✅ يتساءل بعض الناس: هل قول النبي ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» يدل على أن الله ليس فوق العرش؟ وهل هذا الحديث يخالف عقيدة أهل السنة في علو الله تعالى؟
والجواب:
● لا تعارض بين علو الله تعالى وكونه قِبل وجه المصلي؛ لأن المقابلة لا تستلزم المحاذاة ولا الحلول في المكان،
فقد يكون الشيء عاليًا وهو قِبل الوجه، كما يرى الإنسان الشمس أمامه مع كونها في السماء، فإذا جاز هذا في حق المخلوق، ففي حق الخالق أولى.
● ثم إن صفات الله تعالى لا تُقاس بصفات المخلوقين؛ فالله ليس كمثله شيء، فلا يلزم من كونه قِبل وجه المصلي أن يكون حالًّا في الجدار أو في جهة القبلة،
بل هو سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، محيط بكل شيء، لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
● فلا تعارض بين النصوص الصحيحة، وإنما التعارض يقع في الأذهان الفاسدة أو عند من يقدم العقل على الوحي.
نص الحديث الصحيح.
✅ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى). (رواه البخاري (406)).
✔ وهذا نصٌّ صريح يدل على أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي على ما يليق بجلاله، مع ثبوت علوه واستوائه على العرش،
وأنه سبحانه يُقبل على عبده في صلاته حيث كان، لأنه محيط بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
الجمع بين علو الله واستواءه على العرش وكونه قِبل وجه المصلي.
★ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
قَوْلُهُ ﷺ: (إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ قِبَلَ وَجْهِ الْمُصَلِّي; بَلْ هَذَا الْوَصْفُ يَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقَاتِ.
فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَوْ أَنَّهُ يُنَاجِي السَّمَاءَ أَوْ يُنَاجِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكَانَتْ السَّمَاءُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَوْقَهُ وَكَانَتْ أَيْضًا قِبَلَ وَجْهِهِ. انظر:("مجموع الفتاوى" (5/101)).
★ وقال أيضاً رحمه الله(5/672) :
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْقَمَرِ وَخَاطَبَهُ - إذَا قُدِّرَ أَنْ يُخَاطِبَهُ - لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ إلا بِوَجْهِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَهُ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لَهُ بِوَجْهِهِ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَهُ...
فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ وَهُوَ فَوْقَهُ، فَيَدْعُوهُ مِنْ تِلْقَائِهِ لا مِنْ يَمِينِهِ وَلا مِنْ شِمَالِهِ، وَيَدْعُوهُ مِنْ الْعُلُوِّ لا مِنْ السُّفْلِ. اهـ.
★ قال ابن القيم رحمه الله :
فلا تنافي بين الأمرين، فأينما ولى المصلي فهي قبلة الله، وهو مستقبل وجه ربه؛ لأنه واسع،
والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه تعالى، والله مقبل على كل مصلي بوجهه، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ...
فإنه قد دل العقل والفطرة وجميع كتب الله السماوية: على أن الله تعالى عال على خلقه فوق جميع المخلوقات، وهو مستو على عرشه، وعرشه فوق السماوات كلها،
فهو سبحانه محيط بالعوالم كلها، فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله،
بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط، فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه، والمركز يستقبل وجه المحيط،
وإذا كان عالي المخلوقات المحيط، يستقبل سافلها المحاط به بوجهه، من جميع الجهات والجوانب؛
فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط، وهو محيط ولا يحاط به، كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه تعالى حيث كان، وأين كان؟!. انتهى من" مختصر الصواعق المرسلة " (1/417).
★ قال الشيخ العثيمين رحمه الله :
الجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنه يجب على الإنسان التَّسليم، وعدم الإتيان بـ «لِمَ» أو «كيف» في صفات الله أبداً،
قل: آمنت وصَدَّقت، آمنت بأن الله على عرشه فوق سماواته، وبأنه قِبَلَ وجه المصلِّي، وليس عندي سوى ذلك،
هكذا جاءنا عن رسول الله ﷺ، وهذه الطريق تزيل إشكالات كثيرة، وتَسْلَم بها من تقديرات يقدِّرها الشيطان، أو جنوده في ذهنك.
الوجه الثاني: أنَّ النصوص جمعت بينهما، وهذه ربَّما تكون متفرِّعة مِن التي قبلها، والنصوص لا تجمع بين متناقضين؛ لأن الجَمْعَ بين المتناقضين محال، ومدلول النصوص ليس بمحال.
الوجه الثالث: أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لا يُقاس بخلقه، فهبْ أنَّ هذا الأمر ممتنعٌ بالنسبة للمخلوق - أي: ممتنع أن يكون المخلوق على المنارة، وأنت في الأرض، وهو قِبَلَ وجهِكَ-
لكن ليس ممتنعاً بالنسبة للخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء حتى يُقاس بخلقه.
الوجه الرابع: أنه لا مُنافاة بين العلوِّ وقِبَلَ الوجه، حتى في المخلوق، ألم ترَ إلى الشمس عند غروبها أو شروقها؟
تكون قِبَلَ وَجْهِ مستقبلها وهي في السماء، فإذا كان هذا غير ممتنع في حَقِّ المخلوق فما بالك في حَقِّ الخالق؟
وأهمُّ هذه الأجوبة عندي، وأعظمها، وأشدُّها قدراً: الجواب الأول؛ أن نقِفَ في باب الصفات موقف المُسَلِّم لا المعترض، فنؤمن بأن الله فوق كُلِّ شيء، وبأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي،
ولا نقول: «كيف»، ولا «لِمَ»، وهذا يريح المُسلم من كُلِّ ما يورده الشيطان وجنوده على القلب مِن الإشكالات.
يقول لك: هذا كيف يمكن؟ إذاً؛ يلزم أن تقول بالحلول، أن الله في الأرض، ثم يورد عليك هذا الإشكال،
فتقول: أنا أؤمن بأنَّ الله فوقَ كلِّ شيء، وأنه قِبَلَ وَجْهِ المُصلِّي كما جاءت به النُّصوص، ولا أتعدى هذا. انظر:[الشرح الممتع(3/369-371)].
خلاصة المسألة:
◄ الله تعالى عالٍ فوق العرش حقيقة.
◄ وهو أيضًا قِبل وجه المصلي حقيقة.
◄ ولا يلزم من ذلك حلول أو جهة تحيط بالله.
◄ لأن صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والله اعلم
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق