✅ يتساءل كثير من المسلمين عن حكم السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين: هل هو مشروع أم داخل في النهي؟ وهل يدخل ذلك في حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد»؟
في هذا المنشور نبيّن حكم شدّ الرحال لزيارة القبور بالدليل من السنة، وفهم السلف، وأقوال الأئمة، مع بيان الضوابط والاستثناءات.
حكم السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين؟
لا يجوز السفر بقصد زيارة القبور – سواء قبور الأنبياء أو الصالحين – ولا إلى بقعةٍ ومكانٍ إذا كان القصد التعبد أو التبرك أو تعظيم المكان، إلا إلى المساجد الثلاثة فقط:
المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى.
◄ وذلك لأن الشرع لم يأتِ بمشروعية هذا النوع من السفر، بل دلّت الأدلة على منعه.
✅ وقد زعَم بعضُ الناس أنَّه لم يُحرِّمْ ذلك أحد من العلماء قبْلَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ المُتوفَّى سَنةَ (728هـ)، وهذا غير صحيح؛ فقد حرَّم السفرَ لزِيارة القُبور:
▪️ من المالكية: الإمام مالك (ت: 179هـ)، والقاضي عياض (ت: 544هـ).
▪️ من الشافعية: أبو محمد الجويني (ت: 438هـ)، وابن الأثير (ت: 606هـ).
▪️ من الحنابلة: ابن بطة العكبري (ت: 387هـ)، وابن عقيل (ت: 513هـ) وغيرهم.
الدليل من السنة:
1- حديث النهي عن شدّ الرحال.
✅ قال ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (827) واللفظ له.
✅ وفي لفظٍ لمسلم: «إنما يُسافَرُ إلى ثلاثةِ مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».
وجه الدلالة من الحديث:
● النهيُ في الحديث يشمل شدَّ الرحال إلى كلِّ مكانٍ يُقصَد لذاته تقرّبًا وتعظيمًا، سواء كان مسجدًا أو غيره.
● السفرُ إلى القبور لزيارتها لم يثبت فيه دليلٌ عن النبي ﷺ، ولم يُنقل عن الصحابة والتابعين تخصيصُه بسفرٍ تعبّدي.
● لو كان السفرُ إلى غير هذه المساجد جائزًا للتقرّب، لكان السفر إلى المساجد أولى، وهي أفضل البقاع، ومع ذلك نُهي عن قصد غيرها للتعبّد.
● أما الأسفار الأخرى كطلب العلم ونحوه فهي جائزة، لأنها ليست مقصودة لذات المكان، وإنما لتحقيق غرضٍ شرعي.
2- فهم الصحابة رضي الله عنهم.
✅ عن قَزَعَة قال: سألتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما: آتي الطور؟ فقال: «دعِ الطور ولا تأته، ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاثة مساجد». رواه ابن أبي شيبة (7539) بإسناد صحيح.
✅ قال أبو هريرة رضي الله عنه: "لقيت أبا بصرة صاحب رسول الله ﷺ فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من الطور حيث كلم الله موسى.
فقال له: لو لقيتك قبل أن تذهب لزجرتك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... الحديث. رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (2/57)، وقال الألباني: "بسند جيد" في "إرواء الغليل" (3/227).
✅ وفي رواية لأحمد- قال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه... الحديث. صححه الألباني في "إرواء الغليل" (3/228).
▣ فقول أبي هريرة رضي الله عنه: «أقبلتَ من الطور حيث كلم الله موسى» يدل على أن المقصود بالسفر كان طلب فضل وبركة الموضع، سواء عُدّ مسجدًا أو لا،
مما يُفهم منه دخول مثل هذه المقاصد في عموم النهي عن شدّ الرحال لغير المساجد الثلاثة.
✔ إذن، دلت هذه الأحاديث على منع السفر إلى المواضع بقصد التعبّد وطلب البركة، غير المساجد الثلاثة، كالمشاهد وقبور الأنبياء والصالحين،
وقد بيّن الصحابة الذين رووا الحديث عمومه لغير المساجد، ففهموا أن السفر إلى الطور ونحوه طلبًا لبركة المكان داخل في عموم النهي عن شدّ الرحال، وإن لم يكن مسجدًا.
◄ وإن جاء اللفظ بصيغة النفي «لا تُشَدّ»، فالمراد به النهي كما قرره أهل العلم، نظير قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
◄ ويؤيد ذلك رواية مسلم بلفظ: «لا تشدوا الرحال»، وهي صريحة في النهي.
أقوال العلماء في حكم السفر لزيارة القبور.
★ قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله:
"قوله: (خرجت إلى الطور)، فقد بان في الحديث أنه لم يخرج ألبتة إلا تبركًا به، ليصلي فيه، ولهذا المعنى لا يجب الخروج إلا إلى الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث.
وعلى هذا جماعة العلماء: فيمن نذر الصلاة في هذه الثلاثة المساجد، أو في أحدها؛ أنه يلزمه قصدها لذلك.
ومن نذر صلاة في مسجد سواها، صلى في موضعه، ومسجده، ولا شيء عليه.
ولا يعرف العلماء غير الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد بيت المقدس؛ لا يجري عندهم مجراها شيء من المساجد سواها". انظر:("التمهيد" (23/38)).
★ قال الإمام النووي رحمه الله:
«واختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك،
فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره». انظر:(شرح صحيح مسلم (9/106)).
★ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
فإن قوله: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" استثناء مفرغ،
فإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مسجد إلا إلى هذه الثلاثة، وإما أن يكون التقدير: لا تشد إلى مكان مطلقًا من الأمكنة التي تقصد، وتعظم، ويسافر لأجلها.
فأما السفر لتجارة، أو جهاد أو طلب علم، أو زيارة أخ في الله، أو صلة رحم، ونحو ذلك، فإنها لم تدخل في الحديث؛
لأن تلك لا يقصد فيها مكان معين، بل المقصود ذلك المطلوب حيث كان صاحبه، ولهذا لم يفهم أحد من هذا هذه الأمور.
بخلاف السفر إلى البقاع المعظَّمة كطور موسى، وكقبور الأنبياء، والصالحين، فإن الصحابة، والتابعين، والأئمة، فهموا دخولها في هذا الحديث، ولم يكن في السلف من ينكر دخولها في الحديث.
ودخولها على أحد وجهين:
إن قيل: إن المستثنى منه: جنس البقاع المعظمة، فقد دخلت هذه.
وإن قيل: إن المستثنى منه: هو المساجد، فلا ريب أنه إذا لم يشرع السفر إلى المساجد، فلا يشرع إلى هذه بطريق الأولى؛
فإن المساجد أفضل البقاع، كما ثبت في الصحيح... انظر:(كتاب قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان (ص: 94)).
★ قال العلامة الصنعاني رحمه الله:
والحديثُ دليلٌ على فَضيلةِ المساجدِ هذه، ودلَّ بمَفهومِ الحَصْرِ أنَّه يَحرُمُ شَدُّ الرِّحالِ لِقَصدِ غيرِ الثلاثةِ -كزِيارةِ الصالحينَ أحياءً وأمواتًا؛
لِقَصدِ التقرُّب-، كقصْدِ المواضعِ الفاضلةِ؛لقَصدِ التبرُّكِ بها والصلاةِ فيها. انظر:(سُبل السلام) (3/ 394).
✅ أما من أجاز من العلماء- السفر لزيارة القبور أو غير المساجد الثلاثة، فقد تولّى الشيخ الألباني رحمه الله مناقشة أدلّتهم والرد عليها في كتابه «أحكام الجنائز»، فليراجع.
هل يجوز السفر لزيارة قبر النبي ﷺ؟
لا يجوز السفر أو شدّ الرحال بقصد زيارة القبر وحده، وإنما يُشرع السفر إلى المسجد النبوي، وتدخل زيارة القبر تبعًا؛ لأنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
● فمن سافر بنية زيارة المسجد النبوي، جاز له أن يزور قبر النبي ﷺ وقبري أبي بكر وعمر والشهداء والبقيع، تبعًا لذلك.
◄ أما إذا كان قريبا من القبر، ولا يُسمّى ذهابه إلى القبر سفرًا، فجائز؛
لأن زيارة قبر النبي ﷺ وصاحبيه، وقبور الشهداء والبقيع وسائر المسلمين- سنة وقربة للعظة وتذكّر الآخرة،
لقوله ﷺ: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». رواه مسلم. انظر: (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز 336/8).
هل يجوز السفر للصلاة في مسجد معين؟
يجوز السفر إذا لم يكن القصد تعظيم المكان نفسه، وإنما لغرض شرعي، مثل: طلب العلم- حضور حلق الذكر- الصلاة خلف إمام يزيد الخشوع- الانتفاع بعالم أو خطيب.
◄فذلك جائز؛ لأن المقصود هنا تحصيل منفعةٍ شرعية لا تعظيم المكان لذاته. انظر: "التعليقات على الكافي" (4/ 417).
خلاصة المنشور:
● السفر لزيارة القبور بقصد التعبد أو التبرك: لا يجوز.
● زيارة القبور بدون سفر: سنة.
● السفر للمساجد الثلاثة: مشروع.
● السفر لطلب العلم أو منفعة شرعية: جائز.
والله اعلم
اقرأ أيضا:
%20(2).webp)
تعليقات
إرسال تعليق