فمع وجود هذا الخلاف لا يصح دعوى الإجماع السكوتي، بل تبقى المسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر.

خلاصة المسألة:

● الاستدلال بهذه النصوص على تحريم مس المصحف للحائض والجنب لا يخلو من إشكال.

● الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الدليل الناقل عنها، فمس المصحف فعل من أفعال الخير، ولا يجوز منعه إلا بدليل صحيح ثابت واضح الدلالة.

● إيجاب الطهارة لمس المصحف حكمٌ تكليفي، والأحكام التكليفية لا تثبت إلا بدليل واضح تقوم به الحجة.

● لذلك فإن القول بمنع الحائض أو الجنب من مس المصحف يحتاج إلى دليل صحيح صريح لا يحتمل غيره، ولم يثبت في هذه المسألة -فيما يظهر- نص بهذه الصفة.


والله اعلم

الرد على أدلة منع مس المصحف للحائض والجنب
هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات