">

القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

أخذ الأجرة على تعليم القرآن: أدلة المجيزين والرد عليها


👉 مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم،

ولمن أراد معرفة القول الراجح في المسألة مع أدلة المنع بالتفصيل يمكنه الرجوع إلى منشور: هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ 10 أدلة على المنع

وفي هذا المنشور يتم عرض أقوى أدلة المجيزين لأخذ الأجرة على تعليم القرآن مع بيان أوجه الرد عليها وبيان محل الاستدلال الصحيح.

 أدلة من أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرد عليها.

استدل من أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن بأدلة، أهمها حديثان:

الحديث الأول: حديث الرقية بفاتحة الكتاب.

👉 عن ابن عباس رضي الله عنه: أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟

إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ،

فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة فقالوا يارسول الله: أخذ على كتاب الله أجراً؟ فقال ﷺ: إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله(رواه البخارى).

 الرد على الإستدلال بالحديث.

هذا الحديث لا يدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذلك من وجوه:

1- الحديث ورد في سياق الرقية لا التعليم؛ إذ جاء في قصة علاج لديغ، وبوّب عليه البخاري في باب الرقية، فحمله على التعليم إخراج له عن محل وروده،

والرقية باب علاج، بخلاف التعليم فهو عبادة محضة، فلا يُتعدّى محل الحديث إلا بدليل.

2- الأجر المذكور إنما هو على الرقية بوصفها سببًا للشفاء، أي مقابل أثر العلاج الحاصل بها، لا على مجرد التلاوة أو التعليم،

والعوض في باب العلاج جائز، بخلاف تعليم القرآن فإنه عبادة محضة، فلا يُقاس عليها.

 قال ابن تيمية رحمه الله: وكان الْجُعْل على عافيةِ مريض القوم لا على التلاوة. انظر: [مجموع الفتاوى (18/128)].

3- إنكار الصحابة أولًا يدل على أن الأصل عندهم عدم أخذ العوض على كتاب الله، بدليل قولهم: «أخذت على كتاب الله أجراً؟» استنكارًا،

فلما تبيّن لهم أنه في الرقية أقرّوه، فكان ذلك بيانًا لتخصيص الحكم بالرقية دون التعليم.

4-لو كان الحكم عامًا في تعليم القرآن لسبقوا إليه، ولم يُنقل عنهم جعل التعليم حرفة أو بابًا للتكسب، فدلّ ذلك على أن مورد الحديث خاص بالرقية لا بالتعليم،

ودلّ أيضًا على أن هذا هو الفهم الصحيح للحديث الذي جرى عليه الصحابة ومن تبعهم من السلف، وفهمهم مقدم على غيره.

5- الحديث يُفهم في سياقه مع قرائنه، وقد دل السياق وسبب الورود والنصوص الأخرى على تقييده بالرقية،

فلا يُحمل على التعليم بمجرد عموم اللفظ، وإخراجُه عن سياقه يحتاج دليلًا مستقلًا لا مجرد احتمال،

كما في قوله ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر» حيث فُهم في سياقه وما ورد في حال المسافر من أحكام أخرى، فدلّ ذلك على ضرورة ردّ النصوص إلى سياقاتها وعدم إطلاقها خارج محلها.

6- أخذ الأجرة على تعليم القرآن كأخذها على تعليم الصلاة؛ ولما كانت الصلاة متوقفة على القرآن، وهما عبادتان مقصودهما القربة لا التكسب، لم يصح جعلهما محلَّ تجارة.

7- النصوص الأخرى التي تنهى عن أخذ العوض على تعليم القرآن تُبيّن أن حديث الإباحة ليس على إطلاقه، بل هو محمول على سياقه في الرقية،

ويُجمع بين النصوص بحمل كل دليل على بابه، فلا يُجعل حديث الرقية أصلًا في جواز الأجرة على التعليم،

ولا يُقال إن أحاديث النهي قضية عين بلا دليل؛ إذ الأصل اعتبار دلالة النصوص جميعها وعدم إلغائها أو تقييدها بمجرد الاحتمال، بل يُعمل بها في مواضعها دون إخراجها عن سياقها.

8- تعميم الحديث يصادم مقصود الشريعة؛ إذ يجعل القرآن وسيلة كسب، مع أنه أُنزل للهداية والعبادة والتدبر لا للتكسب،

فمن عمَّم قوله ﷺ: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله» فقد خالف مُراد الله من إنزال القرآن.

✔ وعليه: فالحديث خارج محل النزاع في الأجرة على التعليم.

 قال العلامة الشوكاني رحمه الله:

وأظهر وجوه الجمع الذي ينبغي المصير إليه: أنه يحمل الأجر في قوله:"إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله". على عمومه، فيشمل الرقية والتلاوة والتعليم،

ويخص أخذها على التعليم بالأحاديث المتقدمة، ويجوز ما عداه. انظر:(نيل الأوطار (10/437)).

 قال العلامة الألباني رحمه الله :

... لا يجوز الاستدلال به دراية مع صحته رواية؛ لأن لهذا الحديث مناسبة جاءت مقرونة مع الرواية نفسها...

فالجمهور أخذ بالحديث مفسراً بالسبب، والشافعية أخذوا بالحديث دون ربطه بالسبب... ربط الحديث بسبب وروده مما يعين على فهمه،

كذلك نقتبس من هذا فنقول: ... فحينما فصل الحديث: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) عن سبب وروده؛ أعطى الإباحة العامة: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ).

فسواء كان الأجر مقابل التلاوة، أو كان مقابل تعليم القرآن، أو تفسير القرآن، وهكذا، فالحديث عام.

ولكننا إذا ربطناه بسبب الورود؛ تخصص هذا العموم للوارد، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وبخاصة منهم علماء الحنفية،

حينما فسروا هذا الحديث: ( أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) في الرقية، فأضافوا هذه الجملة ( في الرقية ) أخذاً لها منهم من سبب ورود الحديث.

وهذا الأخذ لا بد منه؛ ..وهذا من القواعد الأصولية الفقهية :

أنه إذا جاء نص، سواءً كان قرآناً أو كان سنة، فلا يجوز أن يؤخذ على عمومه إلا منظوراً إليه في حدود النصوص الأخرى، التي قد تقيد دلالته، أو تخصصه... انتهى باختصار من (سلسلة الهدى والنور-(656)).

الدليل الثاني: حديث تزويج المرأة بما معه من القرآن.

 عن سهل بن سعد رضي الله عنه- قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا، فجاءته امرأة تعرض نفسها عليه، فخفض فيها النظر ورفعه، فلم يردها،فقال رجل من أصحابه:

زوجنيها يا رسول الله، قال: أعندك من شيء؟ ...قال: لا، هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن. (رواه البخاري).

 الرد على الإستدلال بالحديث.

هذا الحديث لا يدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذلك من وجوه:

1- أنه نُقل عن أحمد جواز عقد النكاح بلا صداق، لأن المهر ليس بعوض محض وإنما وجب نحلة وصلة،

ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح العقد مع فساد المهر، بخلاف الأجرة في غيره. انظر:[ ابن قدامه، المغني، ج5، ص332].

◄ قد دل هذا على: أن المهر ليس كالأجرة في كونه عوضًا محضًا، بل له حكم خاص في باب النكاح يختلف عن باب الإجارة،

فهو مال شرعه الله في عقد النكاح على وجه الإكرام والصِّلة، لا على وجه المعاوضة المحضة.

2- يحتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت عن المهر لأنه معلوم أنه لا بد منه كون الفروج لا تستباح إلا بالأموال،

لقوله تعالى : (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).[24: النساء]، ولذكره تعالى في النكاح الطول وهو المال حيث قال:

(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ).[25: النساء]، والقرآن ليس بمال. انظر:( العيني، البناية، ج10، ص280).

◄ قد دل هذا على: أن المهر أصلٌ في النكاح من جهة المال، وأن عدم تسميته لا ينفي وجوبه، ولا يُجعل ما وقع في القصة من باب المعاوضة على التعليم، بل هو في سياق النكاح وأحكامه الخاصة.

3- أن النبي  لم يسم لها مهراً ولم يعطها صداقاً وأوصى لها بذلك عند موته. انظر:[ الشوكاني، نيل الأوطار، ص1072].

▣ ويؤيده ما أخرجه أبو داود- من حديث عقبة بن عامرأنه  قال لرجل: (أترضى أن أزوجك فلانة؟) قال: نعم. وقال للمرأة: (أترضين أن أزوجك فلاناً). قالت: نعم. 

فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقاً ولم يعطها شيئاً، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال:

إن رسول الله  زوجني فلانه ولم أفرض لها صداقاً ولم أعطها شيئاً وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهماً فباعته بمائة ألف. ([صحيح سنن أبي داود]).

قد دلّ هذا على: أن ما وقع في القصة كان في سياق عقد نكاح مستقل له أحكامه الخاصة، مع جواز تأخير الصداق أو تقريره لاحقًا،

فلا يصح جعل ذلك أصلًا في باب الأجرة على تعليم القرآن، لاختلاف الجهة؛ فهذا في النكاح لا في باب الإجارة.

✔ وعليه: فالحديث خارج محل النزاع في الأجرة على التعليم.

شبهات القائلين بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرد عليها. 

القياس على الإمامة والأذان والقضاء.

✅ استدل بعضهم بقياس أخذ الأجرة على تعليم القرآن على أخذ الأجرة على الإمامة والأذان والقضاء.

الرد عليه:

 لا يُسلَّم القياس هنا؛ لأن الأصل (الإمامة والأذان والقضاء) مختلف فيه بين الفقهاء، فمنهم من منع أخذ الأجرة ومنهم من أجازها، فإذا كان الأصل نفسه مختلفًا فيه، فلا يصلح أن يكون أصلًا يُقاس عليه.

دعوى ضياع القرآن بسبب انشغال المعلمين بالمعاش.

الرد على ذلك:

هذا مردود بنص القرآن، قال تعالى:(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

● فحفظ القرآن متكفّل به الله تعالى بنص الآية، فلا يتوقف على أخذ الأجرة أو المعاوضة، لأن الحفظ مضمون من الله ووعده لا يتخلّف.

● والقول بتوقفه على الأجرة باطل، إذ يجعل حفظ القرآن معلقًا بما لم يجعله الله شرطًا له، وهو مخالف لصريح قوله تعالى (وإنا له لحافظون).

 وقد وقع حفظ القرآن في عهد الصحابة والتابعين دون أجرة، فالحفظ بوعد الله لا بنظام الأجور.

دعوى أن التعليم القرآن فرض كفاية فيجوز عليه الأجر.

الرد على ذلك:

● النهي عن التكسّب بالقرآن جاء مطلقًا بلا تفصيل بين فرض عين وكفاية، فإدخال هذا التفصيل يحتاج إلى دليل مستقل، وتعليم القرآن عبادة وقربة،

والأصل في القرب عدم المعاوضة عليها، فلا يكفي مجرد كونه كفائيًا لإباحة الأجرة.

خلاصة المنشور :

✔ الأصل أن تعليم القرآن عبادة وقربة لله لا يُقصد بها التكسب.

✔ أدلة المجيزين مثل حديث الرقية والتزويج بالقرآن ليست نصًا صريحًا في جواز الأجرة على التعليم.

✔ حديث: "إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" يُحمل على عمومه فيشمل الرقية والتلاوة والتعليم، ويُخصّص منه أخذ الأجرة على التعليم بالأحاديث الأخرى المانعة.


والله اعلم

أخذ الأجرة على تعليم القرآن: أدلة المجيزين والرد عليها

المصادر:

العيني، البناية (10/280–281)؛ ابن قدامة، المغني (5/332)؛ الرحيباني، مطالب أولي النهى (3/640–641)؛ الشوكاني، نيل الأوطار (1072)؛ ابن رشد، بداية المجتهد (2/218)؛ البهوتي، شرح منتهى الإرادات (2/366)؛ ابن حزم، المحلى (9/14).



هل اعجبك الموضوع :
author-img
اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعليقات